الإشكالات الجوهرية في العقلية الوهابية المعاصرة قراءة نقدية في منهج التلقّي والاحتجاج
3 يناير، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم الشيخ : نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
تمهيد
لم يكن الخلاف في تاريخ الأمة الإسلامية يومًا مشكلةً في ذاته، بل كان – في كثيرٍ من الأحيان – سببًا في ثراء الفكر وتنوع الاجتهاد واتساع الأفق. غير أن الإشكال الحقيقي يظهر حين يتحول الخلاف من اختلافٍ علميٍّ منضبط إلى احتكارٍ للحقيقة، ومن اجتهادٍ يُحتمل فيه الخطأ والصواب إلى عصمةٍ موهومة لأشخاصٍ بأعيانهم.
ومن أبرز النماذج المعاصرة التي أثارت جدلًا واسعًا في هذا السياق: العقلية الوهابية المعاصرة، لا بوصفها مدرسة فقهية فقط، بل كمنهجٍ في التفكير والتلقّي، له إشكالاته الجوهرية التي تستدعي الوقوف عندها بالنقد والتحليل.
أزمة المرجعية العلمية
من أخطر الإشكالات في العقلية الوهابية المعاصرة اضطراب ميزان الاحتجاج، وتقديم المتأخر على المتقدم دون ضابط علمي معتبر.
فلو وُجد في مسألةٍ فقهيةٍ قولٌ للإمام الشافعي – أحد أئمة الاجتهاد المطلق، ومؤسس مدرسة فقهية متكاملة – وقولٌ آخر لابن باز، فإن السلفي المعاصر – في الغالب – سيختار قول ابن باز، لا لقوة الدليل بعد وزنٍ علمي، بل للانتماء المنهجي المسبق.
وهذا يطرح سؤالًا خطيرًا:
متى تحوّل الأئمة المجتهدون إلى مجرد “آراء تاريخية”، وصار المتأخر هو الميزان والمعيار؟
انتقائية التعامل مع التفسير
عند النظر في تفسير القرآن الكريم، نجد أن الأمة أفرزت مدارس تفسيرية كبرى، من أبرز أعلامها الإمام فخر الدين الرازي، صاحب مفاتيح الغيب، وهو من أعمدة التفسير العقلي والنقلي.
لكن حين تُعرض آية، ويفسرها الرازي تفسيرًا علميًا رصينًا، ويأتي تفسيرٌ آخر للشيخ السعدي، فإن العقلية الوهابية غالبًا ما تُقصي تفسير الرازي جملةً وتفصيلًا، لا لمناقشة علمية، بل لأنه لا ينتمي إلى الخط العقدي ذاته.
وهنا يتحول التفسير من علمٍ له أدواته وقواعده إلى اختيار أيديولوجي.
إعادة تشكيل علوم الحديث
من أعجب الإشكالات: التعامل مع شروح الحديث.
فإذا كان الحديث في صحيح البخاري، وشرحه ابن حجر العسقلاني – وهو إمام الحفاظ، وشرحه عمدة الأمة في هذا الباب – ثم جاء شرحٌ آخر للألباني، فإن الميزان عند السلفي المعاصر يميل مباشرة إلى الألباني، ولو خالف ابن حجر في الفهم والترجيح.
وهنا لا يكون السؤال:
من الأعلم بالبخاري؟
بل: من الأقرب إلى التوجّه الوهابي؟
وهو خللٌ منهجي خطير، لأن العلوم لا تُدار بالولاءات، بل بالكفاءات.
اضطراب المنهج العقدي
في مسائل العقيدة، حيث تكلّم أئمة الأمة الكبار:
الجويني، والغزالي، والعز بن عبد السلام، والبيهقي، وغيرهم من أعلام أهل السنة والجماعة، نجد أن العقلية الوهابية لا ترى في أقوالهم حُجّية تُذكر، إذا خالفت ما قاله ابن عثيمين أو غيره من شيوخ المدرسة الوهابية.
وهذا يعكس إعادة تعريفٍ جديدة لأهل السنة، تجعلهم محصورين في جيلٍ متأخر، وتُلغي قرونًا من الاجتهاد العقدي الرصين.
دعوى السلفية ومفارقة الواقع
يرفع الوهابي شعار: الرجوع إلى السلف، لكنه في التطبيق العملي: يخطّئ الأئمة الأربعة، ويُضعف إجماع القرون المفضّلة
ويقدّم فهمه الخاص على فهم الصحابة والتابعين
حتى يصل الأمر ببعضهم – صراحةً – إلى القول:
“لو قال أبو بكر الصديق هذا القول لخطّأناه”.
وهنا نسأل: أي سلفٍ هذا الذي يُخطّئ خير القرون، ولا يرى نفسه بحاجةٍ إلى إجماعهم؟
وهم العصمة المعاصرة
المشكلة الجوهرية ليست في مخالفة الشافعي، ولا في ترجيح قولٍ لابن باز أو ابن عثيمين، فكلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويُرد، لكن الإشكال الحقيقي هو:
عصمةٌ عملية لشيوخٍ معاصرين
واتهامٌ ضمني – وأحيانًا صريح – للأمة عبر تاريخها بالضلال والخطأ
فيصبح السلفي – في لاوعيه – هو الناجي وحده، وغيره على خطر عظيم.
خاتمة
إن نقد العقلية الوهابية المعاصرة ليس طعنًا في أشخاص، ولا خصومةً مع أفراد، وإنما هو دفاعٌ عن المنهج السني الأصيل، الذي يقوم على:
احترام التراكم العلمي، توقير الأئمة، ضبط الخلاف،والتفريق بين السلف الصالح، وبين من ادّعى الانتساب إليهم زورًا
وقد صدق من قال: ليس كل من رفع شعار السلف كان منهم، ولا كل من صرخ باسم الصحابة سار على دربهم.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.