من العجب أن يتمسك المرء بالدين فإن ابتلي تركه

بقلم : الدكتور / طه عبدالحافظ احمد الوزيرى
دكتوراة فى الدعوة والثقافة الاسلامية ـ جامعة الازهر

ومن العجب أن يتمسك المرء بالدين فإن ابتلي تركه.

وهذا عين الغفلة، نجده مصلياً داعياً إلى الخير والتغيير والإصلاح، فإذا ابتلي ترك كل شيء وأصبحت كلماته ومواقفه تتسم بالميوعة!

مع أن الابتلاء هو بداية رضا الله –تعالى- عنه، فلا يُمكّن للمرء حتى يبتلى كما قال علماؤنا.

والابتلاء كلما كان فيه شدة كلما كانت مكانتك عند الله كبيرة، فالابتلاء هو علامة الجودة بالنسبة للإيمان.

​يقول الإمام ابن قيم الجوزية: «فلا بد من حصول الألم لكلِّ نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمُعْرِض عن الإيمان تحصل له اللذةُ ابتداءً ثم يصير في الألم الدائم».

​وسئل الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: «لا يُمكَّن حتى يبتلى. والله عز وجل ابتلى أولي العزم من رُسُله، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظنَّ أحد أنه يَخْلُص من الألم البتة، وإنما تفاوَت أهلُ الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًّا عظيمًا بألمٍ منقطع يسير، وأسْفَهُهم من باع الألمَ المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر» (زاد المعاد في هدي خير العباد، ج 3، ص 17، دار عطاء العلم).

​فالذي يتخلى عن العبادة والحق عند الابتلاء فهو في الأصل لا يبتعد عن الضيق وإنما يبتعد عن مقام القرب من الله –تعالى-، فواعجبا لهذا المسكين!

​يقول تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت، الآيتان: 2، 3].

​إن هناك من كان يفعل ذلك في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم-، كان يدخل الإسلام فإن أصاب دنيا أقام على العبادة، وإن فاتته دنيا ترك العبادة!

​وفيهم يقول الله –تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [سورة الحج، الآية: 11].

​يقول الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية: «يعني جلّ ذكره بقوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)، أعراباً كانوا يقدمون على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مهاجرين من باديتهم، فإن نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة والدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإلا ارتدّوا على أعقابهم. فقال الله: (ومن الناس من يعبد الله) على شكّ، (فإن أصابه خير اطمأن به) وهو السعة من عيش وما يشبهه من أسباب الدنيا اطمأنّ به يقول: استقرّ بالإسلام وثبت عليه، (وإن أصابته فتنة) وهو الضيق بالعيش وما يشبهه من أسباب الدنيا (انقلب على وجهه) يقول: ارتدّ فانقلب على وجهه الذي كان عليه من الكفر بالله» (تفسير الطبري، ج 18، ص 575، ط: دار التربية والتراث).

​فيا أخي الكريم:

عليك بالثبات إذا اضطرب الناس، والتمسك بالحق إذا تخلى عنه غيرك، واجعل ابتلاءك قوة لقلبك وقرباً من ربك.