الاستقلال النفسي عند السادة الصوفية
28 أبريل، 2026
منهج الصوفية

بقلم : خادم العلم الشريف
دكتور أحمد خميس شتيه
– من الأسس النفسية التي يربي عليها السادة الصوفية طلابهم : ( الاستقلال النفسي) ومعناه : الاستغناء التام عن الخلق . وعدم الاعتماد عليهم . وعدم التشوف لأي نفع يأتي من قِبلهم . وعدم الخوف من أي ضرر يحصل من جهتهم .
– هذا لأن الصوفية يربون مريديهم على اليقين الكامل في الله تعالى . وأنه – وحده – النافع والضار .
– إن هذا الأساس لو تعمق في النفس الإنسانية لتحول الإنسان من كائن ضعيف الباطن إلى رجل رجولة حقيقية . قوي الإيمان . قوي اليقين . بربه لا بنفسه .
– لقد جعل السادة الصوفية إسقاط الخلق من الحسابات أساسا من أسس السلوك .
قال الشيخ زروق رضي الله عنه: أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع الرسول في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء، والرضا عن الله في القليل والكثير .
– ولقد كان هذا الأدب وهذا اليقين أساسا تربويا في المدرسة الشاذلية الحديثة. كتب سيدي أبو الحسن الشاذلى قدس سره فى ذلك لبعض أصحابه : “… لا تعبأن بمن ناوأك ، ولا تعتمدن على من والاك ، إنما هي ربوبية تولت عبودية قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾[الأنعام: 123]. في كل مدينة وقرية إن الأكابر مجرموها والصالحون فقراؤها . ولن تجد لسنة الله تبديلًا وكفى بالله وكيلًا، …
– وقال رضي الله عنه في ذات المعنى : ” اجلس جلوس من فقد الكل وعزاه الله بقوله عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[الرَّحمن: 26]، وبقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص: 88]. فليس بعاقل من لم يعتز بعز الله عز وجل …” .
– ولما دخل بعض كبار الدولة بالمغرب على الشيخ أبى الحسن الشاذلى وقال له: “ما أرى لك كبير عمل فأخبرني بم فُقت الناس وعظّموك؟ فقال الشيخ أبو الحسن : لي حسنة واحدة افترضها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم تمسكت بها. فقال: وما هي؟ فقال الشيخ أبو الحسن: الإعراض عنكم وعن دنياكم قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النَّجم: 29]([3]).
– وعلى الدرب نفسه قال سيدي أبو العباس المرسى رضي الله عنه : “والله ما رأيت العز إلا فى رفع الهمة عن الخلق”، ونودى ذات يوم : “السلامة فى الدين بترك الطمع فى المخلوقين”
– وقال يوما لأصحابه : جاءنى الطواشى بهاء الدين – وهو مشد الديوان إذ ذاك – والفقيه شمس الدين الخطيب – وهو يومئذ ناظر الأجياش – فقال لى : إن هذه القلعة تحتاج إلى حصر وزيت وقناديل وتحتاج الفقهاء فيها إلى ما يأكلون ونحن حكام الوقت نطلق لها شيئا كل شهر، فقلت لهم : حتى أشاور أصحابى ، وأنتم أصحابى، فماذا تشيرون ؟ . فلم يرجع إليه أحد جوابا فأعاد الأمر مرارا، فلم يجبه أحد ، فقال : اللهم أغننا عنهم ولا تغننا بهم إنك على كل شىء قدير، ولم يجبهم إلى ما ذكروا ، قال ابن عطاء الله : ومات الشيخ رحمه الله تعالى وليس للمكان مرتب ولا معلوم. ولهذا كان الشيخ أبو العباس يقول: للناس أسباب ، وسببنا نحن الإيمان والتقوى قال الله تعالى {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف 96]
– ويقول سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه : “ورفع الهمة إنما تنشأ عن صدق الثقة بالله ، وصدق الثقة بالله إنما تنشأ عن الإيمان بالله على سبيل المعاينة والمواجهة ، فيوجب لهم إيمانهم الاعتزاز بالله … والذى يوجب لك رفع الهمة عما سوى الله علمك بأنه لم يخرجك إلى مملكته إلا وقد كفاك ومنحك وأعطاك فلم يبق لك حاجة عند غيره .
أيها القاريء الكريم
– لأجل هذا المعنى الكبير الشريف . وهو معنى الاستغناء أو ( الاستقلال النفسي ) نقول دوما : إن الأمة تحتاج إلى إحياء منهج السادة الصوفية ليفيد منه المسلمون جميعا في تربية نفوسهم .
– وما أحوج شباب اليوم إلى مثل هذا المعنى وأشباهه من أجل الارتقاء من كبوات السلوك وانحطاطات الأخلاق . والنجاة من هشاشة البواطن ورقة الدين .