الحج عبادة تحكمها الأحكام وتحييها المعانى


بقلم چيهان عبد العزيز بدر (سما الشاطبي)

الواعظة بوزارة الأوقاف

وددت أن أكتب عن الحج ونحن بصدد الحديث عنه وشعرت أن الكلمات لا تكفي لوصف هذا المعنى الذي يسكن القلب قبل أن يُدركه العقل كأن الحديث عنه ليس مجرد عرض لأحكام ولا سرد لمناسك بل هو اقتراب هادئ من معنى العبودية حين تصفو وتخلص

أشعر وأنا أكتب أن الحج ليس رحلة عابرة بل انتقال داخلي عميق يخرج فيه الإنسان من ضجيج الدنيا إلى سكون الطاعة ومن ثقل العادة إلى خفة الامتثال وقد فرضه الله على المستطيع رحمة بعباده فجعل الاستطاعة شرطا حتى لا يُكلف نفسا إلا وسعها فتجتمع في هذا التكليف دقة الحكم ولطف المقصد

ثم يمضي القلب قبل الجسد إلى الإحرام وددته لحظة خلع لكل ما يثقل الروح قبل أن يكون خلعًا لثياب ظاهرية حيث يقف الإنسان في هيئة واحدة لا يميزه شيء وكأن الشريعة تعيده إلى أصله الأول عبدا لا يملك إلا ضعفه ولا يرجو إلا ربه

ثم يأتي الطواف أشعره دوران الروح قبل دوران الجسد حول مركز المعنى حيث يلتف القلب حول محبة الله قبل أن تلتف الخطى حول البيت وكأن الحركة تهمس للإنسان أن الثبات الحقيقي ليس في الوقوف بل في الاتجاه

ويأتي السعي بين الصفا والمروة فأراه امتدادا لمعنى الأخذ بالأسباب مع تمام التوكل حيث تمضي الخطوات وفي داخلها يقين أن الفرج بيد الله وحده وأن الحركة الصادقة لا تضيع

أما عرفة فإني أشعرها ذروة المعنى ومقام الانكسار الصافي حيث لا يملك الإنسان إلا الدعاء ولا يجد إلا باب الرحمة مفتوحا فيعود إلى نفسه ويرى ضعفه كما لم يره من قبل فيقرب بذلك من ربه قربا لا تصفه العبارات

ثم تمتد بقية المناسك بين مبيت ورمي وطواف وكلها في ظاهرها أفعال محددة لكنها في حقيقتها تربية على التسليم والانقياد حيث يتعلم القلب أن يطيع دون جدال وأن يمتثل دون تردد

وفي أحكام الحج دقة ظاهرة من أركان لا يصح النسك إلا بها وواجبات يجبر نقصها وسنن يكمل بها الجمال ومع ذلك أشعر في كل ذلك بسعة ورحمة حيث راعت الشريعة أحوال الناس فخففت ويسرت حتى لا تتحول العبادة إلى مشقة تُنسي معناها

ويبقى الحج في نهايته ليس مجرد أداء صحيح بل أثر باق في القلب فإن عاد الإنسان كما ذهب فقد فاته من المعنى بقدر ما أدرك من الصورة أما إذا عاد وفي داخله شيء من الصفاء فقد ذاق من سر هذه الفريضة ما يجعله أقرب إلى الله وأصدق مع نفسه

وأسأل الله وأنا أكتب أن يرزقنا صدق القصد قبل تمام العمل وأن يجعل لنا من هذا الحديث نصيبا في القلب لا يزول وأن يبلغنا بيته ونحن أحوج ما نكون إلى رحمته ورضاه