سيناء بين وعد السماء وصدق الرجال.

بقلم الدكتورة: إيمان إبراهيم عبد العظيم
مدرس القانون بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.

في كل عامٍ تهبُّ علينا ذكرى تحرير سيناء – حيث يلتقي النصر بالإيمان- لا كحدثٍ عابرٍ في صفحات التاريخ، بل كنبضٍ حيٍّ يسري في وجدان أمةٍ عرفت أن الأرض لا تُسترد إلا حين تصدق القلوب مع الله.

سيناء تلك البقعة المباركة التي ذكرها الله في كتابه الكريم، وأقسم بها في القرآن الكريم، فقال: “وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۝ وَطُورِ سِينِينَ”، فكانت أرضًا اصطفاها الله للشهود، ومسرحًا لتجلياتٍ عظيمة، حيث كل حبة رملٍ فيها تحكي قصة صبرٍ، وكل نسمة هواءٍ تردد دعاء المجاهدين.

لم يكن التحرير مجرد انتصارٍ عسكري، بل كان درسًا ربانيًا في معنى التوكل والأخذ بالأسباب؛ حين امتزجت دموع الأمهات بدعوات الساجدين، وارتفعت الأكف في جوف الليل تستنصر ربها، فجاء وعد الله حقًا، وصدق قوله تعالى: “إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ”.

في سيناء، تعلّمنا أن الطريق إلى النصر يبدأ من الداخل أي من إصلاح القلب، ومن يقينٍ لا يتزعزع أن مع العسر يُسرًا. تعلّمنا أن الجنود لم يكونوا وحدهم في الميدان، بل كانت الأمة كلها خلفهم، بالدعاء، بالصبر، بالإيمان العميق أن الأرض أمانة، وأن التفريط فيها خذلان.

وإذا كان النصر قد تحقق بالسلاح، فقد ثُبّت بالإيمان، فالنصر الحقيقي ليس فقط استرداد الأرض، بل استرداد المعنى معنى العزة، والكرامة، والانتماء.

فلنقف اليوم مع هذه الذكرى وقفة محاسبةٍ قبل أن تكون وقفة احتفال:
هل نحن على قدر تلك التضحيات؟
هل حفظنا الأمانة التي سُقيت بدماء الشهداء؟

إن تحرير سيناء يذكّرنا أن النصر وعد، لكنه مشروط بصدقنا مع الله، وبوحدتنا، وبأن نكون كما أراد لنا: أمةً تُحيي الحق ولا تفرّط فيه.

سلامٌ على سيناء تلك الأرض التي باركها الله، وسلامٌ على رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه،

وسلامٌ على وطنٍ تعلّم أن النصر يبدأ من السماء ثم يُكتب على الأرض.
إن تحرير سيناء يرسّخ فينا أن الوحدة قوة، وأن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها شعبٌ مؤمن بها. كما يذكّرنا بأن تضحيات الأبطال ليست صفحات تُطوى، بل أمانة نحملها لنصون الوطن ونبنيه.

وهكذا تبقى سيناء درسًا خالدًا…

 

أن النصر طريقٌ يبدأ بالإيمان، ويُروى بالصبر، ويُتوَّج بالإرادة.