خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ المُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ ) للدكتور: مُحَمَّدٌ حِرْز


خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ المُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ )

للدكتور: مُحَمَّدٌ حِرْز

 

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
takalef alzawag

بِتَارِيخِ 6 ذو القعدة 1447هـ / 24 إبريل 2026م

الْحَمْدُ للهِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَاً، خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرَاً فَجَعَلَهُ نَسَبَاً وَصِهْرَاً، وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرَاً، وَشَرَعَ الزَّوَاجَ لِهَدَفٍ أَسْمَى وَغَايَةٍ عُظْمَى، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، حَمْدًا كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِّيْكَ لَهُ، ﴿ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ [النجم: 45-46]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ الْمُجْتَبَى وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأوْلَى، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: 5]. عِبَادَ اللّهِ: ((تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ المُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ )) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

♦️❖ أَوَّلًا: التَّيْسِيرَ التَّيْسِيرَ فِي الزَّوَاجِ عِبَادَ اللَّهِ!!

♦️❖ ثَانِيًا: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ المُغَالَاةِ فِي أُمُورِ الزَّوَاجِ!!

♦️❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ فِي تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ بَيْنَ المُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا أَصْبَحَتْ فِيهِ المَظَاهِرُ الكَذَّابَةُ فِي الزَّوَاجِ سَيِّدَةَ المَوْقِفِ، وَانْتَشَرَتِ المُغَالَاةُ، وَالعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ السَّيِّئَةُ، وَالمُقَارَنَاتُ الاجْتِمَاعِيَّةُ المُحْبِطَةُ فِي الزَّوَاجِ بِصُورَةٍ مُخْزِيَةٍ بَشِعَةٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً وَلَقَدْ عَزَفَ الكَثِيرُ مِنْ شَبَابِنَا عَنِ الزَّوَاجِ، وَرَاحَ يَبْحَثُ فِي مَوَاقِعِ الفِتْنَةِ وَالرَّذِيلَةِ لِتَكُونَ بَدِيلًا لَهُ عَنِ الزَّوَاجِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، وَانْتَشَرَتِ العُنُوسَةُ فِي أَوْسَاطِ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ بِصُورَةٍ مُخْفِيَّةٍ، وَأَصْبَحَتْ – عِنْدَ بَعْضِهِمْ – مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ فِي المُجْتَمَعَاتِ، هُرُوبًا مِنَ الغَلَاءِ وَالتَّكَالِيفِ البَاهِظَةِ فِي أُمُورِ الزَّوَاجِ. وَخَاصَّةً نَرَى بَعْضَ الزَّوْجَاتِ تَكَلُّفَ زَوْجَهَا فَوْقَ طَاقَتِهِ فِي تَجْهِيزِ البَيْتِ وَالمُتَطَلِّبَاتِ، فَيَضْطَرُّ الزَّوْجُ المِسْكِينُ إِلَى القُرُوضِ الرِّبَوِيَّةِ، أَوِ الرِّشْوَةِ، أَوِ الاخْتِلَاسِ، أَوِ السَّرِقَةِ؛ لِيَظْهَرَ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ أَمَامَ النَّاسِ، ثُمَّ تَكُونُ النِّهَايَةُ وَخِيمَةً: حَبْسٌ وَدَمَارٌ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ النَّاسِ وَالمَظَاهِرِ الجَوْفَاءِ الفَارِغَةِ الكَذَّابَةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَمِنْ هُنَا تَحَوَّلَتْ فِكْرَةُ الزَّوَاجِ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ تُرْجَى، إِلَى قَلَقٍ يُرْهِقُ، وَمِنْ مَوَدَّةٍ تَرْفَعُهُ، إِلَى جَفَاءٍ يَقْهَرُهُ، وَمِنْ أَمَلٍ يُزْهِرُ، إِلَى خَوْفٍ يُقْلِقُ؛ إِذْ يَشْعُرُ المُقْبِلُ عَلَى الزَّوَاجِ أَنَّهُ أَمَامَ عِبْءٍ ثَقِيلٍ يَفُوقُ طَاقَتَهُ، أَوِ اخْتِبَارٍ صَعْبٍ لَا يَمْلِكُ أَدَوَاتِهِ، فَيَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ الإِحْبَاطُ وَالشُّعُورُ بِالفَشَلِ، وَيَهْرُبُ مِنَ الزَّوَاجِ إِلَى العُزُوبِيَّةِ حَتَّى سَمِعْنَا بَعْضَ الشَّبَابِ يَقُولُ: مَا أَجْمَلَ حَيَاةَ العُزُوبِيَّةِ! وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِهَذَا يُخَالِفُ الفِطْرَةَ، وَيُصَادِمُ الإِنسَانِيَّةَ، وَيُخَالِفُ هَدْيَ الإِسْلَامِ؛ (فَلَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلَامِ). فَاللَّهَ اللَّهَ فِي شَبَابِ المُسْلِمِينَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي تَيْسِيرِ أُمُورِ الزَّوَاجِ، يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، خَفِّفُوا وَلَا تُثَقِّلُوا، وَكُونُوا عَوْنًا عَلَى العِفَّةِ، لَا سَبَبًا فِي الفِتْنَةِ وَالعَنَتِ.

♦️❖ أَوَّلًا: التَّيْسِيرَ التَّيْسِيرَ فِي الزَّوَاجِ عِبَادَ اللَّهِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةِ، وَآيَاتِهِ الْعَظِيمَةِ الزَّوَاجُ، وَطَبِيعَةُ الْحَيَاةِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالزَّوَاجِ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالزَّوَاجِ بِالرَّجُلِ، وَمَنْ أَخْبَرَكُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ؛ فَلَقَدْ خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِبَعْضٍ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَابِطَةَ السَّكَنِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّومِ: 21]. وَالزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ أَيُّهَا الْكِرَامُ خَيْرُ مَتَاعٍ يَتَمَتَّعُ بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، يَا تُرَى مَنِ الْقَائِلُ؟ إِنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ قَالَ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ))؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَكَيْفَ لَا؟!
وَالْإِسْلَامُ رَغَّبَ فِي الزَّوَاجِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النُّورِ: 32]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ رَغِبَ عَنِ الزَّوَاجِ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَكَيْفَ لَا؟! وَالْإِسْلَامُ جَاءَ مُطْمَئِنًّا لِقُلُوبِ الْهَارِبِينَ الْخَائِفِينَ مِنْ تَحَمُّلِ أَعْبَاءِ الزَّوَاجِ وَمَسْؤُولِيَّاتِهِ؛ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النُّورِ: 32]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: … وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ»؛ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الزَّوَاجِ يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى”، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ”. وَالسَّعَادَةُ مَطْلَبٌ عَظِيمٌ، وَمَقْصِدٌ جَلِيلٌ، وَإِنَّ مِمَّا شَرَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ، وَجُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَيْهِ؛ الِارْتِبَاطُ بِرِبَاطِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَحُصُولِ الْأُنْسِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَهُدُوءِ النَّفْسِ، وَرَاحَةِ الْبَالِ، إِذَا وَفَّقَ اللَّهُ الزَّوْجَيْنِ لِلتَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَالزَّوَاجُ عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ الْإِنْسَانُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَسْتَكْمِلُ بِهِ نِصْفَ دِينِهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي»؛ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَالزَّوَاجُ طَرِيقٌ لِغَضِّ الْأَبْصَارِ، وَحِفْظِ الْفُرُوجِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَاتِ، وَصِيَانَةِ الْحُرُمَاتِ، وَطَلَبِ الذُّرِّيَّةِ، وَفِيهِ حِفْظٌ لِلدِّينِ، وَتَحْقِيقٌ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ النَّسْلِ وَالْأَخْلَاقِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِاسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ.

لِذَا رَغَّبَ الشَّارِعُ فِي الزَّوَاجِ، وَحَثَّ عَلَى تَيْسِيرِهِ وَتَعْبِيدِ طَرِيقِهِ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يَقِفُ عَقَبَةً فِي طَرِيقِهِ أَوْ يُعَكِّرُ صَفْوَهُ؛ وَجَعَلَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ التَّيْسِيرَ مَبْدَأً مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَةِ، وَمَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِهِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي شَمِلَتْ جَوَانِبَ مُتَعَدِّدَةً، وَخَاصَّةً فِي الزَّوَاجِ، وَكَيْفَ لَا؟! وَالتَّيْسِيرُ هُوَ السَّبِيلُ الصَّحِيحُ لِاسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْقَوِيمِ، لِذَلِكَ جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى التَّيْسِيرِ، وَتُؤَصِّلُهُ تَأْصِيلًا مُحْكَمًا لَا تَتْرُكُ بِذَلِكَ مَجَالًا لِلتَّعْسِيرِ وَالتَّضْيِيقِ وَالْحَيْلُولَةِ دُونَ مُمَارَسَةِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ. (قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»). والتَّيْسِيرُ هُوَ مِشْكَاةُ الزَّوَاجِ الْوَضَّاءَةُ، وَرُوحُ مِيثَاقِهِ الْغَلِيظِ، وَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ تَيْسِيرُ الْمَهْرِ وَالصَّدَاقِ: فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ، وَمِنْ أَسْبَابِ الْبَرَكَةِ وَالتَّوْفِيقِ فِيهِ، فَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى تَخْفِيفِ الصَّدَاقِ وَعَدَمِ الْمُغَالَاةِ فِيهِ، ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَسْهِيلِ أَمْرِ الزَّوَاجِ، وَإِعَانَةِ الشَّبَابِ عَلَى الْإِعْفَافِ، وَإِغْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَنْ الْفِتَنِ وَالْعَنَتِ. فممَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قَوْلِهِ الْمَأْثُورِ: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ]؛

وَأَكَّدَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ الشَّرِيفِ: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ]. وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» [رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ] . وَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ: تَيْسِيرُ الْخِطْبَةِ؛ فَهُوَ مِنْ بَرَكَةِ الْمَرْأَةِ وَسَعَادَتِهَا، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الزَّوَاجِ، وَذَلِكَ بِعَدَمِ التَّشَدُّدِ فِي الشُّرُوطِ، وَتَسْهِيلِ سُبُلِ الْتَّوَاصُلِ الشَّرْعِيِّ بَيْنَ الْأُسَرِ، وَإِتَاحَةِ فُرْصَةِ الِاطِّمْئِنَانِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى عَقْدِ الزَّوَاجِ، حَتَّى يَقَعَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَرِضًا وَقَبُولٍ فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ أَنْ يُتَيَسَّرَ فِي خِطْبَتِهَا، وَأَنْ يَتَيَسَّرَ صَدَاقُهَا، وَأَنْ يَتَيَسَّرَ رَحِمُهَا». قَالَ عُرْوَةُ: يَعْنِي يَتَيَسَّرُ رَحِمُهَا لِلْوِلَادَةِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنَا أَقُولُ مِنْ عِنْدِي: مِنْ أَوَّلِ شُؤْمِهَا أَنْ يَكْثُرَ صَدَاقُهَا» [رَوَاهُ الْحَاكِمُ]. وَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ تَيْسِيرُ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَخْطُوبَةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: “كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا)). وَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ تَيْسِيرُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَقَدْ تَزَوَّجَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»؛ تَيْسِيرًا عَلَيْهِ. وَفِي زَوَاجِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – يَقُولُ أَنَسٌ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: “مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا، أَوْلَمَ بِشَاةٍ”. وَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ تَيْسِيرُ الْمَطْلُوبَاتِ وَالِالْتِزَامَاتِ مِنَ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ مِنْ نَفَقَاتِ الزَّوَاجِ، فَقَدْ رَغَّبَ الشَّرْعُ فِي تَقْلِيلِهَا، وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ بَرَكَتُهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطَّلَاقِ: 7]. وَعِنْدَ زَوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ لَهَا: «أَمَا إِنِّي لَا أَنْقُصُكِ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَيْتُ أُخْتَكِ فُلَانَةَ: رَحَيَيْنِ وَجَرَّتَيْنِ وَوِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ». فَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ، وَضَبْطُ الْأُمُورِ، وَعَدَمُ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، وَالْمُغَالَاةِ وَالزِّيَادَةِ فِي تَكْلِفَاتِ الزَّوَاجِ.

وَالْمَسْؤُولِيَّةُ تَقَعُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي تَيْسِيرِ زَوَاجِ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ؛ قَالَ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فَإِنَّ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَتَزْوِيجِهِنَّ بِالْأَكْفَاءِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَعَاقِبَتُهُ وَخِيمَةٌ،. وَكذا بَعْضُ الْفَتَيَاتِ -هَدَاهُنَّ اللَّهُ- يَرْفُضْنَ الزَّوَاجَ بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ، فَيَمْضِي بِهِنَّ قِطَارُ الْعُمُرِ، فَلَا يَشْعُرْنَ إِلَّا حِينَ يَقِفُ بِهِنَّ فِي مَحَطَّةِ الْعُنُوسَةِ، نَاهِيكُمْ عَنْ غُرُورِ بَعْضِهِنَّ وَاعْتِقَادِهِنَّ أَنَّ فَارِسَ أَحْلَامِهِنَّ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، مَعَ تَفْضِيلِ الدِّرَاسَةِ وَالْوَظِيفَةِ عَلَى الزَّوَاجِ، وَاخْتِيَارِ الْعُنُوسَةِ مِنْ خِلَالِ بَحْثِهِنَّ عَمَّا يُسَمَّى الْحُرِّيَّةَ الزَّائِفَةَ، وَالتَّهَرُّبِ مِنَ الِالْتِزَامَاتِ الْأُسْرِيَّةِ فّيَتْرُكْنَ الْبَيْتَ وَالْحِجَابَ، وَيَنْسَقْنَ وَرَاءَ التَّيَّارَاتِ الْفِكْرِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ وَالدَّعَوَاتُ الْمُضَلِّلَةُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

♦️❖ ثَانِيًا: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ المُغَالَاةِ فِي أُمُورِ الزَّوَاجِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ مِمَّا يُحْزِنُ القَلْبَ ما نُشاهِدُهُ في واقِعٍ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ كَثْرَةِ العراقيِلِ وَالعَقباتِ الَّتيِ وُضِعتْ في طريقِ النِّكاحِ، في طَريقِ الحلالِ مَعَ كَثْرَةِ الفِتَنِ وَقِيامِ سوُقِ الشَّهواتِ، وَتَيَسُّرِ الحرامِ؛ فَمِنَ العَقباتِ الَّتيِ يَجِبُ التَّعاوُنَ عَلَىَ حَلِّها وَإِزالتِها فيِما يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ النِّكاحِ كَثْرَةِ تَكاليِفِ النِّكاحِ إِلَىَ حَدٍّ أَصْبَحَ النِّكاحُ مَعَهُ عَسيرًا عَلَىَ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَيُوَاجِهُ الشَّبَابُ مِنْ أَجْلِ الزَّوَاجِ أَعْبَاءً مَالِيَّةً كَبِيرَةً؛ فَالْمهْرُ، وَبَيْتُ الزَّوْجِيَّةِ الْمُنَاسِبُ، وَحَفْلَةُ الزَّوَاجِ وحجزُ القاعاتِ، وَالتَّكَلُّفُ فِي الْحَفَلَاتِ ، وجَلَسَاتُ التَّصْوِيرِ (الفُوتُوسِيشَنُ): أَصْبَحَتْ رُكْنًا أَسَاسِيًّا يُكَلِّفُ آلَافَ الْجُنَيْهَاتِ، وَتَجَاوَزَتْ حُدُودَ الْخُصُوصِيَّةِ بِنَشْرِ الصُّوَرِ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، مِمَّا يُضْعِفُ قِيمَةَ “الْغَيْرَةِ”. تَكَالِيفُ بَاهِظَةٌ وَنَفَقَاتٌ مُذْهِلَةٌ، وَعَادَاتٌ فَرَضَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، تَقْلِيدًا وَتَبَعِيَّةً، وَمُفَاخَرَةً وَمُبَاهَاةً، وَإِسْرَافًا وَتَبْذِيرًا، الْأَمْرُ الَّذِي تَسَبَّبَ فِي عُزُوفِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ عَنِ الزَّوَاجِ الْيَوْمَ.

فَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْوَاقِعِ الْيَوْمَ يَجِدُ أَنَّ كَثِيرًا قَدِ ابْتَعَدَ عَنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ فِي تَسْهِيلِ سُبُلِ الزَّوَاجِ وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ؛ فَمُشْكِلَةُ غَلَاءِ الْمُهُورِ؛ بَلَغَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْسَاطِ، حَدًّا لَا يُطَاقُ إِلَّا بِجِبَالٍ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَ الزَّوْجِ. وَالشَّرِيعَةُ رَغِبَتْ فِي الْاِقْتِصَادِ فِي الْمُهُورِ؛ فَقَدْ «كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِزَوْجَاتِهِ ثنتِي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنِصْفَاً»؛ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، ،وَقَدْ يَلْجَأُ ضِعَافُ الْإيمَانِ إِلَى الحَرَامِ لِعَدَمَ القُدْرَةِ عَليِهِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُغَالِينَ فِي الْمُهُورِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ مِنَ الْفِضَّةِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَىً فِي الْآخِرَةِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَةً». رَوَاهُ أَحْمَدُ

وَلَا شَكَّ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي تَكْلِفَاتِ الزَّوَاجِ تُعَدُّ صُورَةً مِنْ صُوَرِ التَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ، وَهُوَ مِمَّا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِهْدَارِ الْمَالِ فِيمَا لَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَتَحْوِيلِ النِّعَمِ إِلَى أَسْبَابِ الثِّقْلِ وَالْعَنَاءِ بَدَلَ أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً لِلرَّاحَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي ذَمِّ الْإِسْرَافِ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 141]، وَ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: 26-27]. وَالإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ دَاءٌ فَتَّاكٌ يُهَدِّدُ الأُمَمَ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَيُبَدِّدُ الأَمْوَالَ وَالثَّرَوَاتِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلْعُقُوبَاتِ وَالْبَلِيَّاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ. وَالْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ مَرَضَانِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْفَتَّاكَةِ الَّتِي تَنْخُرُ فِي قُوَّةِ الْمُجْتَمَعِ وَصَلَابَتِهِ.

وَمِنْ العراقيِلِ وَالعَقباتِ: وُقُوفُ أَوْلِيَاءِ أُمُورِ الْفَتَيَاتِ حَجَرَ عَثْرَةٍ أَمَامَ زَوَاجِهِنَّ مِنْ رِجَالٍ أَكْفَاءَ؛ فَتَارَةً يَرُدُّونَ الْخُطَّابَ بِحُجَّةِ فَقْرِهِمْ، أَوِ اشْتِرَاطِهِمْ لِطَلَبَاتٍ تَعْجِيزِيَّةٍ، أَوِ النَّظْرَةِ الدُّونِيَّةِ بِسَبَبِ التَّفَاوُتِ الْاِجْتِمَاعِيِّ أَوِ الْمَنَاطِقِيِّ أَوِ التَّعْلِيمِيِّ وَغَيْرِهَا. فَأَصْبَحَ بِذَلِكَ الْحَلَالُ صَعْبًا، وَأَصْبَحَ الشَّابُّ يَعْجِزُ، وَالْفَتَاةُ تَنْتَظِرُ، وَالْمُجْتَمَعُ يدفَعُ الثَّمَنَ، فَتَأْخِيرُ الزَّوَاجِ يُخَلِّفُ فَرَاغًا نَفْسِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا، وَيَزِيدُ الْقَلَقَ وَالاضْطِرَابَ، وَيُضَعِّفُ الاسْتِقْرَارَ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الْانْحِرَافِ، وَيُؤَجِّلُ بِنَاءَ الْأُسْرَةِ، فَتَدْفَعُ الْمُجْتَمَعَاتُ ثَمَنًا أَكْبَرَ مَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ. وَهذه مُشْكِلَةً خَطِيرةً أَيُّهَا الْأَخْيَارُ تُؤْذِنُ بِخَرَابِ الْبُيُوتِ وَفَسَادِ الْأَخْلَاقِ، وَيَئِنُّ مِنْ لَأْوَائِهَا فِئَامٌ مِنْ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ وَهِيَ: اَلْعَضْلُ، وَهُوَ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ الزَّوَاجِ بِكُفْئِهَا، وَهُوَ أَمْرٌ نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]. وَالْعَضَلُ ظُلْمٌ لِلْمَرْأَةِ حِينَ تُفَوَّتُ عَلَيْهَا فُرْصَةُ الزَّوَاجِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ مَصْلَحَتِهَا، وَقَدْ تُحْجَرُ الْمَرْأَةُ لِابْنِ عَمِّهَا أَوْ قَرِيبِهَا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ صَالِحٍ فِي دِينِهِ وَلَا مَرْضِي فِي سِيرَتِهِ! وَبَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ اللُّؤَمَاءِ إِذَا خَطَبَ الْمَرْأَةَ كُفْءٌ وَرَضِيَتْهُ مَنَعَهَا مِنْ الزَّوَاجِ إِمَّا طَمَعَاً فِي مُرَتَّبِهَا، أَوْ مَالٍ يَطْلُبُهُ لَهُ وَلِأَفْرَادِ أُسْرَتِهِ، أوْ رَغْبَةً فِي آخَرَ يَفُوقُهُ مَهْرَاً أَوْجَاهَاً، أَوْ يَحْبِسُهَا لِتَخْدِمَهُ وَتَقُومَ عَلَى شُؤُونِهِ، وَغَيرِهَا مِنْ صُوَرِ الْعَضْلِ الْمَقِيتَةِ. وَتَأْخِيرُ الزَّوَاجِ وَمَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ كُفْئِهَا، مِنْ أَسْبَابِ الْفَسَادِ؛ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَفِي تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ: فَفِيهِ رَحْمَةٌ بِالْأَزْوَاجِ، وَعَدَمُ إِثْقَالِ كَاهِلِهِمْ بِالدَّيْنِ، وَإِنْقَاذُهُمْ مِنَ الْفِتَنِ، وَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِنَسْلِ الْمُسْلِمِينَ. فاللَّهُمَّ زَوِّجْ أَيِّمَنَا وَعَانِسَنَا، وَارْزُقْ عَقِيمَنَا، وَتَوَلَّ أَمْرَنَا؛ يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَالْإكْرَامِ. أقوُلُ قَوْلِي هَذَا، واسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلكُم الخُطبَةُ الثَّانيةُ الحمْدُ للَّهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ؛

♦️❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ فِي تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: هُنَاكَ نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ فِي أَمْرِ الزَّوَاجِ، مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ لِتَكُونَ عِبْرَةً وَعِظَةً لَنَا: مَوْقِفُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا تَقَدَّمَ لِفَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، بَضْعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكْثَرِ النَّاسِ شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن يَخطِبَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ؟))، فقال: لَا، قَالَ: ((فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟))، قَالَ: هِيَ عِنْدِي، قَالَ: ((فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ))، تصوروا أيها الْأَخْيَارُ ، هَذَا مَهْرُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْجَنَّةِ، دِرْعٌ حَدِيدِيَّةٌ!

وَهٰذَا مَوْقِفٌ وَمَشْهَدٌ آخَرُ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ لَمَّا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ، فَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ. فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟»، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِزَارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا»، قَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: «فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، قَالَ: فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].

وَهٰذَا مَوْقِفٌ وَمَشْهَدٌ آخَرُ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: «أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةً؟» قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ، فَدَخَلَ بِهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ، فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ].

وَهٰذَا مَوْقِفٌ وَمَشْهَدٌ آخَرُ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ : لَقَدْ تَزَوَّجَتْ سَيِّدَتُنَا أُمُّ سُلَيْمٍ زَوْجَهَا طَلْحَةَ، وَجَعَلَتْ مَهْرَهَا إِسْلَامَهُ، فَمَا أَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ مِنْ مَهْرٍ؛ فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَلَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا». قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ: الْإِسْلَامُ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ].

فَاتَّقَوْا اللهَ- أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ، وَاِلْزَمُوا هَدْيَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي أُمُورِ النِّكَاحِ، وَلَّتْكُنْ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، وَيَسَّرُوا أَمْرَ الزَّوَاجِ وَلَا تُعْسِرُوهُ، وَاحْرِصُوا عَلَى مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَالرَّغْبَةَ فِي الْمَالِ دُونَ الدِّينِ، فَالْمَالُ عَرْضٌ زَائِلٌ وَعَارِيَةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، وَاِبْتَعَدُوا عَنِ الْبَطَرِ وَالْخُيَلَاَءِ وَالْإِسْرَافِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالدَّخِيلَةِ، الَّتِي لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ، وَلَا تَقْرُ بِهَا إِلَّا عَيْنُ الشَّيْطَانِ.

أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَلْتَتَضَافَرِ الْجُهُودُ، وَلَا سِيَّمَا مِنْ ذَوِي التَّأْثِيرِ فِي الْمُجْتَمَعِ، مِنَ الْأَزْهَرِ الشَّرِيفِ وَالْأَوْقَافِ الْمُبَارَكَةِ والْعُلَمَاءِ وَالْمُصْلِحِينَ وَالْوُجَهَاءِ، وَالْجَمْعِيَّاتِ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْحَثِّ عَلَى تَسْهِيلِ أُمُورِ الزَّوَاجِ، وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ، وَنَشْرِ الْوَعْيِ بِذَلِكَ، وَإِعَانَةِ الرَّاغِبِينَ فِي الزَّوَاجِ؛ كَيْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِارْتِيَاحٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَيُقِيمُوا أُسَرَاً صَالِحَةً مُسْتَقِيمَةً، مِلْؤُهَا الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ.

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ. كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ

د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ

إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ