السيدة زينب رضى الله عنها تفتدى زوجهاع
21 أبريل، 2026
بستان النبوة

المقال السادس عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
السيدة زينب تبعث بقلادة أمها خديجة
كذلك أبو العاص بن الربيع كان من أسارى بدر، وهو زوج زينب ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك كان أسيراً من الأسرى، فقال: (كنت في رهط من الأنصار جزاهم الله خيراً، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إلي)، كل ذلك تنفيذاً لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد منّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعثت إليه بقلادة لها كانت أمها خديجة أدخلتها بها عليه حين بنى عليها، قال: فلما رآها رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول اللهّٰ، فأطلقوه وردوا عليها أسيرها. وأخذ عليه العهد أن يخلي سبيل ابنته إليه، وبعث رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار، فقال: «كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها»، فخلاها فهاجرت إلى المدينة، وقد تعرضت في هجرتها لأحداث مزعجة مؤلمة.
قصة السيدة زينب وزوجها الربيع :
ولا نستطيع أن نغادر هذه الصفحة الخالدة الرائعة من غير أن نتحدث عن مشهد من أشد ما تسمع وترى من الروائع من قصة حب جمع بين قلبين في الجاهلية والإسلام ومن أشهر تلك الحكايات حكاية زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم والعاص بن الربيع ابن خالتها وزوجها.
بدأت قصة زينب والعاص بن الربيع قبل الإسلام حيث تقدمت هالة أخت السيدة خديجة رضي الله عنها وطلبت السيدة زينب رضي الله عنها لابنها العاص بن الربيع للزواج، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة رضي الله عنها بالعاص فهو من خيرة الشباب في قومه، وهو رجل من أشراف قريش، وكان النبي يحبه. ذهب أبو العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وقال له: أريد أن أتزوج زينب ابنتك الكبرى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفعل حتى أستأذنها. ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم على زينب ويقول لها: ابن خالتك جاءني وقد ذكر اسمك فهل ترضينه زوجًا لك؟ فاحمرّ وجهها وابتسمت فخرج النبي، وتزوجت زينب أبا العاص بن الربيع، لكي تبدأ قصة حب قوية، وأنجبت منه ‘علي’ و ‘أمامة’. ثم بدأت مشكلة كبيرة حيث بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم وأصبح نبيًّا بينما كان أبو العاص مسافرًا وحين عاد وجد زوجته قد أسلمت. فدخل عليها من سفره، فقالت له: لقد بُعث أبي نبيًّا وأنا أسلمت فقال: هلا أخبرتني أولاً؟ قالت له: ما كنت لأُكذِّب أبي، وما كان أبي كذابًا. إنّه الصادق الأمين. ولست وحدي. لقد أسلمت أمي وأسلم إخوتي، وأسلم ابن عمي (علي بن أبي طالب)، وأسلم ابن عمتك (عثمان بن عفان) وأسلم صديقك (أبو بكر الصديق. فقال: أما أنا لا أحب أن يقول النَّاس خذل قومه، وكفر بآبائه إرضاءً لزوجته، وما أباك بمتهم ، ثم قال لها: فهلا عذرت وقدّرت؟ فقالت: ومن يعذر إنْ لم أعذر أنا؟ ولكن أنا زوجتك أعينك على الحق حتى تقدر عليه، وظلت بمكة إلى أنْ حدثت غزوة بدر، وقرّر أبو العاص أن يخرج للحرب في صفوف جيش قريش.
زوجها يحارب أباها :
وكانت زينب تخاف هذه اللحظة فتبكي وتقول: اللهم إنّي أخشى من يوم تشرق شمسه فيُيَتَّم ولدي أو أفقد أبي. ويخرج أبو العاص بن الربيع ويشارك في غزوة بدر، وتنتهي المعركة فيُؤْسَر أبو العاص بن الربيع، وتذهب أخباره لمكة، فتسأل زينب: وماذا فعل أبي؟ فقيل لها: انتصر المسلمون. فتسجد شكرًا لله. ثم سألت: وماذا فعل زوجي؟ فقالوا: أسره حَمُوه. فقالت: أرسل في فداء زوجي. ولم يكن لديها شيئًا ثمينًا تفتدي به زوجها، فخلعت القلادة التي كانت تُزيِّن بها صدرها، والتي أهدتها لها أمها ليلة عرسها، وأرسلت القلادة مع شقيق أبي العاص بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان النبي جالسًا يتلقى الفدية ويطلق الأسرى. وحين رأى قلادة السيدة خديجة سأل: هذا فداء من؟ قالوا: هذا فداء أبو العاص بن الربيع. فبكى النبي وقال: هذه قلادة خديجة. ثم نهض وقال: أيها الناس إنّ هذا الرجل ما ذممناه صهرًا فهلا فككت أسره ؟ وهلا قبلتم أنْ تردوا إليها قلادتها ؟ فقالوا: نعم يا رسول الله ، فأعطاه النبي القلادة، ثم قال له: يا أبا العاص هل لك أن أساررك؟ ثم تنحى به جانبًا وقال له: يا أبا العاص إنّ الله أمرني أنْ أُفرِّقَ بين مسلمة وكافر، فهلا رددت إلى ابنتي؟ فقال : نعم ، وخرجت زينب تستقبل أبا العاص على أبواب مكة ، فقال لها حين رآها: إنّي راحل. فقالت: إلى أين؟ قال: لست أنا الذي سيرتحل، بل أنت سترحلين إلى أبيك . وكم أحزنها هذا القرار الذي دفعها إلى فراق زوجها فكانت العبرات تخنقها، أما العاص فلم يجد في نفسه القدر على أن يقوم بإيصالها إلى رسول النبي صلى الله عليه وسلم خارج مكة من كثرة حزنه وألمه لفراقها. طلب العاص من أخيه كنانة أن يقوم بمهمة إيصال السيدة زينب إلى رسول النبي صلى الله عليه وسلم خارج مكة فهو لن يستطيع فعل ذلك بأحب النساء إلى قلبه، فقبل كنانة وأخذ السيدة زينب رضي الله عنها لإيصالها، ولكن أثناء الطريق هاجمهم بعض المشركين وأفزعوا السيدة زينب رضي الله عنها حينما قاموا بتهديدها بالرمح، وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود فروّعها وهي بالهودج فأسقطت حملها، وأما حموها – أخي زوجها – كنانة فأخذ ينثر كنانته ويحارب القوم حتى جاء أبو سفيان وطلب منه أن يرجع بها ولا يخرج نهارًا حتى لا يظن الناس أن ذلك ضعفٌ منهم حتى إذا هدأت الأصوات اخرج بها ليلًا وألحقها بأبيها فما لنا بها حاجة، ويروى أن هند زوجة أبي سفيان أخذت توبخ القوم الذين يحاربون السيدة زينب وتقول لهم: أتظهرون قوتكم على امرأة؟ أين كانت شجاعتكم هذه يوم بدر فأقامت أيامًا بمكة ثم ذهبت إلى المدينة، وبدأ الخطاب يتقدمون لخطبتها على مدى ست سنوات، وكانت ترفض على أمل أنْ يعود إليها زوجها.
وحدث أن كان أبا العاص قد خرج بقافلة من مكة إلى الشام، وأثناء سيره يلتقي بسرية من المسلمين الذين أخذوا تجارته، ففر منهم وذهب مسرعًا إلى بيت زينب وطرق بابها قبيل آذان الفجر، فسألته حين رأته: أجئت مسلمًا ؟ قال: بل جئت هاربًا، فقالت: فهل لك إلى أنْ تُسلم؟ فقال: لا . قالت: فلا تخف، مرحبًا بابن الخالة. مرحبًا بأبي علي وأمامة. وبعد أن أنتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر، إذا بصوت يأتي من آخر المسجد: يا رسول الله إني قد أجَرْت أبا العاص بن الربيع، فقال النبي: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما سمعتُ إلا الآن ولا علم لي بذلك ، قالت زينب: يا رسول الله إنّ أبا العاص إن بعُد فابن الخالة وإنْ قرُب فأبو الولد وقد أجرته يا رسول الله. فوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا أيها الناس إنّ هذا الرجل ما ذممته صهرًا، وإنّ هذا الرجل حدثني فصدقني ووعدني فوفّى لي، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله وأن تتركوه يعود إلى بلده فهذا أحب إلي، وإنُ أبيتم فالأمر إليكم والحق لكم ولا ألومكم عليه. فقال الناس: بل نعطه ماله يا رسول الله.
وانطلق القوم يأتون بكل ما أخذوه منه حتى ولو كان شيئًا بسيطًا من متاع البيت فقال النبي: قد أجرنا من أجرت يا زينب. ثم ذهب إليها عند بيتها وقال لها: يا زينب أكرمي مثواه فإنّه ابن خالتك وإنّه أبو العيال، ولكن لا يقربنك، فإنّه لا يحل لك، فقالت: نعم يا رسول الله. فدخلت وقالت لأبي العاص بن الربيع: يا أبا العاص أهان عليك فراقنا، هل لك إلى أنْ تُسْلم وتبقى معنا. قال: لا. وأخذ ماله.
تحدث أحد أفراد السرية إلى العاص يسأله لماذا لا تدخل الإسلام ونرد لك المال، فرفض وأخذ الأموال ورحل ووصل إلى مكة وأعاد لكل صاحب مال ماله وسألهم هل مازال لأحدٍ عندي مال قالوا: لا، جزاك الله خيرًا وفيت أحسن الوفاء، فقال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ، ووالله ما منعني من أن أعلنها عند محمد إلا خشية أن تظنوا أني أريد أكل أموالكم، ثم دخل المدينة فجرًا وتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أجرتني بالأمس واليوم جئت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .. ثم قال أبو العاص بن الربيع: يا رسول الله هل تأذن لي أنْ أراجع زينب؟ فأخذه النبي وقال: تعال معي. ووقف على بيت زينب وطرق الباب وقال: يا زينب إنّ ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أنْ يراجعك فهل تقبلين؟ فاحمرّ وجهها وابتسمت. والغريب أنَّه بعد سنة من هذه الواقعة ماتت السيدة زينب رضي الله عنها. فبكاها بكاءً شديدًا حتى رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عليه ويهون عليه، فيقول له: والله يا رسول الله ما عدت أطيق الدنيا بغير زينب .. ومات بعد سنة من موت العاص.