
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( سِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ بَابُ الْأَمَلِ وَسَبِيلُ النَّجَاةِ)
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ
لتحميل الخطبة pdf اضغط ادناه
seat rahamt allah
بِتَارِيخِ 29 شَوَّال 1447هـ / 17 إبريل 2026م
الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَيَسْتُرُ الْعُيُوبَ وَيَكْشِفُ الْكُرُوبَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: 5]. عِبَادَ اللّهِ: ((سِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ بَابُ الْأَمَلِ وَسَبِيلُ النَّجَاةِ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
❖ أَوَّلًا: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عِبَادَ اللَّهِ.
❖ ثَانِيًا: وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟!
❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الْمُنْتَحِرُ قَانِطٌ وَيَائِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ بَابُ الْأَمَلِ وَسَبِيلُ النَّجَاةِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا قَسَتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَقَلَّتْ فِيهِ يَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَالشُّبُهَاتُ، وَالشَّهَوَاتُ، وَالْغَلَاءُ، وَالْحُرُوبُ، وَالْمَشَاكِلُ، وَالنَّكَبَاتُ، وَالْأَزَمَاتُ؛ مِمَّا جَعَلَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ- يُفَكِّرُ فِي الْهُرُوبِ مِنَ الْحَيَاةِ بِالِانْتِحَارِ، حَيْثُ تُطَالِعُنَا الْأَخْبَارُ عَنْ حَالَاتِ انْتِحَارٍ مُتَزَايِدَةٍ لِأَسْبَابٍ وَاهِيَةٍ، يُقْدِمُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَغِيَابِ الْيَقِينِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ. فمَهْمَا اشْتَدَّتِ الْفِتَنُ، وَكَثُرَتِ الذُّنُوبُ، وَضَاقَتِ الصُّدُورُ، اعْلَمُوا أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا تَقُلْ: أَنَا هَالِكٌ، بَلْ قُلْ: أَنَا رَاجِعٌ. وَلَا تَقُلْ: لَا أَسْتَطِيعُ، بَلْ قُلْ: أَبْدَأُ الْآنَ. ،وَخَاصَّةً وَسِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْنًى يُقَالُ، بَلْ هِيَ حَيَاةٌ تُعَاشُ، وَأَمَلٌ يُحْيِي الْقُلُوبَ، وَطَرِيقٌ وَاضِحٌ لِلنَّجَاةِ.فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِرَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأَسْ، وَمَنْ طَرَقَ بَابَهُ فُتِحَ لَهُ، وَمَنْ عَادَ إِلَيْهِ قَبِلَهُ وَغَفَرَ لَهُ. وَخَاصَّةً وَالدُّنْيَا أَحْوَالٌ مُتَقَلِّبَةٌ، لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، يَتَقَلَّبُ فِيهَا الْإِنْسَانُ بَيْنَ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، وَصِحَّةٍ وَمَرَضٍ، وَرَخَاءٍ وَشِدَّةٍ، وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَيُسْرٍ وَعُسْرٍ، يُكَابِدُ فِيهَا أَلْوَانًا شَتَّى مِنَ الْأَحْوَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [الْبَلَدِ: 4]، فَلَا رَاحَةَ أَبَدِيَّةَ لِلْمَرْءِ فِيهَا، وَلَا تَخْلُو مِنَ الْهُمُومِ وَالْمُنَغِّصَاتِ.
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا *** صَفْوًا مِنَ الْأَحْزَانِ وَالْأَكْدَارِ
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ غَيْرَ طِبَاعِهَا *** مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

❖ أَوَّلًا: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْلَأُ الْقُلُوبَ طُمَأْنِينَةً، وَيَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ حَيَاةً بَعْدَ يَأْسٍ، هُوَ الْإِيمَانُ بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ تِلْكَ الرَّحْمَةُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا يُعْجِزُهَا ذَنْبٌ، وَلَا يَحْجُبُهَا عَاصٍ إِذَا أَقْبَلَ بِقَلْبٍ صَادِقٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأَعْرَافِ: 156] فَهِيَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ، وَسِعَتِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ؛ بَرَّهُمْ وَفَاجِرَهُمْ، مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَخَصَّ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: 53]فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ آيَةٍ تُفْتَحُ بِهَا أَبْوَابُ الرَّجَاءِ لِكُلِّ مُذْنِبٍ، وَتُغْلَقُ بِهَا أَبْوَابُ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ. فمَا أَرْحَمَ اللَّهَ وَمَا أَرْأَفَهُ! وَمَا أَصْبَرَهُ وَمَا أَحْلَمَهُ! هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، مَا خَلَقَنَا لِيُعَذِّبَنَا، وَمَا أَوْجَدَنَا لِيُشْقِيَنَا، وَمَا كَلَّفَنَا لِيَشُقَّ عَلَيْنَا، أَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ؛ وَذَلِكَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ، ﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ [طه: 1-3].أَنْزَلَ الْبَلَاءَ وَأَنْزَلَ النَّعْمَاءَ؛ يُنْعِمُ عَلَى قَوْمٍ لِيَبْتَلِيَهُمْ بِالنِّعَمِ: هَلْ يَشْكُرُونَ أَمْ يَكْفُرُونَ، وَيُرْسِلُ الْبَلَاءَ عَلَى أَقْوَامٍ لِيَبْتَلِيَ إِيمَانَهُمْ، وَيَخْتَبِرَ صِدْقَهُمْ وَيَقِينَهُمْ، لَا لِيُعَذِّبَهُمْ وَيُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ، بَلْ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مَعَ الْبَلَاءِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ… يَأْتِي مَعَهُ الْأُجُورُ وَالدَّرَجَاتُ، وَالرِّضَا وَالرَّحَمَاتُ. ((إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ)) التِّرْمِذِيِّ.
فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا))؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَمَّا دَخَلَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ يَحْتَضِرُ، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّكَ مُقْبِلٌ عَلَى مَنْ كُنْتَ تَرْجُوهُ. فَقَالَ سُفْيَانُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، أَتَرَى اللَّهَ يَغْفِرُ لِمِثْلِي؟ أَتَظُنُّ أَنَّ مِثْلِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ؟ فَقَالَ حَمَّادٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ مُحَاسَبَةِ رَبِّي إِيَّايَ وَبَيْنَ مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ، لَاخْتَرْتُ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِي مِنْ أَبَوَيَّ. فَمَنْ أَرْحَمُ مِنَ اللَّهِ؟! فَاللَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وَكَيْفَ لَا؟!
وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ مِنْ نُعُوتِ جَمَالِهِ، تَتَنَزَّلُ بِهَا النَّفَحَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَالرَّحَمَاتُ الْإِلَهِيَّةُ، فَتَجِدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ تَيْسِيرًا، وَمَعَ كُلِّ قَضَاءٍ رَحْمَةً، وَمَعَ كُلِّ بَلَاءٍ حِكْمَةً؛ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ فَقَدْ أَبْقَى، وَإِنْ مَنَعَ فَلَطَالَمَا أَعْطَى، وَإِنِ ابْتَلَاكَ فَكَثِيرًا مَا عَافَاكَ، وَإِنْ أَحْزَنَكَ يَوْمًا فَقَدْ أَفْرَحَكَ أَيَّامًا وَأَعْوَامًا، فَاللَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ بِنَا، وَعَافِيَتُهُ أَنْفَعُ لَنَا، وَلَوْ آخَذَنَا بِذُنُوبِنَا لَأَهْلَكَنَا، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِبَادِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. فلَوْ فَتَحَ سُبْحَانَهُ بَابَ رَحْمَتِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَوَجَدَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ؛ فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. كَمَا أَنَّهُ لَا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فَاطِرٍ: 2].
وَكَيْفَ لَا؟!
وَالرَّحْمَةُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَنِ، كَتَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَوَسِعَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّ بِهَا كُلَّ حَيٍّ؛ فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ رَبُّنَا: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 54]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَوْجَبَهَا عَلَىٰ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا).وَفِي مَشْهَدٍ رَهِيبٍ مِنْ أَحْدَاثِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَبَّرَ اللَّهُ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَفْوِهِ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طَهَ: 108]. فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَكَيْفَ لَا؟!
وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَخْبَرَنَا أَنَّ رَحْمَتَهُ تَسْبِقُ غَضَبَهُ، وَأَنَّ لَهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ سَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَخَّرَ الْبَاقِيَ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْحِسَابِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَكُلُّ مَا تَرَى مِنْ رَحْمَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، عَلَى امْتِدَادِ الزَّمَانِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْمَعْمُورَةَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، مَا هِيَ إِلَّا رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مِائَةِ رَحْمَةٍ ادَّخَرَهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَوْسَعُ صِفَاتِهِ جَلَّ وَعَلَا: رَحْمَتُهُ، وَأَوْسَعُ الْمَخْلُوقَاتِ: عَرْشُهُ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ يَوْمَ اسْتِوَائِهِ عَلَيْهِ:كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ». وَكَيْفَ لَا؟! وَ إِنَّ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَهَالِكِ؛ لِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ، وَاللَّهُ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ. {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٨٧]
وَلْيَعْلَمِ الْعَبْدُ أَنَّ الْيَأْسَ وَالْقُنُوطَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا؛ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ))؛ [أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ].فَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَغَفْلَةٌ عَنْ سَعَةِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى لَمْ يَجْعَلْ لِلْيَأْسِ مَجَالًا فِي قَلْبِهِ، بَلْ يَسِيرُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فِي كُلِّ حَالٍ.
فَالْمَقْصُودُ مِنْ بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ: تَذْكِيرُ النَّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ، وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ بِمَنْطِقِ الْحُبِّ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْحِكْمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؛ كَمَا عَرَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النَّحْلِ: 125]؛ وَكَمَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَدْيِهِ الْعَظِيمِ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
إِنَّ الأُمُورَ إِذَا مَا اللهُ يَسَّرَهَا *** أَتَتْكَ مِنْ حَيْثُ لا تَرْجُو وَتَحْتَسِبُ
وَكُلُّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الإِلَهُ فَمَا *** يُفِيدُ حِرْصُ الْفَتَى فِيهِ وَلا النَّصَبُ
ثِقْ بِالإِلَهِ وَلا تَرْكَنْ إِلَى أَحَدٍ *** فَاللهُ أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى وَيُرْتَقَبُ

❖ ثَانِيًا: وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟!
أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: الرَّحْمَةُ كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَاخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، هِيَ مَنْجَاةُ الْخَائِفِينَ، وَرَجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، بَشَّرَ اللَّهُ بِهَا الْمُتَّقِينَ، وَطَمْأَنَ بِهَا التَّائِبِينَ، وَتَوَدَّدَ بِهَا إِلَى الْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ، وَجَعَلَهَا شِعَارًا لِلْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَبَبُ كُلِّ النِّعَمِ، فَمَا التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ وَالنَّجَاحُ إِلَّا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِعِبَادِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النُّورِ: 21].وَقَالَ ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَكُلُّ مَا يَكُونُ مِنْ هِدَايَةٍ وَتَثْبِيتٍ وَصَلَاحٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لَا بِحَوْلِ الْعَبْدِ وَلَا بِقُوَّتِهِ؛ فَالْعَبْدُ يَفْتَقِرُ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَنَفَسٍ، وَرَحْمَتُهُ هِيَ مَلَاذُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَلُ التَّائِبِينَ.
وَمَظَاهِرُ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحْصِيهَا لِسَانُ فَصِيحٍ، وَلَا يَعُدُّهَا قَلَمُ أَدِيبٍ، وَلَا تَغِيبُ عَنْ نَظَرِ كُلِّ أَرِيبٍ لَبِيبٍ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الرُّومِ: 50]. وَيُبْصِرُهَا الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 21]. وَفِي الْكَوْنِ مِنْ حَوْلِهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الْقَصَصِ: 73]. فَسُبْحَانَ مَنْ تَجَلَّتْ رَحْمَتُهُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، وَعَمَّ نِعَمُهُ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ فِي كُلِّ حَالٍ وَأَوَانٍ.
وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ التَّشْرِيعَ الإِلَهِيَّ جَاءَ حَازِمًا فِي صِيَانَةِ النَّفْسِ، رَفِيقًا فِي رِعَايَتِهَا؛ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا، وَزَجَرَ عَنْ إِهَانَتِهَا وَإِيذَائِهَا، وَحَرَّمَ تَرْوِيعَهَا، بَلْ جَعَلَ إِحْيَاءَهَا سَبَبًا لِلْفَوْزِ الْعَظِيمِ، وَعَدَّ مَنْ أَحْيَا نَفْسًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. وَعَلَّمَنَا سُبْحَانَه أَنْ نَحْيَا حَيَاةً كَرِيمَةً، وَأَنْ نَحْفَظَ أَنْفُسَنَا مِنْ مَوَارِدِ الْهَلَاكِ، وَأَنْ نُدَاوِيَ جِرَاحَهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَفْحِلَ، وَأَنْ نُحِيطَهَا بِالْأَمَلِ حِينَ تَضِيقُ بِهَا السُّبُلُ. فَلِلنَّفْسِ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الدِّينِ، وَقُدْسِيَّةٌ مُكَرَّمَةٌ فِي كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ فِي شَرِيعَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى النَّفْسِ مَقْصَدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ، وَضَرُورَةٌ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ الْمُهِمَّةِ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنِ خَالِقِهَا وَمَالِكِهَا -سُبْحَانَهُ- كَبِيرَةٌ خَطِيرَةٌ، وَجَرِيمَةٌ نَكِيرَةٌ.فَنَفْسُكَ لَيْسَتْ مُلْكًا لَكَ تَتَصَرَّفُ بِهَا كَمَا تَشَاءُ، بَلْ هِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، وَعَارِيَةٌ لَدَيْكَ، وَتَقَعُ مَسْؤُولِيَّةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا عَلَى عَاتِقِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْذِيَهَا، أَوْ تُعَرِّضَهَا لِمَا يَكُونُ سَبَبًا فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا، أَوْ تَسْتَعْجِلَ مَوْتَهَا وَإِزْهَاقَهَا: قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: 29].
وَنَفْسُكَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَكَ، فَأَنْتَ لَمْ تَخْلُقْهَا، وَلَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ، وَلَا خَلِيَّةً مِنْ خَلَايَاكَ، بَلْ نَفْسُكَ أَمَانَةٌ وَوَدِيعَةٌ اسْتَوْدَعَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُفَرِّطَ فِيهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَالْإِنْسَانُ بُنْيَانُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا((وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]؛ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقولُه: «خالِدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا» مَحْمولٌ على مَن فَعَل ذلِك مُستحِلًّا له مع عِلْمِه بالتَّحريمِ، أو على أنَّه يَعْني طُولَ المُدَّةِ والإقامةِ التي يُخلَّدُ فيها قاتلُ نفْسِه إنْ أُنفِذَ عليه الوعيدُ، ولا يَعنِي خُلودَ الدَّوامِ؛ إذ قَتْلُ النَّفسِ -دونَ استِحلالٍ لذلك- هو ذَنبٌ وكبيرةٌ مِنَ الكبائِرِ، وليس كُفرًا مُخرِجًا مِنَ المِلَّةِ. وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الرَّحْمَةَ أَصْلًا فِي التَّشْرِيعِ، وَالْأَمَلَ مَعْنًى يَسْرِي فِي أَحْكَامِهِ، وَجَعَلَ فِي دِينِهِ حَيَاةَ الْقُلُوبِ وَطُمَأْنِينَةَ النُّفُوسِ.
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً****فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ****فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ؟
أَدْعُوكَ رَبِّي كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا****فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ؟
مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا****وَجَمِيلُ عَفْوِكَ، ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمٌ
مجلة روح الاسلام فيض المعارف