المراهنة على اندثار الإسلام وتصفيته!
4 أبريل، 2025
قضايا وأحكام

بقلم المستشار الدكتور : محمد فهمي رشاد منصور
مدرس التفسير وأصول الفقه بجامعة القصر الدولية بدولة ليبيا
* المراهنة على اندثار الإسلام وتصفيته مراهنة خاسرة منذ البدايات الأولى مع نزول آيات القرآن.. والتكليف بالجهر بالدعوة {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحِجر:94]، وقيام قيامة المشركين بمكة في وجه هذا الدين الجديد.
* لقد طلبوا من النبى أن يغير هذا القرآن أو يبدل أحكامه وكان الجواب الحاسم من العلى الأعلى، وذكر القرآن ذلك.{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)} (يونس)
* وقاموا كذلك بالتشكيك فى القرآن؛ حيث زعموا أن القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم اقتبسه من آخرين أعانوه عليه، وهو إعادة إنتاج لما في الكتب السابقة (التوراة والإنجيل)، ووصفهم للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ومجنون … إلخ، والتهوين من شأن إعجاز القرآن بأنهم لو شاءوا لجاءوا بمثله، يظهر كل ذلك من خلال تدبُّر الآيات التالية:
– {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)} (الأنفال).
– {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} (النحل).
– { بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)} (الأنبياء).
– {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) } (الفرقان).
* كما قاموا بالتشويش عليه {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)} (فصلت).
• وقاموا بمساومة النبى فعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا إلهه يومًا ويعبد النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ آمن معه أصنامهم يومًا آخر، وكان الجواب من العلي الأعلى حاسمًا في أن الحق والباطل لا يلتقيان ولا يجتمعان، قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) } (الكافرون).
* وقاموا كذلك بالتعجيز بأسئلة ثلاثة:
كانت من أفكار أحبار اليهود؛ وهى عن الروح، وعن فتية فى أول الدهر، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وجاءت الإجابة الربانية التى تحسم هذه المواجهة لتكون شاهد حق وبرهان إيمان لصدق هذا النبى صلى الله عليه وسلم
– {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء].
– {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)} [الكهف].
– {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) } [الكهف].
ولا تفلح المحاولات الماكرة لتصفية الإسلام وينصر الله دينه
* ويمضى الإسلام فى مواجهة أخطر التحديات فى العام الخامس الهجرى حيث كانت غزوة الأحزاب حيث حُوصر المسلمون فى المدينة من قبل عشرة آلاف من المشركين من الخارج ثم غدر اليهود من الداخل فوقعوا بذلك بين شقى الرحى حتى بلغت القلوب الحناجر كما عبر القرآن الكريم وتداركهم الله برحمته بوقوع الخلاف بين الأعداء وهبوب ريح شديدة على معسكرهم فاضطروا لرفع الحصار وأنجى الله المؤمنين وينصر الله دينه. وتسقط كل هذه المراهنات الماكرة على تصفية الوجود الإسلامى .
* ويمضى الزمان ويواجه الإسلام العداوان الصليبى على الشرق الإسلامى فى العصور الوسطى حيث احتل الصليبون قلب المشرق.وارتكبوا أشنع المذابح فى القدس وغيرها وكان يوازى الهجوم العسكرى الصليبى هجوم فكرى من المستشرقين من تبريرا الهجوم والتشكيك فى كل ما هو إسلامى، فألفوا كتاب “دحض القرآن الكريم ” وقاموا بترجمة كلمات القرآن ( وليس معانى القرآن) إلى اللاتينة ليكون خطوة إلى التحريف .. إلى أن بدأ مسيرة التحرير صلاح الدين واستكمل الأيوبيون ثم المماليك من بعده التحرير حتى طردوا آخر فلول الصليبيبن من عكا بعد مرور حوالى قرنين من الزمان على العدوان الصليبى الذى كان بدافع دينى بالأساس.
وينصر الله دينه ولو بعد حين فذلك مرهون بعودة الأمة إلى القرآن وإحياء هديه فى شؤون حياتها.
* ويمضى الزمان ويواجه الإسلام اكتساح المغول العالم الإسلامى وسقوط بغداد فى 656 هـ ومقتل المستعصم آخر خلفاء العباسيين على يد هولاكو ثم تعود الحياة للأمة بعدما ظن الأعداء أنها لن تقوم لها قائمة .. وينصر الله دينه وتسقط المعارك الطاحنة والمحاولات الماكرة لتصفية الإسلام.
* ويمضي الزمان بعد الزمان وتتكرر المواجهات اللاهبة ضد الإسلام والمسلمين. الاستعمار الحديث فى القرنين الماضيين والذى عم معظم بقاع العالم الاسلامى، وظن أعداؤه أنهم قضوا عليه ، لكنه انتفض من تحت الرماد – كما يقول أحد المستشرقين وهبت حركات المقاومة والتحرر، فاضطر المستعمر للخروج، لكن استقل العالم الإسلامى على خطة ماكرة وحدود مصطنعة ودول قطرية تدور فى فلك الغرب سياسيًا واقتصاديًا إلا من رحم ربى. هذا واقع الحال الآن
* ويتعلق بما سبق ثلاثة أحداث كبرى هى:
– ضياع الأندلس ( إسبانيا والبرتغال ) الفردوس المفقود فى أكبر حركة تطهير عرقى شهدها تاريخ الإنسانية اقتلعت شعبا بأكمله من جذوره.
– انحسار الإسلام نسبيًا عن مناطق أواسط آسيا وجنوب روسيا وشرقى أوربا ( تركستان – القوقاز – البلقان )
– العدوان الصهيونى على فلسطين والمقدسات.
والآن حرب الإبادة والتهجير ضد الشعب الفلسطيني من إسرائيل وأمريكا ولمرير الأسف والخزي والعار يشاركهم في ذلك دول عربية
* وعلى الرغم من كل المكر الخبيث والمعارك الطاحنة طوال تاريخ الإسلام إلا أن الإسلام حتى اللحظة الحاضرة ظل عصيًّا بقوته الربانية على كل المحاولات الماكرة والمراهنات الخاسرة ضد الإسلام، قد يُهزم المسلمون إذا تخلوا عن إسلامهم وعن قرآن ربهم، وتضعف أمة الإسلام لضعف صلتها بالقرآن، لكنها أبدًا لا تموت ولا تندثر، وسرعان ما تعود لها القوة والحياة؛ لأن هذا الدين.. هذا القرآن تكفل الله بحفظه.. { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[الحِجر:9].
ومع كل هجمة ضد الإسلام يكون التمحيص، فلا ينجو إلا كل صادق مخلص، ويتهاوى مرضى القلوب وأصحاب المصالح صرعى في الفتن، أما الصابرون المحتسبون من ساروا على نهج بلال.. أحدٌ أحدٌ.. وعلى نهج سمية وعمار بن ياسر وعلى درب حمزة ومصعب وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم، فهؤلاء من ترتفع بهم الراية، وتجدد الأمة، وتعود إلى قوتها ومجدها.
وكم هي قاسية ومظلمة، تلك الفتنة المعاصرة، القابض فيها على دينه كالقابض على جمر، والأشد ألمًا وقسوة أن بأسنا صار بيننا شديدًا ومرعبًا، تاهت القيم، وسقطت الأخلاق، فتنة تجعل الحليم حيران.
تؤلمك المناظر، وتفجعك المواقف، تنظر حولك فتجد الأعم الأغلب صرعى.. قَلَّ السالكون.. فلا تبتئس، واصبر، ولا يغرنك كثرة الشاردين.. وكن أنت بربك.. حتى ولو كنت وحدك.{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } [النحل:120] كن غريبًا.. فطوبى للغرباء، واحذر العزلة والانزواء؛ تقصد الراحة من هذا الهم وذاك النكد..
فإن وجودك في ساحة المعركة قوة ومدد وفضل من الله أن يس
تعملك، وخروجك من الساحة خسـران لك ، والله ناصر دينه، {إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [محمد:38].
حتى آخر نفس في ساحة نصرة الفضيلة وحراسة القيم في التربية لهذه الأجيال القادمة التي لها حق علينا، حتى وإن استوحشت الطريق، وفجعتك المواقف، وآلمتك المناظر.. فالله حسبك والعاقبة لمن اتقى.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير