الحمد لله رب العالمين، هدانا إلى الحق وإلى طريق مستقيم، سبحانه سبحانه أمرنا بالطيبات وأبان لنا طرقها، ونهانا عن الخبائث وحذرنا سوء عاقبتها، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صادق الوعد الأمين، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
((معنى الرحمة، وبيان منزلتها ومكانتها))
أيها الأحبة الكرام: فقد تميز شريعتنا الإسلامية الغراء بخصائص وميزات، ومُثل سامية وقيم ومبادئ عالية قل أن تجد مثلها في شريعة من الشرائع، ولا عجب في ذلك فهو الدين الخاتم، وهي الشريعة الربانية الباقية، ومن هذه الخصائص والميزات (خلق الرحمة)، والدعوة إلى التراحم.
فتعالوا بنا أحبتي في الله بإذن من الحق تبارك وتعالى في لقاء الجمعة الطيب المبارك لنتعرف على معنى الرحمة، ونرى منزلتها ومكانتها، ونرى كيف دعتنا الشريعة الإسلامية إلى الرحمة والتراحم، فأعيروني يا عباد الله القلوب، واصغوا إليّ بالآذان والأسماع، فأقول وبالله التوفيق:
الرحمة في اللغة: مصدرٌ مشتقٌ من مادة (ر ح م)، التي تعني العطف، والرقة، والرأفة. وقد عرف العلماءُ الرحمة اصطلاحًا فقالوا: هي رقة في القلب تقتضي الإحسان وسوق (إيصال) المسار (النفع والأشياء التي تسر) إلى المخلوقات. وقيل: هي خلق مركبٌ من الود والجزع، ولا تكون إلا لمن (المرحوم) ظهر منه لراحمه خلة مكروهة (أمر سيئ)، فالرحمة هي محبة للمرحوم مع جزع من الحال التي من أجلها رحم. وقيل: هي حالة وجدانية تعرض غالبا لمن به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان.
والرحمة من صفات الرب الإله في الشريعة الإسلامية: فمن أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى (الرحمن، الرحيم)، وهما اسمان مشتقان من الرحمة، وهما من أبنية المبالغة و(رحمن) أبلغ من (رحيم)، فالرحمن خاص بالله (عزّ وجلّ) لا يسمى ولا يوصف به غيره، والرحيم يوصف به غيره سبحانه وتعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمن.
والرحمة من صفات الذات لله سبحانه وتعالى، والرحمن وصف، وصف الله تعالى به نفسه وهو متضمن لمعنى الرحمة، وقال الإمام الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن (الرحمن) مأخوذ من الرحمة. ومعناه ذو الرحمة لا نظير له فيها…ثم قال: فالرحمن ذو الرحمة الشاملة للخلق، والرحيم خاص بالمؤمنين، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}[الأحزاب:43].
وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟). قلنا: لا، والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)(اللفظ لمسلم).
والرحمة من صفات نبي ورسول الشريعة الإسلامية: فلقد تمتع صلى الله عليه وسلم برحمة عامة شملت المؤمن والكافر، بل شملت الإنس والجن، وامتدت حتى شملت الطيور والحيوانات والحشرات، حتى أن القرآن الكريم وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مصدر الرحمة وعينها، وهذا هو سر التعبير بالمصدر في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107]، وقال صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)(مستدرك الحاكم).
والرحمةُ هي السرُّ في نجاح الدعوة الإسلامية: فلولا رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته ما نجح في إبلاغ رسالة ربه، وما نجح في تأليف القلوب من حوله، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}[آل عمران:159]، وقد دعتنا الشريعة الإسلامية، وحثتنا على التراحم بصور متعددة ومختلفة، منها:
((دعوة الشريعة الإسلامية للرحمة، وحثها على التراحم))
1ـ بيانُ أنَ المتجمل بالرحمة مرحوم: فالإنسان المتحلي بالرحمة مع زوجته، وأولاده، وأهله وأقاربه، وجميع البشر، حتى المتحلي بالرحمة مع العصاة، والمتحلي بالرحمة مع البهائم والحيوانات له حظٌ ونصيبٌ من وافر من رحمة الله (عزّ وجلّ)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ)(رواه مسلم)، وقال أيضًا: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ…)(رواه الترمذي)، ومن صور الدعوة إلى التراحم في الشريعة الإسلامية:
2ـ الدعوة إلى زيارة المرضى، والحثُّ على السؤال عنهم، وعن أحوالهم، ومعاونتهم وقضاء حوائجهم، فقد قال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ (يدخل) فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا)(رواه أحمد)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا، مَشَى فِي خِرَافِ (ثمار) الْجَنَّةِ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَنْقَعَ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ)(رواه أحمد).
إذا كان ذلك لمن يزور المرضي فقط؛ فما بالنا بمن يعاونهم ويقوم على حوائجهم، ويخفف عنهم آلامهم وأوجاعهم، إن عيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه المسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ). قيل: ما هن يا رسول الله؟. قال: (إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)(رواه مسلم)، ومن صور الدعوة إلى التراحم في الشريعة الإسلامية:
3ـ الدعوة إلى السماحة في البيع والشراء وجميع المعاملات مع البشر: والسماحة يُقصدُ بها السلاسةُ، واليسرُ، والسهولةُ، ولينُ الجانب في المعاملة مع الآخرين، وهي ضدُّ التشديدِ، والتعسير، والقهرِ، والفظاظةِ، والغلظةِ، والجفاءِ، قال صلى الله عليه وسلم: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)(رواه البخاري)، وعن حذيفة (رضي الله عنه) قال: (أُتِيَ اللهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟. قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا، قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)(رواه مسلم)، فإذا أردنا أن يرحمنا الله (عزّ وجلّ) فعلينا أن نتحلى بالسماحة والسلاسة واليسر في كل شئون حياتنا، ومن صور الدعوة إلى التراحم في الشريعة الإسلامية:
4ـ الدعوة إلى الإصلاح بين المؤمنين عمومًا، وهو من أعظم صور التراحم: فالإصلاح هو العمل على إزالة أسباب الفساد، والشقاق من الأنفس والمجتمعات، والسعي للتقارب بين الناس، فقد قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الحجرات:10].
ومن الإصلاح بين المؤمنين، الإصلاح بين الزوج وزوجته، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء:35].
ومن الإصلاح بين المؤمنين، الإصلاح بين المتقاتلين، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الحجرات:9].
ومن الإصلاح بين المؤمنين، الإصلاح بين الورثة عند الاختلاف في قسمة الميراث، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ*فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ*فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[البقرة:180ـ182]، ومن صور الدعوة إلى التراحم في الشريعة الإسلامية:
5ـ الدعوة إلى الرعاية والعناية بالأصناف والفئات الضعيفة عمومًا: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ابْغُونِي فِي الضُّعَفَاءِ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)(مستدرك الحاكم).
فقد دعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالنساء عموما؛ أمًّا، و أختًا، وزوجًا، وبنتًا، فقال صلى الله عليه وسلم: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ)(متفق عليه)، وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ بَنَاتٍ، أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ، حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ، كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ). وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. (رواه أحمد)(من عال) أي: قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما. (يبن) أي: ينفصلن عنه بتزويج أو موت.
ودعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالأيتام، فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[البقرة:220]، وقال صلى الله عليه وسلم: (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ) وأشار بالسبابة والوسطى (رواه مسلم)، وعن أبي الدرداء (رضي الله عنه) أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه، فقال له: (أتُحِبُّ أنْ يلينَ قلبُك، وتُدرِكَ حاجتَك؟ ارْحَمِ اليتيمَ، وامسَحْ رأْسه، وأطْعِمْهُ مِنْ طَعامِك؛ يَلِنْ قلبُكْ، وتُدرِكْ حاجتَك)(حلية الأولياء).
ودعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالأرامل، والفقراء، والمساكين، فقال صلى الله عليه وسلم: (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ)(متفق عليه).
ودعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالمدينين بتحمل الدين عنهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}[الأحزاب:6]، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ)(متفق عليه).
ودعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالخدم، والعمل على تحرير الرقيق، فقال صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ)(متفق عليه)، وعن المعرور بن سويد، قال: لقيت أبا ذر (رضي الله عنه) بالربذة (موضع بالقرب من المدينة)، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي (صلى الله عليه وسلم): (يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)(رواه البخاري).
ودعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بكبار السنّ، والشيوخ، فقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)(رواه أبو داود)، وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا)(رواه الترمذي)، وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: (ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِنَّ إِلَّا مُنَافِقٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَذُو الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ)(مصنف ابن أبي شيبة)، هكذا دعا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة والعناية… ومن صور الدعوة إلى التراحم في الشريعة الإسلامية:
6ـ الدعوة إلى الرحمة والرأفة بالحيوانات، والطيور، والحشرات: فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حائطًا لرجل من الأنصار فإذا جملٌ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه (مؤخر رأسه) فسكت، فقال: (مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟). فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: (أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ)(رواه الترمذي).
وعن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمرة (طائر صغير كالعصفور) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش (ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض)، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا). ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: (مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟). قلنا: نحن. قال: (إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ)(رواه أبو داود).
عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب كمَنْ لا ذنب له.
(الخطبة الثانية)
((وآتوا حقه يوم حصاده))
الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الأحبة الكرام: عشنا مع صور من دعوة الشريعة الإسلامية إلى الرحمة والتراحم، ومن الأشياء التي نستمطر بها رحمات الله المسارعة إلى إخراج زكاة أموالنا، وخصوصًا زكاة الزروع والثمار، فالحق تبارك وتعالى يقول: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}[الْأَعراف:156].
والزروع (جمع زرع): وهو ما استنبت من الأرض بطرح البذر والحب فيها بقصد استغلالها، من الأقوات وغيرها. أما الثمار جمع ثمر (بفتحتين): فهو ما يؤكل من أحمال الأشجار. أما النجوم جمع نجم (بفتح فسكون): فهو ما لا ساق لها من النبات، كالبطيخ، والمقاثي (الكوسة، والخيار، والقرع…)، وزكاة الزروع والثمار واجبةٌ بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبيانها كالآتي:
أما القرآن الكريم: فأظهر دليلٍ عليها هو قول المولى تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأنعام:141]، ويقول الحق تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}[البقرة:267]، فالتعبير بـ (لكم) يدل على أن المخرج لنا من الأرض فيه حقٌ للفقراء كما أن فيه للأغنياء حقا.
وأما من السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ)(رواه البخاري)، و(العثري): أو البعلي: هو ما يشرب بجذوره من غير سقي، سمي بذلك من العاثوراء وهي الحفرة لتعثر الماء بها.
أما عن نصاب الزكاة فيها: فنصاب زكاة الزروع والثمار يبدأ من خمسة أوسق عند جمهور الفقهاء، وبه قال صاحبا أبي حنيفة فيما يوسق، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ)(متفق عليه).
والوسق وعاء يسع ستين صاعًا، والصاع أربعة أمداد بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، ويعادل بالوزن ما بين (653) كج إلى (750) كج، وقال سيدنا أبو حنيفة: لا يشترط نصاب لزكاة الزروع والثمار بل هي واجبة في القليل والكثير ما لم يكن أقل من نصف صاع.
والراجح الذي ينبغي التعويل عليه: أن نصاب الزروع والثمار خمسة أوسق، فلا تجب فيما دون خمسة أوسق زكاة، وهذا منطوق النص الصحيح الصريح الذي لا يحتمل غير هذا.
أما عن الأشياء التي تخرج من الزروع والثمار: فالأنفع لمصلحة الفقير اليوم هو قولُ الإمام أبي حنيفة (رحمه الله)، فقد قال بإخراج الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي (ما يتخذ منه الأقلام).
أما عن مقدار الزكاة فيها: فيوضحه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ، وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ)(رواه مسلم)، فما شرب بدون جهد ومؤنة من الأنهار والعيون، والأمطار، أو بتمدد عروقه ففيه العشر كاملًا، وما شرب بجهد ومؤنة ففيه نصف العشر، كأن شرب بآلة أو دابة وهي (السانية)، وما شرب مرة هكذا ومرة هكذا ففيه ثلاثة أرباع العشر.
فاللهمّ إنّا نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما من قول وعمل، اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت. اللهم: ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك…اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين.