حين تزول الزينة
19 سبتمبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم: الأستاذ الدكتور/ سعد عبد المعطي عبد العليم
أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
وعضو لجنة تقرير الفتوى، ورئيس لجنة الدعوة بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا
يقف الإنسان في ذهول أمام مشهد هذا الوجود، تائهًا بين بريق العَرَض الزائل، وحقيقة الموت التي تقرع القلوب الصامتة. إنها قصة النفس البشرية التي سكرت بخمر الدنيا، حتى استيقظت على صيحة الحق التي لا ترحم الغافلين.
لقد لخص الله جل جلاله حقيقة هذه الدار في آية تهز أركان النفس الهشة، وتجعل العيون تفيض دمعًا من حقيقة ما نركض خلفه، ونتقاتل عليه، ونبكي عليه، ونفني أعمارنا حسرة عليه، وطمعًا في طلبه، فقال سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 7-8]. يا الله كل هذه القصور المشيدة، والأموال المكدسة، والحدائق الغنّاء، ليست إلا “زينة” مؤقتة على جسد الأرض، غايتها الابتلاء والامتحان، ثم ماذا؟ ثم ينسفها الموت نسفًا، لتتحول الأرض إلى أرض بيضاء ميتة، لا نبات فيها، ولا زينة، ولا بهجة.
يمشي الإنسان مختالاً فخورًا، يلتفت يمنة ويسرة، يرى حصاده من الدنيا فيبتسم زهوًا، يضم أطفاله إلى صدره، ويقلب بصره في أرصدته وعقاراته، ويظن أنه ملك الوجود. فيأتيه النداء الإلهي المخيف، نداء يقطع نياط القلوب المفجوعة بـالفقد: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]. يا الله! حتى أبناءنا الذين بكينا لأجلهم، وسهرنا الليالي لمرضهم، وتداينا لإسعادهم، والمال الذي أفنينا أعمارنا وصحتنا في جمعه، وكنزه، ليسوا إلا زينة عابرة ، فانيةً، سنزول أو تزول هي، ستتركنا أو نتركها في كفن أبيض ضيق، ليس له جيوب ولا مخابي، لا مال فيه ولا بنون، بل جسد ممدد تحت التراب، يرجو رحمة ربه.
ما أشد غفلتنا، وما أهون الدنيا حين تنكشف عوراتها! نقضي الأعمار في الصراعات، والخصومات، والحسد، والركض وراء سراب، ثم يفاجئنا القرآن بصدمة الحقيقة المرة المؤلمة الحارقة التي تعري كل هذا اللهث، فيقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ۚ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]. إنه التوصيف الإلهي المرعب: لعب ولهو وزينة! رحلة تبدأ باللعب، وتنتهي بالحطام.
كيف نبكي على دنيا هذا وصفها؟
وهذه حقيقتها؟
وكيف تشقى نفوسنا من أجل متاع سمّاه الله “غرورًا”؟
وينبئنا النبي صلى الله عليه وسلم ويفتح أعيننا على هذه الفاجعة، ليزيد العين بكاءً، والدمع انسكابًا، والقلب وجلاً، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ. ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فَيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» صحيح مسلم، : (2807).
ألا قاتل الله الغفلة! غمسة واحدة في العذاب تنسي الإنسان كل زينة الأرض، وكل لذة عاشها، وكل ثروة جمعها. وغمسة واحدة في الجنة تُنسي المبتلى كل دمعة ذرفها في سجون الدنيا وآلامها.
أيها السائر إلى القبر، التفت وراءك وانظر إلى هذه الزينة التي تتصارع عليها البشرية، كم من عزيز تحت التراب فارقها باكيًا؟ وكم من ملك سُلب ملكه في ليلة وضحاها؟ ارفع يديك تضرعًا، وابكِ على تفريطك، وسل الله كما كان نبيك يسأل: «اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» سنن النسائي، (1305)، ومسند أحمد، (18325)، واجعل زادك في هذه الدنيا عَبْرة، ودمعتك توبة، قبل أن يقال: “مات فلان”، فتصبح الزينة لغيرك، والحساب والحسرة عليك وحدك.