كن راضيا حتى تكون سعيدًا
17 سبتمبر، 2026
بستان الصالحين

بقلم : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي
من علماء ووزارة الأوقاف المصرية
أيها الحبيب اللبيب كن راضيا:
على قدررضاك بحياتك تكون سعادتك، فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط، ولا تظن أن حياة الآخرين أفضل منك وتذكر أن همَّك أصغر من هموم كثير من الناس،في المستشفيات من يتمنى أن يعيش عافيتك ،وفى السجون من يشتاق لحريتك.
وفى المخيمات والعراء من يحلم بمثل بيتك البسيط ،ومن الناس من يتمني حضن أولاده ؛ في حين أن مللت أولادك، وفى القبور من يتمنى فرصتك في الحياة،فحياتك مهما ساءت فى نظرك فهي أُمنِيَة وحلم الكثيرين من الناس.
قال الله تعالي: ﴿ مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) ﴾ [الحديد: 22-23].
فمن الآن ؛ لا تحزن حين فوات شيء من الدنيا مهما كان. ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ التغابن: 11
قال ابن كثير في تفسيرها:«أَيْ: وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَعَلِمَ أَنَّهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَاسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللَّهِ، هَدَى اللَّهُ قَلْبَهُ، وعَوَّضه عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا هُدى فِي قَلْبِهِ، وَيَقِينًا صَادِقًا .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} يَعْنِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ» « ابن كثير » (8/ 137).
عن أبي ذر قال قال نبي الله – صلى الله عليه وسلم -: “إنّي لأعلم أيةَ لو أنّ الناس أخذوا بها لكفتهم {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} فما زال يقولها ويعيدها”»«شعب الإيمان» (2/ 476).
قال الشاعر: –
رضيت بما قسمَ اللـه لـي: وفوّضتُ أمري إلى خالقي
كما أحسن الله فيما مضـى : كذلك يُحسن فيما بَـقِـي».(الترغيب والترهيب (2/ 201).
وفي صحيح مسلم مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ” « مسلم/8/ 227).
روى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخَطَ فَلَهُ السَّخَطُ» « الترمذي» (4/ 202/2396).
«قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبَّ أَنْ يُرْضَى بِهِ، وَقَالَ ابْنُ قال أبو مسعود البلخي من أصيب بمصيبة فمزق ثوباً أو ضرب صدراً فكأنما أخذ رمحاً يريد أن يقاتل به ربه عز وجل.
«مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ بِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ جَعَلَ الرُّوحَ وَالْفَرَحَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَالسُّخْطِ؛ فَالرَّاضِي لَا يَتَمَنَّى غَيْرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَصْبَحْتُ وَمَالِي سُرُورٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
فَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ، كَانَ عَيْشُهُ كُلُّهُ فِي نَعِيمٍ وَسُرُورٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النَّحْلِ: 97].
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ: هِيَ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ وَجَنَّةُ الدُّنْيَا وَمُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ.
وَسُئِلَ السَّرِيُّ: هَلْ يَجِدُ الْمُحِبُّ أَلَمَ الْبَلَاءِ؟ فَقَالَ: لَا،وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
عَذَابُهُ فِيكَ عَذْبٌ : وَبُعْدُهُ فِيكَ قُرْبُ
وَأَنْتَ عِنْدِي كَرُوحِي : بَلْ أَنْتَ مِنْهَا أَحَبُّ
حسْبي مِنَ الحُبِّ أنِّي … لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ.«جامع العلوم والحكم» (1/ 487،486).
قَالَ تَعَالَى:﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [التوبة: 51].
فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشُه كلُّه في نعيمٍ وسرورٍ، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل:97).
قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة. فكن راضيا بجميع أحوالك تجده السعادة.
فالواجب علينا أن نقنع بما قسم الله لنا من جسم ومال وولد وسكن وموهبة زوجة أولاد.. وهذا منطق القران قال الله تعالي لكليمه موسي عليه السلام :«فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)»(الأعراف :144) ، فالحمد لله على صباح أقبل ونحن نسمع ونبصر،والحمد لله على فجر أذَّن ونحن نركع ونسجد،والحمد لله على كل شمس أشرقت ونحن نؤمن ونشكر،والحمد لله على يوم أقبل علينا ونحن علي ظهر الأرض ،والحمد لله أننا قمنا من فِراشنا دون مساعدة من أحد ولم يوقظنا الوجع، والحمد لله أننا ندخل الخلاء فنقضي حاجتنا دون أن تكشف عورتنا لأحد، ونمشى على أقدامنا لا يُقعدنا العجز.
قال صالح بن جناح الدمشقي لابنه: يا بني، إذا مرّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثر الشكر الله تعالى.
فكم من مسلوب دينه، ومنزوع ملكه، ومهتوك ستره، ومقصوم ظهره في ذلك اليوم، وأنت في عافية.
لو أنني أعطيت سؤلي لما : سالتُ إلا العفوَ والعافية
فكم فتىّ قد باتّ في نعمةٍ : فسلَّ منها الليلة الثانية»«مختصر تاريخ دمشق» (11/ 28) .