الأحزاب الوظيفية بين الوطنية المزعومة والتبعية الفعلية

المقال الثانى والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

كيف صُممت الأحزاب لتفتيت الأمة:

منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وأُعلن سقوط الخلافة العثمانية، شرع المستعمر الغربي في بناء منظومة سياسية جديدة في بلاد العرب والمسلمين، لا تستند إلى الأمة أو الدين أو حتى المصلحة الوطنية الحقيقية، بل تقوم على الأحزاب الوظيفية: كيانات سياسية صُنعت في أروقة السفارات وأقبية الاستخبارات، ثم أُطلقت إلى الساحة على أنها ممثلون للشعب وأدوات للحرية، بينما هي في جوهرها أدوات تفتيت وضبط وتحكم. هذه الأحزاب لم تكن وليدة صراع اجتماعي طبيعي، بل كانت نتاج هندسة استعمارية دقيقة، هدفها أن تظل الأمة ممزقة، وأن يظل ولاؤها مرهونًا بالخارج لا بالداخل.

من الولادة المشبوهة إلى الدور التخريبي:

لقد ظهرت هذه الأحزاب في البداية كحركات “نهضة” و”وطنية”، تحمل شعارات كبرى مثل “الحرية”، “الوحدة”، “الاستقلال”، “العدالة الاجتماعية”. لكنها في العمق لم تكن سوى واجهات، تخفي وراءها ارتباطات عميقة بالمستعمر، وتمويلًا مباشرًا أو غير مباشر من الخارج. والمفارقة أن هذه الأحزاب، التي كانت تزعم أنها تدافع عن حرية الأمة، هي نفسها التي باركت كل تقسيم فرضه الاستعمار، وصمتت عن كل قاعدة عسكرية بُنيت على أرض الوطن، بل وأحيانًا شاركت في تسليم البلاد للأجنبي.

في سوريا مثلًا، تشكلت الأحزاب الكبرى – القومية منها واليسارية – في سياق التبعية المباشرة لمشاريع أجنبية. فالأحزاب القومية، التي رفعت راية “الوحدة العربية”، لم تحقق وحدة ولا استقلالًا، بل تحولت إلى أدوات للأنظمة العسكرية، تغطي على استبدادها بشعارات فارغة. أما الأحزاب اليسارية والشيوعية، فقد ارتبطت بموسكو أكثر من ارتباطها بدمشق، وصارت تنفذ أجندات الحرب الباردة بحذافيرها، حتى لو كان الثمن سحق هوية الأمة وتشويه دينها. وفي مصر، لم يكن الوضع مختلفًا؛ فالأحزاب التي نشأت في عهد الاحتلال البريطاني كانت جزءًا من لعبة التوازن بين المستعمر والملك، تُستدعى حين يريد المستعمر تزيين صورته، وتُقصى حين لم يعد لها دور.

إن خطورة هذه الأحزاب تكمن في أنها أدمنت الكذب على الشعوب. فهي تقدم نفسها على أنها صوت الأمة، بينما هي في الحقيقة مجرد وسطاء بين الشعب والمستعمر. تُقنع الناس بأنها تمثل مصالحهم، بينما تكتب تقاريرها لسفارات أجنبية. ترفع صور الزعماء على الجدران، بينما قراراتها الحقيقية تأتي من الخارج. حتى لو دخلت الانتخابات، فإنها لا تدخلها لتخدم الشعب، بل لتضمن أن يبقى الصراع تحت السيطرة، وأن يظل الشعب مشغولًا بجدالات شكلية، بينما تُنهب ثرواته وتُباع قضاياه الكبرى في سوق السياسة.

ولم تتوقف وظيفتها عند حدود الكذب، بل امتدت إلى التخريب المباشر. فالأحزاب الوظيفية لم تتردد في إشعال الحروب الأهلية حين طُلب منها، ولم تتردد في إثارة النعرات الطائفية والعرقية والمناطقية حين كان ذلك يخدم مموليها. بل إن بعضها تحالف مع جيوش الاحتلال نفسها، كما حدث في أكثر من بلد، حيث وقفت الأحزاب “الوطنية” جنبًا إلى جنب مع المحتل الأجنبي ضد شعوبها، تحت ذريعة “الواقعية السياسية” أو “حماية الأقليات” أو “التوازن الدولي”.

ولعل أخطر ما أنتجته هذه الأحزاب هو قتل فكرة الأمة الجامعة. فقد أقنعت الأجيال الجديدة أن الهوية لا تتجاوز حدود الحزب أو الطائفة أو الدولة القُطرية. فصار الانتماء للحزب أهم من الانتماء للوطن، وصار الدفاع عن الزعيم الحزبي أقدس من الدفاع عن القيم الدينية. ومع مرور العقود، تحولت الأحزاب إلى سجون فكرية، تُعيد إنتاج نفس الخطاب المهزوم، وتُربي أعضاءها على الطاعة العمياء لا على التفكير الحر. وهكذا تحقق للمستعمر ما أراد: أمة منقسمة، كل جزء منها مشغول بصراعات داخلية لا تنتهي.

لقد ولدت الأحزاب الوظيفية من رحم الشبهات، وعاشت على الخيانة، وأدت دورها التخريبي بدقة مذهلة. فهي لم تُسقط الاحتلال، بل شرعنته. لم تُوحّد الأمة، بل جزأتها. لم تُحرر العقول، بل استعبدت القلوب. إنها بحق جيوش ظل سياسية، لا ترفع السلاح لكنها تفعل ما هو أخطر: تُقسم الأمة باسم الوطنية، وتُخدرها باسم الحرية، وتُسلمها للمستعمر باسم الواقعية.

إن الأمة لن تنهض ما دامت هذه الأحزاب هي التي تتصدر المشهد. ولن تعرف الحرية ما دامت هذه الأحزاب هي التي تحتكر الخطاب السياسي. ولا سبيل للتحرر إلا بفضحها وكشف حقيقتها: أنها لم تكن يومًا أدوات للتغيير، بل أدوات للتثبيت، لم تكن أصواتًا للشعوب، بل أصداء لمكاتب الاستعمار. فكما أسقطت الأمة جيوش الاحتلال بالسلاح، عليها أن تُسقط جيوش الداخل السياسية بالوعي، حتى تستعيد حريتها كاملة.