خطبة الجمعة ٢٩رَبِيعٍ الأَوَّلِ ١٤٤٨ هـ تحت عنوان “الإِبْدَاعُ وَالاِبْتِكَارُ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ”
11 سبتمبر، 2026
خطب منبرية

خطبة الجمعة ٢٩رَبِيعٍ الأَوَّلِ ١٤٤٨ هـ – ١١ سِبْتَمْبَر ٢٠٢٦ م
تحت عنوان “الإِبْدَاعُ وَالاِبْتِكَارُ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ”
لفضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عَنَاصِرُ الخُطْبَةِ
الخطبة الأولى:
* حَثُّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الاِبْتِكَارِ وَرَعَايَةُ المَوْهِبَةِ: كَيْفَ صَنَعَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ بِيئَةً مُشَجِّعَةً عَلَى التَّفْكِيرِ وَالإِبْدَاعِ؟ .
* عَنَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَوْهُوبِينَ وَتَوْجِيهُ طَاقَاتِهِمْ: اسْتِكْشَافُ المَوَاهِبِ وَوَضْعُ الكَفَاءَاتِ فِي مَوَاضِعِهَا المُنَاسِبَةِ (قصة سيدنا زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَعَلُّمِهِ لُغَةَ السُّرْيَانِيَّةِ وَالعِبْرَانِيَّةِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ).
* تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلإِبْدَاعِ وَالحُلُولِ الاِبْتِكَارِيَّةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: كَيْفَ حَوَّلَ النبيُّ ﷺ الأَفْكَارَ الجَدِيدَةَ إِلَى مَشَارِيعَ نَاجِحَةٍ تَخْدُمُ المُجْتَمَعَ .
الخطبة الثانية:
4. بِدَايَةُ العَامِ الدِّرَاسِيِّ الجَدِيدِ: اسْتِقْبَالُ العَامِ الدِّرَاسِيِّ بِهِمَّةٍ وَإِبْدَاعٍ، وَدَوْرُ الأُسْرَةِ وَالمُعَلِّمِينَ فِي رَعَايَةِ المَوَاهِبِ وَنَشْرِ العِلْمِ.
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: ٩]. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَلَّ فِي عُلَاهُ، حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى صَوَالِحِ أُمُورِنَا، وَنَسْتَهْدِيهِ إِلَى الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ الإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ البَيَانَ، وَرَفَعَ مَقَامَ العِلْمِ وَالأَفْكَارِ النَّيِّرَةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَمُعَلِّمَنَا وَقُدْوَتَنَا سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ المَيَامِينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ، وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيمِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ…
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، نَعِيشُ الْيَوْمَ مَعَ قَبَسٍ مُضِيءٍ مِنْ هَدْيِ أَعْظَمِ مُعَلِّمٍ وَقَائِدٍ عَرَفَتْهُ الْبَشَرِيَّةُ، سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ذَلِكَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ الَّذِي أَقَامَ بِنَاءَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْوَعْيِ وَالْعَمَلِ، وَرَبَّى جِيلًا يَفْهَمُ وَيَتَفَكَّرُ وَيَجْتَهِدُ، وَيَسْعَى فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ الْحَيَاةِ.
فَلَمْ يَكُنْ هَدْيُهُ ﷺ دَعْوَةً إِلَى جُمُودِ الْعُقُولِ، أَوْ تَعْطِيلِ الْمَوَاهِبِ، أَوْ وَأْدِ الطَّاقَاتِ، بَلْ كَانَ مَنْهَجًا يَفْتَحُ لِلْعَقْلِ آفَاقَ التَّفَكُّرِ، وَلِلْفِكْرِ مَجَالَ الِاجْتِهَادِ، وَلِلْمَوْهِبَةِ طَرِيقَ النُّمُوِّ وَالْإِبْدَاعِ.
وَقَدْ كَانَ ﷺ يُنَمِّي فِي أَصْحَابِهِ قُدْرَةَ التَّفْكِيرِ، وَيُشَجِّعُهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ، وَيَسْمَعُ الرَّأْيَ، وَيَشَاوِرُ أَصْحَابَهُ، وَيَقْبَلُ مِنَ الْأَفْكَارِ مَا يَتَّفِقُ مَعَ الْحَقِّ وَالْمَصْلَحَةِ.
وَلَمْ يَقِفْ ﷺ عِنْدَ تَنْشِئَةِ الْجَمَاعَةِ، بَلْ الْتَفَتَ إِلَى الْفَرْدِ، فَعَرَفَ مَوَاهِبَ أَصْحَابِهِ وَقُدُرَاتِهِمْ، وَوَجَّهَ كُلَّ وَاحِدٍ إِلَى الْمَيْدَانِ الَّذِي يُحْسِنُهُ؛ فَمِنْهُمُ الْعَالِمُ، وَمِنْهُمُ الْقَائِدُ، وَمِنْهُمُ الْمُعَلِّمُ، وَمِنْهُمُ الدَّاعِي، وَمِنْهُمُ الْكَاتِبُ، وَكُلٌّ يَخْدُمُ دِينَهُ وَأُمَّتَهُ مِنْ بَابِهِ.
وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ رِعَايَةَ الْمَوَاهِبِ وَتَنْشِئَةَ النَّوَابِغِ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ هِيَ مِنْ أَسْبَابِ قُوَّةِ الْأُمَمِ وَنَهْضَتِهَا؛ فَالْأُمَمُ لَا تَبْنِي مُسْتَقْبَلَهَا بِالْأَعْدَادِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَبْنِيهِ بِالْعُقُولِ الْوَاعِيَةِ، وَالطَّاقَاتِ الْمُسْتَثْمَرَةِ، وَالشَّبَابِ الَّذِي يُمْنَحُ الثِّقَةَ وَالْفُرْصَةَ.
وَإِنَّنَا فِي زَمَانٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ الْمَعَارِفُ، وَتَتَطَوَّرُ فِيهِ الْوَسَائِلُ، أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى هَذَا الْهَدْيِ الْمُحَمَّدِيِّ؛ عُقُولٍ تَفْهَمُ، وَمَوَاهِبَ تُرْعَى، وَطَاقَاتٍ تُسْتَثْمَرُ، وَشَبَابٍ يُعَدُّ لِيَكُونَ صَانِعَ الْغَدِ وَبَانِيَ الْمُسْتَقْبَلِ.
فَهَذَا هُوَ الْهَدْيُ النَّبَوِيُّ: عَقْلٌ يُفَكِّرُ، وَقَلْبٌ يَخْشَى اللَّهَ، وَيَدٌ تَعْمَلُ، وَهِمَّةٌ تَسْعَى، وَمَوْهِبَةٌ تُسْتَثْمَرُ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ وَالْوَطَنِ وَالْإِنْسَانِ.
العنصر الأول: حَثُّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الِابْتِكَارِ وَرِعَايَةِ الْمَوْهِبَةِ
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا دِينًا يُحَاصِرُ الْعُقُولَ، وَلَا مَنْهَجًا يَقْتُلُ الْمَوَاهِبَ، وَلَا رِسَالَةً تُغْلِقُ أَبْوَابَ الْفِكْرِ وَالِابْتِكَارِ؛ بَلْ جَاءَ لِيُحَرِّرَ الْإِنْسَانَ مِنْ أَسْرِ الْجَهْلِ، وَيَفْتَحَ لَهُ آفَاقَ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَيَدْعُوَهُ إِلَى أَنْ يَسْتَخْرِجَ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ طَاقَاتٍ وَقُدُرَاتٍ، فَيَجْعَلَهَا سَبِيلًا لِخِدْمَةِ الدِّينِ وَالْإِنْسَانِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ.
وَإِذَا تَأَمَّلْنَا فِي الْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ وَجَدْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَمِعُ لِلْفِكْرَةِ، وَيَقْبَلُ الرَّأْيَ السَّدِيدَ، وَيَسْتَفِيدُ مِنَ الْخِبْرَةِ، وَلَا يَجْعَلُ لِسِنٍّ، أَوْ مَكَانَةٍ، أَوْ نَسَبٍ حَاجِزًا أَمَامَ الْفِكْرَةِ النَّافِعَةِ.
وَمِنْ أَرْوَعِ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تُجَسِّدُ ذَلِكَ مَوْقِفُهُ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، حِينَ أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ الْمَوْقِفُ عَصِيبًا، وَالْخَطَرُ مُحْدِقًا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَمَامَ تَحَدٍّ عَظِيمٍ.
فَهُنَا بَرَزَتْ مَوْهِبَةٌ، وَظَهَرَتْ فِكْرَةٌ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْعَرَبِ فِي حُرُوبِهِمْ، فَكَانَ صَاحِبُهَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي عَرَفَ مِنْ خِبْرَةِ قَوْمِهِ بِفَارِسَ أُسْلُوبًا فِي الدِّفَاعِ لَمْ تَأْلَفْهُ الْعَرَبُ.
فَأَشَارَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ؛ لِيَحُولَ بَيْنَ الْجَيْشِ الْمُهَاجِمِ وَبَيْنَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ.
وَهُنَا تَأَمَّلُوا عِبَادَ اللَّهِ!
فَكِرَةٌ جَدِيدَةٌ، وَرَأْيٌ لَمْ تَأْلَفْهُ الْبِيئَةُ الْعَرَبِيَّةُ، وَصَاحِبُهَا لَيْسَ مِنْ أَبْنَاءِ قُرَيْشٍ، وَلَا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّ الْمِعْيَارَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ نَسَبًا وَلَا قَبِيلَةً، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْفِكْرَةُ النَّافِعَةُ وَالْخِبْرَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ.
فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْفِكْرَةَ، وَأَخَذَ بِهَا، وَأَصْبَحَ الْخَنْدَقُ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الْمَدِينَةِ وَإِفْشَالِ خُطَّةِ الْأَحْزَابِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ هَذَا الْمَوْقِفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ مِنْ قِصَصِ السِّيرَةِ، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ تَرْبَوِيٌّ عَظِيمٌ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ تَصْنَعُ الْأُمَمُ مُسْتَقْبَلَهَا.
يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْفِكْرَةَ النَّافِعَةَ لَا تُرَدُّ لِأَنَّهَا جَدِيدَةٌ، وَأَنَّ الْمَوْهِبَةَ لَا تُهْمَلُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا صَغِيرٌ، وَأَنَّ الْخِبْرَةَ لَا تُرْفَضُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَكَانَةِ أَوِ الشُّهْرَةِ.
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَحْتَرِمُ الْعَقْلَ، وَيَسْتَمِعُ لِلْفِكْرَةِ، وَيَرْعَى الْمَوْهِبَةَ، وَيَفْتَحُ الْأَبْوَابَ أَمَامَ أَصْحَابِ الْقُدُرَاتِ؛ هُوَ مُجْتَمَعٌ يَمْلِكُ أَسْبَابَ النَّهْضَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالِابْتِكَارِ أَنْ يَخْتَرِعَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا لِمُجَرَّدِ أَنْ يُقَالَ: مُبْتَكِرٌ، وَلَا أَنْ يَبْحَثَ عَنْ كُلِّ جَدِيدٍ دُونَ ضَابِطٍ أَوْ هَدَفٍ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْإِنْسَانُ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنْ عَقْلٍ وَعِلْمٍ وَمَهَارَةٍ فِي تَحْقِيقِ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ، وَإِعْمَارِ الْحَيَاةِ.
فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَةٍ ضَاعَتْ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ مُبْدِعٍ انْطَفَأَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشُجِّعُهُ، وَكَمْ مِنْ شَابٍّ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ مُبْتَكِرًا أَوْ مُعَلِّمًا أَوْ قَائِدًا، فَأُهْمِلَتْ مَوْهِبَتُهُ حَتَّى ذَبُلَتْ وَانْطَفَأَتْ.
وَمِنْ هُنَا كَانَ مِنْ وَاجِبِ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالْمُجْتَمَعِ أَنْ يَبْحَثُوا عَنِ الْمَوَاهِبِ، وَأَنْ يَكْتَشِفُوا الطَّاقَاتِ، وَأَنْ يُعَلِّمُوا أَبْنَاءَهُمْ أَنْ يُفَكِّرُوا، لَا أَنْ يُرَدِّدُوا فَقَطْ، وَأَنْ يُبْدِعُوا، لَا أَنْ يُقَلِّدُوا فَقَطْ، وَأَنْ يَبْنُوا، لَا أَنْ يَكُونُوا مُجَرَّدَ مُتَلَقِّينَ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّةً تُرَبِّي أَبْنَاءَهَا عَلَى الْعِلْمِ، وَتَحْتَرِمُ أَصْحَابَ الْمَوَاهِبِ، وَتُشَجِّعُ الْفِكْرَ النَّافِعَ، وَتَفْتَحُ أَبْوَابَ الْإِبْدَاعِ؛ لَا تَبْقَى فِي ذَيْلِ الْأُمَمِ، بَلْ تَصْنَعُ لِنَفْسِهَا مَكَانًا بَيْنَ الْأُمَمِ.
وَلَقَدْ كَانَ الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ أَسْبَقَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَصَنَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ رِجَالًا وَنِسَاءً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْهِبَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَيْدَانٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بَصْمَةٌ فِي بِنَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
فَالمَوْهِبَةُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَرِعَايَتُهَا أَمَانَةٌ، وَتَوْجِيهُهَا وَاجِبٌ، وَاسْتِثْمَارُهَا فِي النَّفْعِ وَالْخَيْرِ عِبَادَةٌ؛ وَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى أَنْ نَعُودَ إِلَى هَذَا الْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَصْنَعُ الْإِنْسَانَ الْوَاعِيَ، وَيَحْتَضِنُ الْمَوْهِبَةَ، وَيُشَجِّعُ الْإِبْدَاعَ، وَيَجْعَلُ مِنْ كُلِّ طَاقَةٍ مُهْمَلَةٍ طَاقَةً فَاعِلَةً، وَمِنْ كُلِّ مَوْهِبَةٍ صَامِتَةٍ قُوَّةً تَبْنِي وَتُعَمِّرُ وَتَنْهَضُ بِالْأُمَّةِ.
العنصر الثاني: عِنَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَوْهُوبِينَ وَتَوْجِيهُ طَاقَاتِهِمْ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِذَا كَانَ الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ قَدْ فَتَحَ أَبْوَابَ الْفِكْرِ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْمَوْهِبَةَ بَعْدَ اكْتِشَافِهَا بِلَا رِعَايَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْمَوْهُوبَ بِلَا تَوْجِيهٍ، بَلْ كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يَكْشِفَ مَوَاطِنَ الْقُوَّةِ فِي أَصْحَابِهِ، وَيَعْرِفَ مَا يُحْسِنُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَضَعَهُ فِي الْمَيْدَانِ الَّذِي يُنَاسِبُ قُدْرَاتِهِ، حَتَّى تَتَحَوَّلَ الْمَوْهِبَةُ مِنْ قُدْرَةٍ كَامِنَةٍ إِلَى طَاقَةٍ فَاعِلَةٍ تَنْفَعُ صَاحِبَهَا وَأُمَّتَهُ.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أُسُسِ النَّهْضَةِ؛ فَلَيْسَ الْمَهْمُّ أَنْ نَقُولَ لِلشَّابِّ: أَنْتَ مُتَفَوِّقٌ، أَوْ أَنْ نَمْدَحَ الْمَوْهِبَةَ بِكَلِمَاتٍ عَابِرَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَهْمُّ أَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ نَكْتَشِفُهَا، وَكَيْفَ نُنَمِّيهَا، وَكَيْفَ نُوَجِّهُهَا، وَكَيْفَ نَمْنَحُ صَاحِبَهَا الثِّقَةَ وَالْمَسْؤُولِيَّةَ.
وَمِنْ أَجْمَلِ النَّمَاذِجِ عَلَى ذَلِكَ: مَا صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الْفَتَى النَّابِغِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَقَدْ كَانَ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غُلَامًا صَغِيرَ السِّنِّ، لَكِنَّهُ كَانَ ذَا قُدْرَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَى الْحِفْظِ وَالتَّعَلُّمِ، فَلَمْ يَنْظُرِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صِغَرِ سِنِّهِ عَلَى أَنَّهُ عَائِقٌ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ لَمْ يَكْبُرْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ هَذَا الْغُلَامُ مِنْ قُدْرَةٍ وَذَكَاءٍ وَاسْتِعْدَادٍ.
فَقَالَ لَهُ ﷺ: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي».
فَيَقُولُ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فَمَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ».
تَأَمَّلُوا عِبَادَ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيمِ!
النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَرَ فِي زَيْدٍ غُلَامًا صَغِيرًا فَقَطْ، بَلْ رَأَى فِيهِ طَاقَةً يَجِبُ أَنْ تُسْتَثْمَرَ، وَعَقْلًا يَجِبُ أَنْ يُنَمَّى، وَمَوْهِبَةً يَجِبُ أَنْ تُوَجَّهَ إِلَى مَا يَنْفَعُ.
فَلَمْ يَكْتَفِ ﷺ بِالثَّنَاءِ عَلَى ذَكَائِهِ، بَلْ أَعْطَاهُ مَهَمَّةً حَقِيقِيَّةً، وَفَتَحَ أَمَامَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، فَأَصْبَحَ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ، ثُمَّ كَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَوْرٌ عَظِيمٌ فِي خِدْمَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهُنَا يَا عِبَادَ اللَّهِ نَقِفُ أَمَامَ قَاعِدَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ جَلِيلَةٍ: أَنَّ الْمَوْهِبَةَ لَا تَكْبُرُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تَكْبُرُ بِالْعِلْمِ وَالتَّدْرِيبِ وَالثِّقَةِ وَالْمُمَارَسَةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.
فَكَمْ مِنْ شَابٍّ يَمْلِكُ قُدْرَةً عَظِيمَةً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَكْتَشِفُهَا!
وَكَمْ مِنْ طَالِبٍ يَمْلِكُ عَقْلًا مُبْدِعًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَضَعُهُ عَلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ!
وَكَمْ مِنْ مَوْهِبَةٍ دَفَنَتْهَا كَلِمَةُ إِحْبَاطٍ، أَوْ أَهْمَلَهَا تَقْلِيلٌ مِنْ شَأْنِ صَاحِبِهَا، أَوْ أَضَاعَهَا عَدَمُ وُجُودِ مَنْ يَقُولُ لِصَاحِبِهَا: نَحْنُ نَرَى فِيكَ خَيْرًا، فَتَقَدَّمْ، وَتَعَلَّمْ، وَاجْتَهِدْ، وَاسْتَثْمِرْ مَا وَهَبَكَ اللَّهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ عَظِيمِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ النَّاسَ نُسْخَةً وَاحِدَةً؛ فَلَمْ يَكُنْ كُلُّ صَحَابِيٍّ يُؤَدِّي الْمَهَمَّةَ نَفْسَهَا، وَلَمْ تَكُنْ كُلُّ الْقُدُرَاتِ فِي مَيْدَانٍ وَاحِدٍ.
فَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ بَرَزَ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَهَرَ بِالْفِقْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَمَيَّزَ فِي الْقَضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عُرِفَ بِالْجِهَادِ وَالْقِيَادَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَرَعَ فِي الْكِتَابَةِ وَالْحِسَابِ وَاللُّغَاتِ؛ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِفُ قَدْرَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَسْتَخْرِجُ مِنْهُ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهُ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَ قَوْلُهُ ﷺ فِي بَيَانِ فَضَائِلِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: «وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ».
فَكَأَنَّ الْمَنْهَجَ النَّبَوِيَّ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ بَابِ قُدْرَاتِهِ، لَا مِنْ بَابِ عُيُوبِهِ، وَأَنْ نَبْحَثَ عَمَّا يُحْسِنُهُ، لَا أَنْ نُرْغِمَهُ عَلَى مَا لَا يُحْسِنُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُجْتَمَعُ بِمَوَاهِبِ أَبْنَائِهِ أَنْ يَضَعَ الْإِنْسَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَأَنْ يُهْمِلَ الْفُرُوقَ بَيْنَ الْقُدُرَاتِ وَالِاسْتِعْدَادَاتِ.
فَإِنَّ الْعَالِمَ لَيْسَ كَالْمُحَارِبِ، وَالْقَاضِي لَيْسَ كَالْمُعَلِّمِ، وَالْكَاتِبَ لَيْسَ كَالْخَطِيبِ، وَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ قُدْرَةً فِي مَيْدَانٍ قَدْ لَا يَكُونُ مُتَمَيِّزًا فِي مَيْدَانٍ آخَرَ.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَبْنِيَ جِيلًا قَوِيًّا، فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَكْتَشِفُ مَوَاهِبَ أَبْنَائِنَا، وَكَيْفَ نَرْعَاهَا، وَكَيْفَ نُوَجِّهُهَا، وَكَيْفَ نَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ.
فَالْمَوْهِبَةُ الَّتِي لَا تُرْعَى قَدْ تَضْمُرُ، وَالْقُدْرَةُ الَّتِي لَا تُسْتَثْمَرُ قَدْ تَضِيعُ، وَالطَّاقَةُ الَّتِي لَا تَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهَا قَدْ تَذْهَبُ فِي غَيْرِ طَرِيقِهَا.
أَمَّا إِذَا وَجَدَ الْمَوْهُوبُ مَنْ يَفْهَمُهُ، وَيُشَجِّعُهُ، وَيُعَلِّمُهُ، وَيُكَلِّفُهُ بِمَا يُنَاسِبُ قُدْرَتَهُ؛ فَإِنَّنَا لَا نَرْعَى فَرْدًا فَقَطْ، بَلْ نَصْنَعُ لِلْأُمَّةِ عَقْلًا جَدِيدًا، وَقُدْرَةً جَدِيدَةً، وَطَاقَةً جَدِيدَةً تَسْهَمُ فِي بِنَاءِ الْحَاضِرِ وَصِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَرَى فِي الشَّابِّ عُمْرَهُ فَقَطْ، وَمَنْ يَرَى فِيهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غَدًا.
وَلَقَدْ رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ جِيلًا كَانَ كُلُّ فَرْدٍ فِيهِ يَعْرِفُ مَوْضِعَ قُدْرَتِهِ، وَيَعْرِفُ مَيْدَانَ عَطَائِهِ، فَتَكَامَلَتِ الْمَوَاهِبُ، وَاجْتَمَعَتِ الطَّاقَاتُ، وَتَحَوَّلَتِ الْقُدُرَاتُ الْفَرْدِيَّةُ إِلَى قُوَّةٍ جَمَاعِيَّةٍ بَنَتْ أُمَّةً وَحَضَارَةً وَتَارِيخًا.
فَيَا آبَاءَ الْأَبْنَاءِ، اكْتَشِفُوا مَوَاهِبَ أَبْنَائِكُمْ وَلَا تَقْتُلُوهَا بِالسُّخْرِيَةِ وَالتَّقْلِيلِ.
وَيَا مُعَلِّمِي الْأَجْيَالِ، ابْحَثُوا عَنْ ذَلِكَ الطَّالِبِ الَّذِي يَخْتَلِفُ عَنْ أَقْرَانِهِ فِي قُدْرَةٍ أَوْ مَهَارَةٍ، فَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا تَرَوْنَهُ الْيَوْمَ.
وَيَا مُرَبِّيَ الْأُمَّةِ، لَا تَجْعَلُوا أَبْنَاءَنَا صُوَرًا مُتَطَابِقَةً، بَلْ عَلِّمُوهُمْ، وَوَجِّهُوهُمْ، وَافْتَحُوا لَهُمْ أَبْوَابَ الْعِلْمِ، وَاتْرُكُوا لِكُلِّ مَوْهِبَةٍ مَيْدَانَهَا.
فَإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَكْتَشِفُ مَوَاهِبَ أَبْنَائِهَا، وَتَرْعَى نَوَابِغَهَا، وَتَضَعُ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي مَوْضِعِهِ؛ أُمَّةٌ لَا تَفْقِدُ مُسْتَقْبَلَهَا، بَلْ تَصْنَعُهُ بِأَيْدِي أَبْنَائِهَا.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلْإِبْدَاعِ وَالْحُلُولِ الِابْتِكَارِيَّةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الْإِبْدَاعَ فِي الْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ لَمْ يَكُنْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَلَا أَفْكَارًا تُطْرَحُ ثُمَّ تُنْسَى، بَلْ كَانَ حُلُولًا عَمَلِيَّةً تُعَالِجُ الْمُشْكِلَاتِ، وَتُيَسِّرُ حَيَاةَ النَّاسِ، وَتَفْتَحُ أَبْوَابَ الْخَيْرِ.
وَمِنْ أَبْرَزِ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ: فِكْرَةُ الْمِنْبَرِ؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ قَائِمٌ، فَاقْتَرَحَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ مِنْبَرٌ، لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوا خُطْبَتَهُ، فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ الْفِكْرَةَ، وَصَارَ الْمِنْبَرُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَعَالِمِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.
وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَذَانُ؛ فَلَمَّا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى وَسِيلَةٍ يَجْتَمِعُونَ بِهَا لِلصَّلَاةِ، تَعَدَّدَتِ الْآرَاءُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُؤْيَا فِيهَا صِفَةُ الْأَذَانِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَقَرَّهَا، وَأَمَرَ بِلَالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِهَا؛ فَأَصْبَحَ النِّدَاءُ إِلَى الصَّلَاةِ شَعِيرَةً خَالِدَةً مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: تَنْظِيمُ الْمُجْتَمَعِ وَإِدَارَةُ شُؤُونِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ بِنَاءُ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ قَائِمًا عَلَى الْعَفْوِيَّةِ وَالِارْتِجَالِ، بَلْ كَانَ فِيهِ تَنْظِيمٌ، وَتَوْزِيعٌ لِلْمَهَامِّ، وَاخْتِيَارٌ لِلْأَكْفَاءِ، وَتَخْطِيطٌ لِمَصَالِحِ النَّاسِ.
عِبَادَ اللَّهِ، وَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ فِي الْأَدَوَاتِ وَالْوَسَائِلِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا فِي عَقْلِيَّةِ الْمُسْلِمِ: أَنْ يَرَى الْمُشْكِلَةَ فَيَبْحَثَ عَنْ حَلٍّ، وَأَنْ يَرَى الْحَاجَةَ فَيَبْتَكِرَ وَسِيلَةً لِسَدِّهَا، وَأَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ نَافِعٌ، مَا دَامَ فِي إِطَارِ الشَّرْعِ وَالْأَخْلَاقِ.
فَالْإِسْلَامُ لَا يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ: عِشْ فِي الْمَاضِي، بَلْ يَقُولُ لَهُ: خُذْ مِنْ مَاضِيكَ قِيَمَهُ، وَابْنِ بِهَا حَاضِرَكَ، وَاصْنَعْ لِأُمَّتِكَ مُسْتَقْبَلًا أَفْضَلَ.
وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ الْإِبْدَاعَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ لَيْسَ إِبْدَاعًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْقِيَمِ، وَلَا تَطْوِيرًا بِلَا ضَوَابِطَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَقْلٌ يُفَكِّرُ، وَعِلْمٌ يَنْفَعُ، وَخُلُقٌ يَضْبِطُ، وَعَمَلٌ يَخْدُمُ الْإِنْسَانَ وَيُعَمِّرُ الْحَيَاةَ.
فَكُلُّ فِكْرَةٍ تُصْلِحُ، وَكُلُّ وَسِيلَةٍ تَنْفَعُ، وَكُلُّ حَلٍّ يَدْفَعُ ضَرَرًا أَوْ يَجْلِبُ خَيْرًا؛ فَهُوَ مِنْ مَعَانِي الْإِعْمَارِ وَالِاسْتِخْلَافِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا دِينُنَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ…
عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى عَنْ دِينٍ لَا يُعَادِي الْعِلْمَ، وَلَا يَحْبِسُ الْعَقْلَ، وَلَا يَقْتُلُ الْمَوْهِبَةَ، بَلْ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْفِكْرِ، وَيُشَجِّعُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَيَدْعُو إِلَى اسْتِثْمَارِ الطَّاقَاتِ وَتَسْخِيرِهَا فِيمَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانَ وَيَعْمُرُ الْأَرْضَ.
وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ هُوَ طَرِيقَ الْإِبْدَاعِ، وَكَانَتِ الْمَوْهِبَةُ طَاقَةً تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَكْتَشِفُهَا وَيُوَجِّهُهَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا إِيَّاهُ هُوَ:
مَاذَا نَصْنَعُ لِأَبْنَائِنَا؟ وَكَيْفَ نُعِدُّهُمْ لِغَدٍ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ وَخُلُقٍ وَعَقْلٍ وَهِمَّةٍ؟
إِنَّنَا لَا نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا لِيَجْتَازُوا عَامًا دِرَاسِيًّا فَقَطْ، وَلَا لِيَحْصُلُوا عَلَى شَهَادَةٍ فَقَطْ، وَإِنَّمَا نُرَبِّيهِمْ لِيَكُونُوا رِجَالًا وَنِسَاءً يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ وَالْأَخْلَاقَ، وَيَنْفَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأُسَرَهُمْ وَوَطَنَهُمْ وَأُمَّتَهُمْ.
وَمِنْ هُنَا، وَنَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ عَامٍ دِرَاسِيٍّ جَدِيدٍ، تَتَجَدَّدُ مَسْؤُولِيَّتُنَا جَمِيعًا؛ فَالْأُسْرَةُ مَسْؤُولَةٌ، وَالْمَدْرَسَةُ مَسْؤُولَةٌ، وَالْمُعَلِّمُ مَسْؤُولٌ، وَالطَّالِبُ نَفْسُهُ مَسْؤُولٌ.
العُنْصُرُ الرَّابِعُ: بَدَايَةُ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ بَدَايَةَ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَوْعِدٍ تَعُودُ فِيهِ الْمَدَارِسُ إِلَى أَبْوَابِهَا، وَالطُّلَّابُ إِلَى فُصُولِهِمْ؛ بَلْ هِيَ فُرْصَةٌ لِنُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا، وَنُجَدِّدَ نِيَّاتِنَا، وَنَضَعَ لِأَبْنَائِنَا أَهْدَافًا أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ النَّجَاحِ فِي الِامْتِحَانِ.
فَالْعِلْمُ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ تَرَفًا، وَلَا زِينَةً، بَلْ هُوَ سَبِيلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْنَا جَمِيعًا مَسْؤُولِيَّةً فِي هَذَا الْعَامِ:
أَمَّا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ: فَلْيَكُونُوا عَوْنًا لِأَبْنَائِهِمْ، وَلْيَجْعَلُوا الْبَيْتَ بِيئَةً تُحِبُّ الْعِلْمَ وَالْقِرَاءَةَ وَالسُّؤَالَ وَالِاكْتِشَافَ، وَلْيَبْتَعِدُوا عَنِ الْمُقَارَنَةِ وَالتَّحْقِيرِ وَكَلِمَاتِ الْإِحْبَاطِ.
وَلَا يَكُنْ هَمُّ الْأَبِ وَالْأُمِّ: كَمْ حَصَلَ ابْنِي فِي الِامْتِحَانِ؟ فَقَطْ، بَلْ لِيَكُنْ مِنْ هَمِّهِمْ أَيْضًا: مَاذَا تَعَلَّمَ؟ وَمَاذَا أَصْبَحَ يُحْسِنُ؟ وَكَيْفَ أَصْبَحَ خُلُقُهُ؟ وَفِيمَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَعَ النَّاسَ؟
وَأَمَّا الْمُعَلِّمُونَ: فَأَنْتُمْ أَصْحَابُ رِسَالَةٍ، وَرُبَّ طَالِبٍ يَحْتَاجُ مِنْ مُعَلِّمِهِ إِلَى كَلِمَةٍ تُشَجِّعُهُ، وَيَدٍ تَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا أُؤْمِنُ بِقُدْرَتِكَ، فَاجْتَهِدْ وَلَا تَسْتَسْلِمْ.
وَأَمَّا أَبْنَاؤُنَا الطُّلَّابُ: فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُعْطِي أَسْرَارَهُ لِمَنْ يَطْلُبُهُ بِالْكَسَلِ؛ فَاجْتَهِدُوا، وَنَظِّمُوا أَوْقَاتَكُمْ، وَاحْتَرِمُوا مُعَلِّمِيكُمْ، وَاجْعَلُوا لِكُلِّ يَوْمٍ خُطْوَةً فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالنَّجَاحِ.
وَتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّجَاحَ لَيْسَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِكَ، بَلْ أَنْ تَكُونَ الْيَوْمَ أَفْضَلَ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ أَمْسِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَبْنَاءَنَا أَمَانَةٌ، وَالْأَيَّامُ تَمْضِي، وَمَا نَزْرَعُهُ فِي عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ الْيَوْمَ سَنَرَاهُ فِي مُجْتَمَعِنَا غَدًا.
فَلْنَجْعَلْ هَذَا الْعَامَ عَامَ عِلْمٍ وَأَخْلَاقٍ، وَعَامَ هِمَّةٍ وَإِبْدَاعٍ، وَعَامَ بِنَاءٍ وَعَطَاءٍ؛ فَبِالْعِلْمِ تُبْنَى الْعُقُولُ، وَبِالْأَخْلَاقِ تُبْنَى الْأُمَمُ، وَبِالْهِمَمِ تُصْنَعُ الْمُسْتَقْبَلَاتُ.
الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَقَلْبًا خَاشِعًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَعَمَلًا صَالِحًا مُتَقَبَّلًا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي عَامِهِمُ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ، وَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ، وَارْزُقْهُمُ النَّجَاحَ وَالتَّفَوُّقَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَاجْعَلْهُمْ نَافِعِينَ لِدِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ،اللَّهُمَّ وَفِّقْ مُعَلِّمِينَا وَمُرَبِّينَا، وَأَعِنْهُمْ عَلَى أَدَاءِ رِسَالَتِهِمْ، وَاجْعَلْهُمْ سَبَبًا فِي بِنَاءِ جِيلٍ صَالِحٍ وَنَافِعٍ،اللَّهُمَّ أَصْلِحْ بُيُوتَنَا، وَأَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاجْعَلْ بُيُوتَنَا عَامِرَةً بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ،اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَفَرِّجْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ،اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ وَأَهْلَهَا، وَاجْعَلْهَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، وَاحْفَظْ سَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ،اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ،اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَ مِصْرَ وَشُرْطَتَهَا وَأَبْنَاءَهَا، وَاحْفَظْ أَمْنَنَا وَاسْتِقْرَارَنَا، وَقِنَا شَرَّ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ،رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ …. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.
القاهرة في 26 ربيع الأول ١٤٤٨ هـ – 8 سبتمبر ٢٠٢٦ م