لماذا خلقنا الله تعالي ؟

بقلم د/ مدحت عــلي أحمد وِربي / من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.

الإجابة ليست أبدا كما قال صاحب الطلاسم إيليا ابو ماضي :

جئت لا أعلم من أين ولكنّي أتيت : ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت .

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت : كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ؟!

وإن كان إيليا ابو ماضي ومن علي منهجه لا يدري، فإن البهائم تعرف وتعلم وتدري لماذا خلقت ؟!كما جاء في البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ، عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟ وَبَيْنمَا ‌رَجُلٌ ‌يَسُوقُ ‌بَقَرَةً ‌قَدْ ‌حَمَلَ ‌عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ قَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنِّي أُؤمِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا» البخاري:5/ 5/ 3663).

فما أوجدنا الله تعالي عبثًا ولا لهوًا، كما قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]؛ بل خلقنا وأوجدنا لحكمة عظيمة ، وهي عبادة الله تعالي، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ ‌وَما ‌خَلَقْتُ ‌الْجِنَّ ‌وَالْإِنْسَ ‌إِلَاّ ‌لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾ [الذاريات:58/56]، وكما قال سبحانه في أول نداء في القرآن : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]، فبيَّن سبحانه أن الغاية الكبرى من خلق الجن والإنس في هذه الحياة هي العبادة ؛ لأن العبادة هي حقُّ الله على عباده المكلفين من الجن والإنس، وهي الأمانة الكبرى التي تحمَّلَها الإنسان.

وهذا ما أكده الله تعالى في رسالة جميع الأنبياء والرسل، كما قال نوح عليه السَّلام لقومه: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 59]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لأقوامهم، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، وقال أيضًا لنبيه ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].

واليقين هنا هو: الموت؛ والمعنى: الزم عبادة ربك حتى يأتيك الأجَلُ، كما قال سبحانه: ﴿ ‌قُلْ ‌إِنَّ ‌صَلاتِي ‌وَنُسُكِي ‌وَمَحْيايَ ‌وَمَماتِي ‌لِلَّهِ ‌رَبِّ ‌الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ﴾ [الأنعام: 162، 163].

وجاء في الصحيحين عَنْ ‌مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ. قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: ‌فَإِنَّ ‌حَقَّ ‌اللهِ ‌عَلَى ‌الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا.» (البخاري/4/ 29).

إذن فالحكمة الكبرى من وجودنا في هذه الحياة هي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ولأجلها خُلقت الدنيا والآخرة، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172].

فالواجب علينا جميعا :

أن نجتهد في تحصيل هذه العبادة على الوجه الصحيح الذي أراده الله تعالى، حتى نكون جديرين بالاستخلاف في الأرض، وأهلًا لكرامة الله في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30].والعبادة تتضمن غاية الذل والحب؛ إذ تتضمن غاية الذل لله تعالى مع المحبة له وهذا المدلول الشامل للعبادة في الإسلام هو مضمون دعوة الرسل – عليهم السلام – جميعا وهو ثابت من ثوابت رسالاتهم عبر التاريخ فما من نبي إلا أمر قومه بالعبادة، قال الله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

ومع ذلك يجب أن نعلم أن الله تعالى غني عن العالمين، فالعبادة لا تزيده ولا تنقصه مثقال ذرة لأنه غني بذاته غنى مطلقا، فلا يحتاج إلى شيء مما في الوجود بل كل ما في الوجود محتاج إليه قال الله تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15]. وعليه فإن ثمرة العبادة إنما ترجع إلى الشخص العابد نفسه؛ إذ هو المحتاج إلى الله تعالى والمفتقر إليه استعانة وتوكلا كما قال تعالى: ﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ [الإسراء: 15].

ولن نستطيع أن نعبد الله تعالي إلا بعونه وقوته والإستعانة به كما قال الله تعالي في سورة الفاتحة “‌إِيَّاكَ ‌نَعْبُدُ ‌وَإِيَّاكَ ‌نَسْتَعِينُ (5) (الفاتحة:5) وكما جاء عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ» ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّكَ» ، قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاتِكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ” قُلِ: ‌اللَّهُمَّ ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ، ‌وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ “(الأدب المفرد /ص239).