إشارات العارفين وتلقّي المحبين في كلمة للعارف بالله سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه
6 سبتمبر، 2026
بستان الصالحين

بقلم الشيخ : حسن حفني
باحث وكاتب في التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
قد تمرّ الكلمة على الأسماع فلا تترك وراءها إلا صوتًا انقضى بانقضاء قائله، وقد تكون الكلمة نفسها بابًا يفتح في القلب معنى لم يكن ظاهرًا عند سماعها الأول. والفرق ليس دائمًا في طول الكلام أو كثرة العبارات، وإنما في عمق المعنى، وفي حال المتكلم، وفي استعداد من يتلقى.
ومن هنا توقفت عند كلمة للعارف بالله سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه، وهو يتأمل لفظة قرآنية دقيقة، ويجعل منها مدخلًا للحديث عن الصحبة والمحبة وأثرهما في تربية القلب.
يقول الله تعالى:
﴿رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
ويقول سبحانه:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وقد التفت الشيخ إلى لفظة «مع» في الآيتين، وجعل منها إشارة إلى معنى الصحبة؛ فالعبد يسأل الله أن يتوفاه مع الأبرار، ويُؤمر في الدنيا أن يكون مع الصادقين.
وهنا يبدأ التأمل.
لكن التحقيق يقتضي أن نفرّق بين دلالة الآية في سياقها التفسيري وبين الإشارة التربوية التي يمكن أن تُستنبط منها.
فالآية في سورة التوبة جاءت عقب الحديث عن صدق التوبة، وفي سياق الأمر بالتقوى والكون مع الصادقين، وقد فسّر أهل التفسير «الكون مع الصادقين» بلزوم طريقهم وموافقتهم في الصدق والاستقامة، وليس المقصود مجرد الجلوس إلى أشخاص صالحين دون اقتداء أو موافقة.
وهذه الدقة مهمة؛ لأن الصحبة في ميزان القرآن ليست مجرد قرب المكان، وإنما قرب الطريق.
أن تكون مع الصادقين يعني أن يكون لك نصيب من الصدق الذي عُرفوا به، وأن تلزم سبيلهم في الحق، وأن تجعل صحبتك لهم باعثًا على الاستقامة لا مجرد انتساب لفظي.
وهنا تظهر قيمة كلام الشيخ.
فالشيخ لم يكن يشرح لفظًا لغويًا فحسب، وإنما كان يفتح للسامع بابًا من أبواب التربية: لا تجعل عجزك عن بلوغ مقامٍ عظيم سببًا في ابتعادك عن أهله.
قد لا تكون من الأبرار، لكن يمكنك أن تحب الأبرار.
وقد لا تكون من الصادقين في كمال الصدق، لكن يمكنك أن تلزم الصادقين وتتعلم من طريقهم.
وقد لا تكون قد بلغت مقام الإحسان، لكن يمكنك أن تبحث عن أهل الإحسان لتتعلم منهم معنى أن يكون القلب حاضرًا مع الله.
وهذه ليست دعوة إلى ادعاء المقام، بل على العكس تمامًا؛ إنها دعوة إلى ترك الدعوى وحسن اختيار الطريق.
فالإنسان حين يزكي نفسه يغلق باب التربية، أما حين يعرف قدره ويعرف حاجته إلى من يعلمه ويذكره ويوقظ فيه معاني الخير، فإنه يضع قدمه على بداية صحيحة.
ومن هنا كانت الصحبة من أخطر ما يصنع الإنسان.
فالإنسان لا يتأثر بما يتعلمه فقط، بل يتأثر كذلك بما يراه ويتكرر أمامه.
قد تقرأ عن التواضع أعوامًا، ثم ترى إنسانًا متواضعًا فتفهم في لحظة ما لم تفهمه الكتب وحدها.
وقد تسمع عن الرحمة كثيرًا، ثم تجالس إنسانًا امتلأ بها قلبه، فتكتشف أن الرحمة ليست كلامًا وإنما طريقة في النظر إلى الناس.
وقد تقرأ عن الصدق، ثم ترى رجلًا يرفض أن يجمّل خطأه أو يخفي عيبه، فتتعلم من موقفه أكثر مما تعلمت من صفحات كثيرة.
ولهذا جاء الحديث النبوي الشريف:
«المرء مع من أحب».
وهو حديث ثابت في الصحيحين.
والحديث لا يجعل المحبة بديلًا عن العمل، ولا يجعل الانتساب إلى أهل الخير كافيًا لصلاح الإنسان، وإنما يكشف عن حقيقة عميقة في طبيعة القلب: المحبة توجه.
فما تحبه يكثر حضوره فيك.
وما تكثر من مجالسته يترك أثره فيك.
وما تسمح له أن يتكرر في قلبك يصنع شيئًا من ملامحك، ولو بعد حين.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤالنا: «من نحب؟» هو سؤال آخر:
ماذا تصنع فينا محبتنا؟
هل تجعلنا أكثر صدقًا؟
هل تجعلنا أكثر رحمة؟
هل تجعلنا أقل تعلقًا بأنفسنا؟
هل تجعلنا أسرع إلى الاعتذار وأبعد عن الكبر؟
هل تجعلنا نراقب عيوبنا قبل أن نفتش عن عيوب الآخرين؟
إن كانت الإجابة نعم، فالمحبة قد بدأت تتحول من إحساس إلى تربية.
أما إذا بقيت المحبة مجرد حديث عن الأشخاص، وصور، وذكريات، وانتساب، دون أن ينتقل منها شيء إلى أخلاق المحب وسلوكه، فهنا ينبغي أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة صدق.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل كلام سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه أعمق من مجرد حديث عن الصحبة.
فالشيخ ينتقل من الصحبة إلى أمراض القلوب.
يذكر الغل والحقد والكبر والغش والحسد والشح، وكأنه يريد أن يقول للسامع: لا تنظر إلى الصحبة باعتبارها إضافة إلى حياتك، وانظر إليها باعتبارها امتحانًا لما في قلبك.
فقد تدخل المجلس وأنت تظن أنك تحتاج إلى معلومة جديدة، بينما أنت في الحقيقة تحتاج إلى أن ترى عيبًا قديمًا في نفسك.
وقد تظن أنك تبحث عن مقام، بينما أنت تحتاج أولًا إلى التخلص من آفة تمنعك من السير.
وهنا يصبح العارف، في وظيفته التربوية، ليس من يملأ ذهنك بالمعلومات، وإنما من يعيدك إلى نفسك.
فالعلم الحقيقي لا يزيد الإنسان إعجابًا بنفسه، بل يزيده معرفة بضعفه.
والعبادة الصادقة لا تجعل صاحبها يحتقر الناس، بل تجعله أكثر خوفًا على نفسه وأرحم بغيره.
والمحبة الصادقة لا تمنح الإنسان شعورًا بالتفوق، بل تمنحه أدبًا.
ومن هنا أرى أن من أعمق ما يمكن استنباطه من كلمة الشيخ أن الصحبة الصالحة ليست مكانًا نذهب إليه، وإنما ميزانًا نعرف به ماذا يحدث فينا.
فإن خرجت من الصحبة أكثر تواضعًا، فقد انتفعت.
وإن خرجت أكثر صدقًا، فقد انتفعت.
وإن صرت أرحم بالخلق، وأشد مراقبة لقلبك، وأقل انشغالًا بعيوب الناس، فقد بدأت ترى أثر الصحبة.
أما أن يخرج الإنسان من مجالس الصالحين وهو أكثر تعصبًا لنفسه، وأكثر حديثًا عن مقامه وانتسابه، وأكثر احتقارًا للمخالفين، فهذه علامة تستحق المراجعة؛ لأن الصحبة التي لا تُصلح الخلق لم تؤدِّ وظيفتها التربوية بعد.
وهنا يظهر معنى آخر في عنواننا: تلقّي المحبين.
فليس كل من سمع قد تلقّى.
السماع وصول الصوت إلى الأذن، أما التلقي فهو أن يصل المعنى إلى القلب.
قد يسمع اثنان الكلمة نفسها.
أحدهما يحفظها.
والآخر يحاسب نفسه بها.
الأول يعرف ماذا قال الشيخ.
والثاني يسأل: ماذا يريد هذا الكلام أن يغيّر فيّ؟
وهنا يبدأ الفرق بين المحب الذي يجمع الأقوال، والمحب الذي يتربى بالمعاني.
إن المحب لا ينبغي أن يجعل كلام العارف مادة للإعجاب فقط، بل مادة للمراجعة.
إذا قال العارف: الصدق، فاسأل نفسك عن صدقك.
وإذا تكلم عن الكبر، ففتش عن مواضعه في نفسك.
وإذا تحدث عن الحسد، فلا تبحث عمن حسدك، بل ابحث عن الحسد الذي يمكن أن يكون مختبئًا فيك.
وإذا تحدث عن المحبة، فلا تسأل فقط: من أحب؟
بل اسأل: هل جعلتني المحبة أصدق وأرحم وأحسن أدبًا؟
وهنا تتحول الإشارة إلى عمل.
وهذا في تقديري هو الفارق بين كلام يُسمع وكلام يُتلقّى.
فالعارف يشير، ولكن القلب هو الذي يلتقط الإشارة.
وقد تكون الإشارة صغيرة في ظاهرها، لكنها تفتح في الداخل بابًا واسعًا.
كلمة «مع» مثلًا قد تمر على القارئ، لكنه إذا تأملها في ضوء السياق القرآني والنبوي والتربوي، وجد أمامه قضية كاملة: من أصاحب؟ من أحب؟ ماذا أتلقى؟ ماذا يتغير فيّ؟ وهل صحبتي لأهل الخير تقودني إلى الخير بالفعل؟
والأجمل أن القرآن لا يجعل الطريق قائمًا على الدعوى.
ففي آية آل عمران يأتي دعاء المؤمنين:
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾.
إنها دعوة إلى حسن العاقبة واللحاق بالصالحين، وليست شهادة من الإنسان لنفسه بأنه بلغ مقامهم.
وفي سورة التوبة يأتي الأمر:
﴿وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾.
فكأن في الجمع بين الموضعين معنى تربويًا بديعًا يمكن أن نتأمله: أن يعيش الإنسان في الدنيا طالبًا صحبة أهل الصدق، وأن يرجو في الآخرة أن يكون مع أهل البر.
لا يدّعي لنفسه ما لم يبلغ، ولا يقطع رجاءه فيما يرجوه.
وهذه منزلة جميلة من منازل السالك: فقرٌ بلا يأس، ورجاءٌ بلا دعوى، ومحبةٌ بلا غلو، وصحبةٌ تقود إلى العمل.
ولذلك فإن محبة أهل الله لا ينبغي أن تكون هروبًا من مسؤولية النفس، بل عودة إليها.
ولا يكون الوفاء للشيخ بكثرة الحديث عنه فقط، وإنما بحفظ المعاني التي كان يدعو إليها.
فإذا أحببنا سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه، فإن من أصدق صور الوفاء أن نسأل أنفسنا: ماذا كان يريد أن يصنع في الإنسان بهذا الكلام؟
هل كان يريد كثرة المريدين حول الأشخاص؟
أم كان يريد قلوبًا تعرف الصدق وتكره الغل والحقد والكبر والحسد والشح؟
وهنا يصبح كلامه أمانة لا ذكرى.
ويصبح حفظ أثره أعمق من حفظ عباراته.
لأن الكلمات يمكن أن تُروى، أما التربية فلا تُحفظ إلا إذا ظهرت في الإنسان.
وهذا هو المعنى الذي أراه جديرًا بأن يبقى في وجدان من يسمع هذه الكلمة اليوم:
لا يكفي أن تكون مع أهل الصدق في المكان، فكن معهم في المعنى.
ولا يكفي أن تحب أهل الخير، فاجعل محبتك تدفعك إلى الخير.
ولا يكفي أن تسمع كلام العارف، فدع شيئًا منه يعمل فيك.
فرب إنسان لم يبلغ مقام من أحب، لكنه صدق في محبته، ولزم أدبها، وجاهد نفسه على مقتضاها، فكان الحب بالنسبة إليه بداية الطريق لا نهاية الدعوى.
ورب إنسان جمع كثيرًا من الأقوال، ولكنه لم يسمح لقول واحد منها أن يغير خلقًا في نفسه، فبقي العلم عند لسانه ولم يبلغ قلبه.
ومن هنا أفهم عبارة الشيخ عن أن أمراض القلوب لا تنفك عن الإنسان بمجرد كثرة العبادة أو العلم، وإنما تحتاج إلى تربية ومجاهدة وصدق في مواجهة النفس.
فالطريق إلى الله ليس أن تعرف عيوب الناس، وإنما أن تعرف ما يحجبك أنت.
وليس أن تبحث عن مقام غيرك، وإنما أن تصلح مقامك مع الله.
وليس أن تقول: أنا مع الصادقين، وإنما أن تسأل: هل الصدق يسكن في أقوالي ووعودي ومعاملاتي ونظرتي إلى الناس؟
وهنا تبلغ «المعية» معناها التربوي الأجمل: ليست مجرد قرب، وإنما موافقة واتجاه وأثر.
أن تكون مع الصادقين حتى يأخذ الصدق طريقه إليك.
وأن تحب أهل الخير حتى يصبح الخير أحب إلى نفسك.
وأن تجالس أهل الإحسان حتى تتعلم منهم كيف يكون الإحسان خلقًا لا شعارًا.
وأن تتلقى كلام العارف لا بأذن السامع فقط، بل بقلب المحب الذي يريد أن يتغير.
وهكذا تظل كلمة قصيرة قالها سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه قابلة لأن تُقرأ من أكثر من باب؛ باب القرآن، وباب السنة، وباب الصحبة، وباب المحبة، وباب أمراض القلوب، وأخيرًا باب الإنسان الذي يبحث عن طريق يصلح به نفسه.
وهذا هو جمال إشارات العارفين: أنها لا تنتهي عند العبارة.
إنها تبدأ منها.
أما تلقّي المحبين، فليس أن يكثروا من نقل الكلام، وإنما أن يحمل كل واحد منهم من ذلك الكلام نصيبه من العمل والأدب والإصلاح.
فإذا خرجت الكلمة من فم العارف، انتهى دوره في بيانها، وبدأ دور المحب في تلقيها.
وهنا يكون السؤال الأخير:
هل سمعنا كلام الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه، أم تلقيناه؟
فإن كان سمعًا فقط، بقيت الكلمة ذكرى.
وإن كان تلقيًا، صارت الكلمة تربية.
وإذا صارت تربية، ظهر أثرها في الإنسان.
وحين يظهر أثرها في الإنسان، تكون الكلمة قد عبرت من الصوت إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك.
وهنا فقط نفهم كيف يمكن لكلمة من العارف أن تبقى حية بعد أن ينتهي صوت قائلها.
رحم الله سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه، وجزاه عن العلم والتربية والمحبة خير الجزاء، وجعل ما تركه من كلمات ومعانٍ نافعة بابًا لمن أراد أن يعرف قدر نفسه، ويحسن صحبته، ويصدق في محبته، ويجاهد قلبه، ويسير إلى الله تعالى بأدب العبودية وحسن الرجاء.
إشارات العارفين لا تُحفظ بالذاكرة وحدها، وإنما تُحفظ حين يجد معناها موضعًا في القلب.
✍️ الفقير حسن حفني
باحث وكاتب في التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
أنوار العلم وأسرار المحبة