أخلاق رسول الله ﷺ:

بقلم الشيخ : جمال عبد الحميد ابراهيم

عضو لجنة صانعي السلام والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر


إنَّ الحديثَ عن أخلاقِ رسولِ اللهِ محمدٍ ﷺ ليس حديثًا عن سيرةِ رجلٍ عظيمٍ فحسب، بل هو حديثٌ عن مدرسةٍ إنسانيةٍ خالدةٍ أضاءت للبشريةِ دروبَ الرحمةِ والعدلِ والفضيلة. فقد كان ﷺ قمَّةً في مكارمِ الأخلاق، حتى شهد له ربُّه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

كان ﷺ رحيمَ القلب، رقيقَ المشاعر، يواسي المكسور، ويجبر خاطرَ الضعيف، ويعطف على الصغير، ويوقِّر الكبير. لم يكن فظًّا ولا غليظًا، بل كان لينَ الجانب، طليقَ الوجه، بشوشَ المحيَّا، يزرعُ الأملَ في النفوس، ويُشيعُ الطمأنينةَ في القلوب.

وكان الصدقُ عنوانَ حياته، والأمانةُ سِمَتَه التي عُرف بها قبل البعثة وبعدها، حتى لُقِّب بالصادق الأمين. ولم يكن يعدُ وعدًا إلا وفى به، ولا يؤتمن على شيءٍ إلا أدَّاه، فكان مثالًا يُحتذى في النزاهةِ والإخلاص.

وعُرف ﷺ بالحلمِ والعفوِ عند المقدرة، فلم يكن ينتقمُ لنفسه، بل كان يعفو ويصفح، ويرجو للناسِ الهدايةَ والرحمة. وقد تجلَّت عظمةُ خُلُقه يومَ فتحِ مكة، حين قال لمن آذوه وحاربوه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فكان عفوُه درسًا خالدًا في التسامحِ وسُموِّ النفس.

وكان متواضعًا رغم مكانته العظيمة؛ يجلسُ بين أصحابه كأحدهم، ويُعينُ أهلَه في شؤونِ البيت، ويُجيبُ دعوةَ الفقير، ويُسلِّمُ على الصغيرِ قبل الكبير، ويُشعرُ كلَّ من جالسه أنَّه الأقربُ إلى قلبه. فما زاده الشرفُ إلا تواضعًا، ولا زادته القوةُ إلا رحمةً وإنصافًا.

لقد كانت أخلاقُه ﷺ ترجمةً حيَّةً لتعاليمِ الإسلام، فلم يكن يدعو إلى الفضائلِ بلسانه فحسب، بل كان يجسِّدها في أقواله وأفعاله، حتى أصبحت سيرتُه منارةً تهدي الحائرين، وقدوةً يستلهم منها الناسُ معاني الخيرِ والكرامة.

وما أحوجَ عالمَ اليوم إلى استلهامِ أخلاقِ النبيِّ محمدٍ ﷺ؛ أخلاقِ الرحمةِ والعدلِ والصدقِ والتسامحِ والإحسان، فهي السبيلُ إلى بناءِ مجتمعٍ تسوده المحبةُ، وتعلو فيه قيمُ الإنسانية، وتترسخ فيه معاني التعايشِ والاحترام.

صلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، الذي أتمَّ اللهُ به مكارمَ الأخلاق، وجعل سيرتَه نورًا خالدًا يهتدي به المؤمنون إلى يوم الدين.