في نقد الأنانية الوجودية والتكافل المفقود

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات وعضو المجلس العالمي
للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان

بينما كنت أتأمل تفاصيل الصباح من نافذة بيتي الدافئ، حيث تتطاير رائحة القهوة في أركان المكان، كانت شاشة التلفاز مفتوحة كعادتها لتتابع نبض المآسي وأخبار الوطن والمنطقة عن كثب، لتقذف فجأةً في وجه السكينة وجوهاً لعائلات بأكملها، ولأناس من كل الأعمار قد حفرت ملامح الجوع والوجع على وجوههم أخاديد باكرة قبل أوانها. لحظتها، تملّكني شعور ثقيل بالخزي الوجودي؛ كيف يطيب لنا العيش على حافة النعيم بينما يُقذف آخرون في قاع جحيم صنعه طمع البشر؟

وأمام هذا الوجع المباغت، امتدت بي الذاكرة إلى جدتي لطيفة خانم،) كما كان لقبها( التي طالما شاهدتها تُشيح بوجهها حانقةً عن شاشة التلفاز ذاتها كلما عصفت بالأسى تلك المشاهد، حتى كشفت لي خالتي أمل يوماً السرّ المكبوت: إن وقع الظلم وبطش الألم كان يرفع ضغط دمها المنكسر طوعاً حين تدرك أن يديها مقيدتان عن إيقاف هذا الجنون ووضع حدٍّ له. وحين استحضرت صورتها، خطر لي فجأة أنني على الأرجح قد ورثت عنها هذا الغضب الداخلي العارم، وتلك الثورة الدفينة ضد كل صنوف البغي والاستبداد. فجدتي لطيفة وخالتي أمل تظلان تعيشان في داخلي كل يوم، وتؤطر اسماهما تفاصيل وجودنا اليومي، متمسكتين بروح اللطف والأمل..

حين ينام العالم على تخم الترف بينما يقتات آخرون على فتات الحصار، لا يعود الأمر مجرد تفاوت عابر، بل إعلاناً لسقوط القيم الإنسانية المشتركة.إن الكوكب اليوم يعجّ بانقسامات جذرية تغذيها شهوة المال والطمع الجارف، كاشفةً عن هوة وجودية سحيقة بين ميسوري الحال والمنسيين على أطراف الأرض، وهو تباعد لا يُعد قدراً محتوماً، بل فشلاً أخلاقياً مُدبّراً يهدد عقدنا العالمي بأسره. وحين نزن الكلمات بدقة المفكّر، ندرك أن هذا التصدع لا ينبع من فوارق روحية أو عقائدية، بل يرتكز كلياً على جشع مادي أعمى دفعنا للتخلي عن أبسط قواعد المصير المشترك. من هنا، تصبح إعادة التقييم الفلسفية فريضة لا غنى عنها لانتشال فعل المساعدة من استعلاء الصدقة الاختيارية إلى حتمية التكافل الواجب. وكما أرسى الفيلسوف جون رولز —أبرز أعلام الفلسفة السياسية والأخلاقية في القرن العشرين، وصاحب كتاب “نظرية العدالة” الذي أعاد صياغة مفاهيم العدالة الاجتماعية— قواعد الإنصاف الصارمة من خلال تجربة “حجاب الجهل” الفكرية التي يفترض فيها الأفراد مجتمعين لتصميم مجتمعٍ عادل وهم يجهلون مواقعهم أو طبقاتهم أو حتى مواهبهم، مما يحتم عليهم اختيار قواعد منصفة تحمي الأضعف والمهمش خوفاً من أن يكونوا هم الضحية، فإن إدراكنا بأن حظوظنا الأولية في الجغرافيا والمواهب ليست سوى مصادفات اعتباطية أخلاقياً، يطوق أعناقنا بمسؤولية حتمية لإعادة بناء مجتمعاتنا كمنظومة أخلاقية متكاملة يتشارك فيها البشر مصيرهم الواحد بكل آلامه وآماله دون تجزئة. مع كل يوم يمضي، تتسع الهوة الاقتصادية، وتتضخم معها الهوة الأخلاقية التي أجرؤ على القول إنها تنمو نمواً أُسّياً متسارعاً؛ مما يجعل تأمل هذه الكارثة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وفي مواجهة هذا الوهم الفردي، طالما سعت الفلسفة السياسية لتصحيح المسار؛ فقد تصدى الفيلسوف جون رولز لهذه الأنانية الممنهجة من خلال “مبدأ الاختلاف” ، الذي يوجب أخلاقياً هيكلة أي تفاضل مادي أو اجتماعي بحيث يضمن حصراً تعظيم مصلحة الفئات الأكثر هشاشة وضعفاً في المجتمع.

في نقد الأنانية الهيكلية:

ما المحرّك الأساسي للاستبداد والانقسام العالمي؟ حين نتجاوز القراءات السطحية التي تقف عند حدود التحليل الاقتصادي والسياسي المجرد —من تركيز مفرط للثروة واستحواذ نخبة ضئيلة على مقدرات الكوكب— نجد أنفسنا مدفوعين نحو تفكيك الجذور الأنطولوجية والأنثروبولوجية الأعمق لهذه الأزمة المعاصرة. إن ما نشهده اليوم من طغيان للاستبداد ليس سوى عرضٍ مرضي لانسلاخ الإنسان المعاصر عن غائيته الكبرى واختزاله القسري إلى كائن استهلاكي داروني تدفعه غرائز البقاء والتنافس العبثي.

تكمن العلّة الحقيقية في نزعة الاستحواذ والتأليه المزيف للذات، حيث تحاول النخبة المهيمنة تعويض هشاشة وجودها البشري وزواله بتراكم مادي محموم. ويضاف إلى ذلك “موت الضمير الجمعي” وتفكك الأنطولوجيا التضامنية، وهما عاملان أسسا لتحول “الآخر” من شريك في الإنسانية إلى منافس مجهول أو رقم مهمل في معادلات الإنتاج. هذا التراكم الجشع يغتذي ويستمر عبر محركين أساسيين؛ أولهما الفساد الهيكلي بوصفه سبباً ونتيجة لعدم المساواة، حيث يمنح رأس المال الفاحش النخب القدرة المطلقة على هندسة السياسات العامة، وتوجيه التشريعات، والتهرب الضريبي، مما يحاصر الطبقات المهمشة والأقل حظاً في حلقات مفرغة ودائمة من الفقر والهيكلية الهشة. وثانيهما الفرادية المفرطة ، وهي الأيديولوجيا التي تقوّض أواصر التضامن الاجتماعي عبر الترويج للوهم القائل بأن النجاح والثروة هما ثمرة جهد فردي بحت ومطلق، متجاهلة تماماً شبكات الدعم البنيوية ومستبعدة أي التزام أخلاقي تجاه الجماعة.

أخلاق المصير المشترك:

في مقابل هذه الأنانية العالمية قصيرة النظر )التي تتبنى منطق التبلد القائل بأن ما لا يمسُّني شخصياً لا يعنيني ( يقدم لنا التراث الإسلامي والتاريخ النبوي ترياقاً تأسيسياً فريداً عبر مأسسة التكافل وتحويله من مجرد شعور عاطفي عابر إلى نظام حياة محكم وبنية تشريعية ملزمة. فلم تكن “الزكاة” في صدر الإسلام ضريبة مالية عابرة، بل كانت حقّاً معلوماً أوجبه الله تعالى للفقير في مال الغني، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الذاريات: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.

لقد حارب الإسلام بشدة ثقافة الاكتناز التي تقيد حركة المال وتحبسه عن غايته الإنسانية الكبرى، مصوراً ذلك بصيغة تحذير قرآنية صارمة في سورة التوبة: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

بل إن الحكمة التشريعية الكبرى من تداول المال قُصد بها قطع دابر الاحتكار الطبقي والحيلولة دون تمركز الثروة في يد دون أخرى، كما تجلى بوضوح في محكم التنزيل بسورة الحشر:كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ.

بهذا المعنى الواعي، يفقد الازدهار المادي في المنظور الإسلامي مشروعيته الأخلاقية والوجودية فور إقصائه للمهمشين والضعفاء، ليغدو المال وسيلةً لتحرير الإنسان لا أداةً لإستعباده أو تهميشه.

ويتجسد التكافل في الإسلام بمنظومة متكاملة تبدأ من محيط الدار لتتسع فتغمر الإنسانية جمعاء؛ فحين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظن الصحابة أنه سيورثه، لم يكن يستهدف الجوار الجغرافي فحسب، بل أراد بناء شبكة أمان اجتماعي لا تعرف العزلة، مؤكداً بقوله: «ما زال جبريل يوصيـني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». وقد تجسد هذا المعنى بأبهى صوره في تضحيات الأنصار الذين استقبلوا المهاجرين وقاسموهم الديار والأموال مصداقاً لقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، مقتفين أثر الإيثار الذي تمثل في مقاسمة سعد بن الربيع ماله مع عبد الرحمن بن عوف قبل أن يرتكن الأخير إلى كده وعرقه في السوق.

ولا تقف هذه الروح عند حدود الفرد، بل تمتد لتشكل التزاماً مؤسسياً ومسؤولية حكم عليا، تتجلى في حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه على تفقد المحتاجين وحمل وزر الرعية حين بكى لقصة المرأة التي تطحن الحجارة لأطفالها الجياع، وفي إقدام أبي بكر الصديق على إنفاق ماله لتحرير المستضعفين، وصرخة أبي ذر الغفاري في وجه تكديس الثروات، وموقف علي بن أبي طالب وأهل بيته في إيثار المسكين واليتيم والأسرى رغم خصاصتهم.

هذا التناغم بين الوجدان الفردي والعدل المؤسسي وجد ذروته التطبيقية في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، الذي أعاد لبيت المال وجهته الحقّة حين بدأ بنفسه وأهل بيته فردّ ما استأثر به الأمراء، مؤسساً لنموذج رعاية شاملة صار مناديه يجوب الطرقات بحثاً عن الغارمين والفقراء فلا يجد محتاجاً لتمام الاكتفاء وعزة العيش. من هنا، ندرك أن النموذج الإسلامي لم يكن يرتضي يوماً بوجود جائع ومرابٍ في آنٍ واحد، معتبراً أن الأمن الاقتصادي للجميع ركن مكين للإيمان والعدالة، ومتجاوزاً عتبة الأنانية العالمية وقصور النظر الذي يغذي أزمات البشرية واضطراباتها.

أين لنا اليوم بذلك الحاكم الذي لا يبتغي السلطة طمعاً في مالٍ أو نفوذ، بل يهرب منها رهبةً من ثقل الأمانة، ومخافةً من أن يُحاسب على كل عثرة وظلم تحت عين السماء؟

تتجلى الواجبات الأخلاقية بأقسى صورها الحارقة حين نلتفت إلى المآسي المعاصرة في المناطق التي مزّقتها الكوارث المصنوعة بشرياً، ولا سيما في غزة، وسوريا، والسودان، واليمن. ففي أتون هذه الصراعات، لا تنتج المعاناة صدفةً، بل هي ثمرة مباشرة لعنف ممنهج وفشل للدولة وغياب تام للعدالة الدولية. فبينما يشهد السودان أسوأ أزمات النزوح والمجاعة، ويعاني أهلنا في غزة وسوريا من تدمير البنية التحتية ونقص الإمدادات الحيوية، تقف المنظومة الدولية عاجزة، مقيدة بحسابات سياسية باردة ومصالح اقتصادية ضيقة. إن شحّ الدعم المؤسسي وضعف الاستجابة الإنسانية وعدم كفاية تدفق التبرعات الشخصية يكشفان بوضوح عن إفلاس أخلافي عالمي يرفض تجميع الموارد أو تخفيف الأكدار عن شعوب لم تذنب سوى أنها وُلدت في جغرافية الدمار والصراع والفقر.

هذا الرفض العالمي لمشاركة المصير الإنساني يمثّل ارتداداً خطيراً نحو همجية البقاء للأقوى، ويستدعي صحوة ضمير عاجلة لا تحتمل التسويف؛ لا سيما في ظل تفاقم الأزمات بفعل تأثيرات وسائط التواصل الاجتماعي السطحية التي تغسل أدمغة الشباب وتبعدهم عن قيمنا الثقافية الأصيلة. ولا يقتصر هذا الخلل على الفضاء الرقمي وحده، بل يتغذى على غياب المناهج المدنية الرصينة، وتراجع التربية الدينية الحية في المدارس والبيوت، فضلاً عن الخطاب الديني المعتلي منابر المساجد والكنائس الذي يبدو، للأسف الشديد، غارقاً في غيبوبة تامة وكأنه منفصل عن هذه القيم الإنسانية العميقة. كل هذا يفرض علينا ضرورة حتمية لتعزيز مبادئ المصير المشترك والمساءلة تجاه المهمشين وحقوق الجار في كل زاوية من حياتنا اليومية، لتفكيك جدران الفساد والأنانية وقصر النظر.

إن معالجة هذه الأزمة الوجودية الكبرى لا تنطج من إصلاحات سياسية عابرة أو ترقيعات مؤسسية سطحية، بل تستوجب ثورة فكرية وأنثروبولوجية عميقة تعيد هندسة سلم القيم وتحرير العقل الجمعي من أسر الاستلاب المعاصر. إن الأجيال الناشئة تتعرض اليوم لتيارات جارفة من الفرادية الرقمية والسطحية الاستهلاكية التي تُفرغ الوجود من أبعاده التضامنية، وتغيب عنها معاني الأصالة التاريخية والالتزام الأخلاقي الكوني.

لذا، فإننا ملزمون بتحويل مفهوم “المصير المشترك” من شعار مجرد إلى ممارسة أنطولوجية راسخة، وغرس قيم حق الجار العالمي والمسؤولية التضامنية في جذور مناهجنا التعليمية وبنياننا الثقافي والمدني. وحين نجعل من الضرورة الأخلاقية للمصير الإنساني المبدأ المحوري لهويتنا، تتهاوى جدران الفساد الهيكلي ليقوم على أنقاضها عالم محكوم بالعدالة الحقة.

وحين نواجه ذواتنا بصدقٍ قاسٍ ومجرد من الأقنعة، تبرز الأسئلة الوجودية الوجعاء بلا مناورة: كيف يطيب لنا المنام على سريرٍ دافئ وآمن، وكيف نستلذ بنعمنا وطعامنا، بينما إخواننا في الإنسانية ضحايا جوعٍ مدبّر وعنف هيكلي صامت؟ إن الترديد المتواصل لعبارات الشكر لا تحمله إلى مرتبة القيمة الأخلاقية الحية إلا ثورة دؤوبة لرفض الظلم ومواساة المحرومين، مصداقاً لقوله تعالى في حثّنا على اقتحام العقبة الأخلاقية الكبرى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. وحين يتهاوى كل منطق انعزالي، يرتفع السؤال القاطع الذي لا يحتمل أنصاف الحلول: ما القيمة الحقيقية لأي نجاح فردي، أو أي رفاهية شخصية، إذا كنا نتشارك كوكباً واحداً، ونأبى أن نتشارك مصيرنا كبشر؟