تحريف مقدمة كتاب (عقيدة السلف أصحاب الحديث)

المقال السادس من سلسلة (تحريفات الوهابية وتزاويرهم)

من كتاب (كشف الخفا عن عبث الوهابية بكتب العلماء) للعلامة / على مقداد الحاتمى

اعداد أ / سيد حسن الأزهرى

ألف الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إِبْرَاهِيم ابن عامر بن عَابِد شيخ الْإِسْلَام أَبو عُثْمَانَ الصَّابُونِي الأَشْعَرِي عَلى طَريقَة أهل الحديث الفقيه المحدث المفسّر الخطيب الْوَاعِظ المشهور كتابه عقيدة (السلف أصحاب الحديث)، فطبع الكتاب بتحقيق المدعـــو عبـد الله السبت، وصدر الكتاب عن الدار السَّلفيَّة بالكويت سنة (١٣٩٧هـ): قال في المقدمة: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وَسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام وزيارة مسجد نبيه محمد صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين، ونهوا عما يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين…».

هذا هو ما جاء في متن الكتاب… (وزيارة مسجد نبيه)، وفي الهامش علق المحقق !! فقال: في الأصل قبره وهو خطأ، لأن المشروع السفر بقصد زيارة مسجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا قبره، لأنَّه ثبت عنه عليه السلام أنه قال: «لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» رواه الشيخان وغيرهما، هذا مع العلم أن قبره عليه السلام الآن في مسجده، ولا مانع لمن يزور مسجده (ص) [ هكذا] مــن زيارة قبره تبعاً لذلك…».

فالمحقق !! لم يرض بما قاله الإمام الصَّابوني، فغيّر وحرف كلمة (قبره) لتصبح (مسجده) !!! وهذا عبث وتزوير مفضوح، إذ كان الأولى به أن يُبقي الأصل على ما هو عليه ويعلق على كلام الإمام وشيخ الإسلام الصابوني في الهامش بما يُريد…

ولما اكتشف الناصحون المخلصون التحريف والتزوير المتعمد من قبل المحقق !! قامت الدار السلفية بإعادة نشر الكتاب بتحقيق المدعو بدر البدر حيث قام بإعادة الأمر إلى نصابه، فأثبت كلمة «قبر» بدلاً من كلمة: “مسجد” التي حرَّفها المدعو عبد الله السبت… وذلك سنة ١٤٠٤هـ ، فأصبحت العبارة كالآتي: «فإنّي لما وردت آمد طبرستان وبلاد جیلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين الذين استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف والصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين، ونهوا عما يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين…..

لكن المحقق بدر البدر غلط في اسم كاتب العقيدة، فقال: «تأليف شيخ الإسلام الإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني» !!! فالظاهر أنَّ المحقق كان في عجلة من أمره…

كما طبع الكتاب بتحقيق المدعو أبو خالد مجــدي بـن ســعـد، وقد أبــدل كلمة (قبر) بكلمة (مسجد) ولم يُشير في الهامش إلى أن الأصل بخلاف ذلك كما فعل المدعو عبد الله السبت، بل أجرى الكلام على ما هو عليه ليوهم القارئ أن الأصل هو ما أثبت ( 1 )…

قلت: وهذا هو ديدن من يدعون السلفية الذين جعلوا من السلف الصالح شماعة علقوا عليها ما يريدون من عقائد وأفكار، مع كونها لا تمت بأدنى صلة للسلف الصالح رضوان الله عليهم….

فالناظر في مسيرة أتباع محمد بن عبد الوهاب يجزم بأن القوم عندهم ضغينة للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك منعوا التوسل بالرسول صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم… ويبدو هذا واضحاً في كل مسألة تتعلق بــه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ…

فقد زعم محمد بن عبد الوهاب أنَّ الاعتقاد في الصالحين: توسلاً، وتبركاً، عبادة للأصنام، من فعله كفر ، وتبرأ منه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! ( 2 ).

ولذلك سمُّوا كل متوسل به بالصَّنم ، حتى تطاول أشــقـاهـم عــلـى مقــام سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمَّى قبره بالصنم، فقد كتب المدعو: عبد العزيز بن يحيى البرعي اليمني كتاباً سماه: «قــوارع الأسـنة في الرد على أعداء السنة»، قال فيه تحت عنوان: «عُباد الأصنام : إن عبادة الأصنام في زماننا كثيرة… ومن تلك الأصنام قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ( 3 ) .

فالبرعي في كلامه هذا يُسمِّي قبر الحبيب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصَّنم وهذا كلام خطير يُخشى على صاحبه أن يقع في دائرة….

وقال محمد ناصر الدين الألباني (١٤٢٠هـ) وهو يتكلم عن المسجد النبوي: …. قلت: وكما يؤسف له أنَّ هذا البناء قد بني عليه منذ قرون إن لم يكن قد أزيل تلك القبة الخضراء العالية وأحيــط الـقــبر الشريف بالنوافذ النُّحاسية والزخارف والسجف وغير ذلك مما لا يرضاه صاحب القبر نفسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل قد رأيت حين زرت المسجد النبوي الكريم وتشرفت بالسلام على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة ١٣٦٨ هـ ، رأيت في أسفل حائط القبر الشمالي محراباً صغيراً، ووراءه سدّة مرتفعة عن أرض المسجد قليلاً، إشارة إلى أن هذا المكان خاص للصَّلاة وراء القبر، فعجبت حينئذ كيف ظلت هذه الظاهرة الوثنية !!! قائمة في عهد دولة التوحيد… (4).

فبناء على ما قاله الألباني، فإن الأمة ظلت حامية للوثنيـة قـرونـاً عديــدة حتى جاء هذا (السَّاعاتي) المنقذ لها من شر براثن الوثنية التي تعيش فيها، فهل يجوز وصف الأمة بالضَّلال والشرك ؟ ثم كيف سكت السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على المظاهر الشركية التي قـال بـهـا مـن يدعون السلفية زوراً وعدوانــا وانــا وبهتانــاً…

كيف سكت السلف الصالحُ عن وجود القبر الشريف داخل المسجد ؟ أليس عمر بن عبد العزيز هو من قام بتوسعة المسجد وضم القبر إليه ؟!!!

أما كلام البرعي فيحمل في طياته منتهـى قلة الحياء وقلة الأدب مع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أننا لم نر ولم نسمع عن أحد من العالمين أنـه عبـد القبر الشريف، وهذا مصداق حديث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اللهم لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنَا يُعْبَدُ” (5).

وقد استجاب الله تعالى لدعاء الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يجعله وثناً يُعبد من دون الله تعالى، بالرغم من زيارة مئات الملايين لقبره عليه الصلاة والسلام، تلك الزيارة التي اعتبرها ابن تيمية ومعه من يدعون السلفية معصية لا تقصر فيها الصَّلاة، ومع ذلك فلم يلتفت أحد لفتواهــم بــل لسائر فتاويهم، وتهافت الناس لزيارة قبره الشريف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تهافت المحب للقيا الحبيب أو كتهافت الظمآن على الماء، ولسان الحال يقول:

أمر على الديـــــــــــار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديــــار شـغفن قلبـي ولكن حب من سكن الديـارا

فما قبله هو ولا غيره إلا لأنَّ الحبيب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبله، ولم نسمع أن أحداً عَبَدَ الحجر الأسود أو مقام إبراهيم…

________________________

(۱) انظر تفاصيل هذا التحريف في منتديات روض الرياحين ، مقال بعنوان: تزوير في العقيدة المنسوبة للإمام الصابوني.

(۲) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1 /78 ).

(3) انظر: قوارع الأسنة في الرد على أعداء السنة (ص ۲۸).

(4) انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص ٦٨).

(5) أخرجه مالك في الموطأ، (٢ / ٢٤٠ برقم ٥٩٣).