الهجرة النبوية الشريفةمدرسة الصبر والتضحية والثبات
16 يونيو، 2026
منبر الدعاة

بقلم: أ. مصطفى أحمد مصطفى
إن الهجرة من بلدٍ إلى بلدٍ تُعدُّ من أصعب ما قد يمرُّ به الإنسان؛ فأن تترك وطنًا وُلدت فيه، وتربيت على أرضه، وعملت بين أهله، وتزوجت فيه، وعاشت فيه ذكرياتك وأحلامك، لهو أمرٌ بالغ المشقة على النفس.
ولقد مرَّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الابتلاء العظيم، فقد وُلد في مكة المكرمة، ونشأ بين أهلها، وعُرف بينهم بالصادق الأمين لما اتصف به من صدقٍ وأمانةٍ وحسن خلق. ولكن بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، وبدأ يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، تغيَّرت مواقف كثيرٍ من أهل وطنه وأقاربه وبعض أصحابه، فتحولت المحبة عند بعضهم إلى بغضٍ وحقدٍ وعداوة، بل وصل الأمر إلى إيذائه ومحاولة إخراجه من وطنه الذي أحبَّه وأحبَّ أهله.
وقد تعرَّض النبي صلى الله عليه وسلم لألوانٍ كثيرة من الأذى والسخرية والافتراءات، حتى إنه لما ذهب إلى الطائف يدعو أهلها إلى الإسلام قابلوه بالإساءة والأذى. ومع ذلك صبر واحتسب، ولم يتخلَّ عن دعوته.
وعندما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، أسرع إلى السيدة خديجة رضي الله عنها، ثم إلى أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ثم أخذ يدعو الناس إلى الإسلام. لكن أهل مكة لم يستقبلوا دعوته بالتصديق كما كان ينبغي، بل وصفوه بالساحر والمجنون، ورموه بالاتهامات الكاذبة.
ولما اشتد الأذى بالمؤمنين، وأصبح بقاؤهم في مكة خطرًا على دينهم وأنفسهم، أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، التي كانت تُعرف قديمًا باسم يثرب. وهناك استقبلهم الأنصار بكل حفاوةٍ وترحاب وفرحٍ وسرور، وأظهروا أروع صور المحبة والإيثار، فبنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وقامت الدولة الإسلامية على أسسٍ من الإيمان والأخوة والعدل.
ومن أعظم الدروس التي نتعلمها من الهجرة النبوية الصبر على البلاء، والثبات على الحق، والأخذ بالأسباب مع حسن التوكل على الله تعالى. كما تعلمنا أهمية اختيار الصديق الصالح، فقد ضرب سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أروع الأمثلة في التضحية والفداء، حتى إنه كان مستعدًا أن يجعل حياته في خطرٍ من أجل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتعلمنا الهجرة كذلك أن يكون للإنسان هدفٌ يسعى إليه، وأن يبتعد عن الكسل والتراخي، وأن يهاجر بقلبه وجوارحه عن كل ما نهى الله تعالى عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم. كما تعلمنا المحافظة على الدين الذي ضحى من أجله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فتعرضوا للأذى، وأُخرجوا من ديارهم، وتركوا أموالهم وممتلكاتهم ابتغاء مرضاة الله ونصرةً لدينه.
ولهذا فإن ذكرى الهجرة النبوية ليست ذكرى عابرة تمر كل عام دون فائدة، بل هي مدرسة عظيمة مليئة بالدروس والعبر التي يحتاجها المسلم في كل زمان ومكان. فالهجرة تعلمنا الصبر والرضا بقضاء الله، والثقة بنصره، وعدم الاستعجال، والأخذ بالأسباب مع التوكل عليه سبحانه وتعالى.
وقد بلغ من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما طُلب منه أن يدعو على المشركين، قال: «عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده»، فكان كما قال، وانتشر الإسلام في ربوع الأرض، ووصل إلينا نور الهداية بفضل صبره وثباته وجهاده صلى الله عليه وسلم.
إن الهجرة النبوية الشريفة كانت من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، ومن تأمل أحداثها تعلم الصبر والثبات والتضحية واليقين بنصر الله، وعلم أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن مع العسر يسرًا، وأن من كان مع الله فلن يضيعه الله أبدًا.