إدمان الهواتف الذكية.. اغتراب الإنسان في زمن الاتصال

بقلم الدكتور : نعيم شرف العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر الشريف

الإدمان المفرط للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي أصبح ظاهرة خطيرة تهدد الأفراد والأسر والمجتمعات العربية والإسلامية، وخاصة الفئات الصغيرة التي تجمع الأطفال والمراهقين والشباب من الجنسين، حيث يتنامى لديهم الإحساس بالانفصال عن الواقع، وهو ما يصطلح عليه بالاغتراب النفسي والاجتماعي؛ إذ يعيشون أهم مراحل حياتهم في قلق، وتوتر، ووهم، وعزلة إنسانية، واضطرابات نفسية، وهروب من الواقع المعيشي، وانقطاع عن التفاعلات الأسرية، والاجتماعية، وتبني القيم والأفكار، والممارسات التي تتصادم مع هوية المجتمع وقيمه، وأعرافه، فضلا عن مشاكل جمة في الصحة الجسدية، والعقلية، وفقدان الهوية الشخصية، فهم يعيشون في عالم افتراضي يغلفه الملل، ويشعرون أو يخيل إليهم أن هذا هو العالَم المثالي، أو المدينة الحالمة الفاضلة التي تتسم بالكمال، وهذا -لا ريب- يؤدي قطعا إلى استلاب الفكر، وفقدان دفء العلاقات والروابط الأسرية، وضياع الهوية الأصيلة للنشء، وانسلاخ الشباب عن قيم الآباء والأجداد، وتكون عاقبة هذا الاغتراب الاجتماعي، والثقافي، والانقطاع التام عن تراث الأمة، وقيمها التاريخية.

نعم، يجب الاعتراف بأن مصالح الأفراد، والجماعات، والشعوب لا تتحقق إلا عن طريق التواصل الاجتماعي، وأن التواصل بين البشر هو دعوة من الله تعالى لكل الناس؛ حيث قال الله جَلَّ في عُلاه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ صدق الله العظيم.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتواصل مع الملوك، والأمراء، والجبابرة؛ كالمقوقس حاكم مصر، وكسرى ملك فارس، والنجاشي في الحبشة، وهرقل عظيم الروم، وغيرهم؛ ليدعوهم إلى الإسلام، فالتواصل بين الناس مبدأ إسلامي دعا إليه رب العزة، ورسوله الأمين.

لكن في القرن الأخير الحادي والعشرين ظهرت تطورات هائلة في الثورة المعرفية والتکنولوجية، وغدت مواقع شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف برامجها ضرورة ملحة لا غنى عنها، وشهدت تطورات تقنية متقدمة مكنت الواقع الافتراضي التّقريبيّ من تجاوز كل الحدود الأداتية، وغدا استخدامها حول العالم يتجاوز الثلاثة مليار إنسان، وهذه- لا ريب- نعمة عظيمة، أنعم الله تعالى بها علينا؛ إذ أحدثت ثورة تقنية هائلة، وعولمة فكرية ضخمة، استطاعت أن تؤثر في حياة الإنسان في مختلف النواحي الدينية والسياسية والفكرية والاجتماعية.. وما إلى ذلك.

لكن يجب أن نضع نصب أعيننا أن دخول هذا العالم الافتراضي في تعاملاتنا الإنسانية، والاجتماعية، وكافة شئون حياتنا قد ألقى بظلاله النفسية، والاجتماعية، وتضخم بحيث احتوى سبل حياة الفرد، والمجتمع في العالم بأثره، وبات انتشار تلك التكنولوجيا التي يتم استخدامها عبر شبكة الإنترنت العالمية، باستخدام الكمبيوتر، أو الأجهزة اللوحية، أو الهواتف الذكية.. تتعدد معه الفوائد الجادة، وأيضا وسائل الترفيه، والمتعة؛ ومن أهم الفوائد: إبداء الرأي، وسماع الرأي الآخر، وتكوين أصدقاء جدد، وسرعة وصول الأخبار العاجلة، وتطوير التعليم، وتعدد مصادر التعلم، والمعرفة، وزيادة الوعي، ونقل العلم، والتجارب الشخصية إلى الآخرين في سهولة، ويسر، وكشف الفساد، والظلم، ومختلف أنواع الانتهاكات في حينها، والتواصل مع الآخرين مع اختلاف لغاتهم، ودينهم، وأجناسهم، وثقافتهم، وبلدانهم، ومن ثم ينمو الفكر، والمحصول الديني، واللغوي، والثقافي.

وعلى الصعيد الآخر فإنه من غير الممكن أن نتجاهل تأثير ذلك على المستويين المعرفي والوجودي؛ فلم يعد هذا العالم الفضائي يعترف بالحدود المكانية والزمانية، وصار سوء النية في استخدام برامج التواصل الاجتماعي يؤدي حتما إلى سلبيات اجتماعية، وأضرار جمة؛ أهمها، ما ينتج عن مشاهدة المواد الإباحية من انفلات الأخلاق، والتفكك الأسري، ونشر الدعارة، والرزيلة حتى بين المجتمعات المحافظة، وضياع الوقت فيما لا يفيد، وتشتيت الذهن، وبث الإشاعات والتحريض، وزرع الفتنة والبلبلة بين الناس.

ومن الأضرار الناجمة عن سوء الاستخدام أيضا تلك الأمراض، والآثار السلبية التي تقع على الشخص بسبب الاستخدام المفرط، وطول المكث، وتفشي النظر أمام الأجهزة، والشاشات، وخاصة في الظلام؛ إذ يؤثر ذلك الإشعاع الضوئي على العين وعدم الراحة أثناء ساعات النوم، والشعور العام بالكسل، والإجهاد، والضعف الجسدي، وارتفاع الضغط، وزيادة الاكتئاب، والقلق، والتوتر.

وأما الأطفال المفرطون في استعمال تلك الأجهزة الحديثة، فلقد ظلمناهم، بأن وضعنا بين أيديهم أجهزة ساحرة فتاكة، قبل أن يفهموا الفرق بين الجيد والرديء، وقبل أن يحفظوا آية من كتاب الله تعالى، ويعرفوا حديثا واحدا من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فسرقت الهواتف الأولاد من بين أحضان آبائهم، وأمهاتهم، وزرعتهم بين أحضان المجهول في هذا العالم الإلكتروني الافتراضي، المحفوف بالفساد، وكثير من المخاطر، ومن ثَمَّ يصاب أكثرهم بالخمول، وفقد التركيز، وضعف الفكر، والبدانة، والإصابة بالعزلة والتوحد، وضَعف الجهاز المناعي..

لذلك أدعو الباحثين لدراسة التـأثیرات الفكریـة والاجتماعية والنفسية والاقتصادية لمواقـع التواصـل الاجتمـاعي، وأدعو السادة القراء الى الحرص على تحقيق التوازن المطلوب بين ما يقع في وسائل التواصل التكنولوجي الاجتماعي وبين الحياة الواقعية التي نعيشها انطلاقا من مبادئ ديننا، وحياتنا، وقيمنا الاجتماعية الأصيلة، كما لا ينبغي أن ننشغل ببرامج التواصل الاجتماعي إلا عن طريق المباحات، التي تحقق الفائدة للفرد، والمجتمع، تستوي في ذلك وسائل الصور، والمدونات، ومقاطع الفيديو العلمية، واللطائف، والطرائف، والوثائق التاريخية، والمحادثات بين الرجال، وحتى بين الجنسين، لكنها في هذه الحالة الأخيرة لا تجوز إلا إذا خلت من الفتنة، وكانت في سبيل تحقيق أغراض مشروعة، وبقدر الحاجة فحسب، والله تعالى من وراء القصد والنية.