
بقلم أ بسمه القفاص الواعظه بوزارة الاوقاف المصرية
في معترك الحياة اليومية المتسارعة، يجرنا قطار الوقت بين العمل والالتزامات، ونغرق في تفاصيل السعي وراء الرزق وتأمين المستقبل. وخلال هذه الرحلة الشاقة ليل نهار نمتلك أثمن الكنوز دون أن نشعر بقيمتها الحقيقية، ولا ندرك فداحة خسارتها إلا بعد فوات الأوان. وقد لخص لنا النبي (ص) هذه الحقيقة الإنسانية الخالدة في جوامع كلمه حين قال: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” (رواه البخاري).
والغبن لغة هو الخسران في البيع والشراء، وكأن الإنسان تاجر يملك رأس مال ضخماً لكنه يبيعه بأبخس الأثمان ليجد نفسه في النهاية مفلساً. فرأس المال الأغلى هو الصحة، فهي التاج الذي يزين رؤوس الأصحاء ولا يراه إلا المرضى، هي القوة الكامنة التي تتيح للإنسان العبادة والعمل والاستمتاع بالحياة ومساعدة الآخرين. ولكن الأزمة الكبرى في نعمة الصحة هي “الاعتياد”؛ فما دام الجسم يعمل بكفاءة والقلب ينبض بانتظام، نعتبر ذلك أمراً بديهياً ومضموناً، ولكنا لا ندرك هذه النعمة إلا بعد عارض صحي فتوقف الجسم فجاة عن العمل وشعر بضياع الصحه التي إذا ذهبت عسر استردادها وتوقفت معها عجلة الإنتاج والعبادة.
هنا وللحظه يدرك الانسان مدى ضعفه حين تتوقف عجلة انتاجه وانه لايملك من نفسه شئ ففى لحظه تنقلب الموازين وتتبدل الاحوال وهو حال الدنيا صحه بعد مرض وتعب بعده راحه فى هذه اللحظات يتقرب الانسان من ربه ويسمع صوت قلبه وهو يناجى صانعه وخالقه يطلب منه النجاه ويتوه الفكر فى بديع صنع الله عزوجل حين يتوقف الانسان فجأه لعارض تتوقف معه ابداعاته
حينها يرجع لربه ويدرك معنى” لا حول ولا قوة لى الابك “
فبك نحول وبك نصول وبك نجول
ويتذكر دعاء النبى الدائم ليل نهار
“اللهم انى اسالك العفو والعافيه” بل تمام العفو والعافيه.
حين يتعطل جزء من جزء فى جسد الانسان يدرك انه يعبد ربنا حكيما قادرا فيرجع اليه ويطلب منه النجاه فهو الصانع الحكيم فاللهم الصحه والعافيه
الصحة أمانة استودعها الله عندنا
، وهي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعم،
ففي الحديث: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه” فلنغتنم الصحه قبل المرض والشباب قبل الهرم…
أما عن الفراغ فهو الوعاء،
فإذا كانت الصحة هي طاقة الجد فإن الفراغ “الوقت الفائض” هو الوعاء الذي يُصب فيه هذه الطاقة. الفراغ ليس مجرد “وقت ميت” يجب قتله، بل هو المساحة الزمنية الحرة التي يمكن للإنسان أن يصنع فيها مجده الدنيوي والأخروي. فالإنسان يعيش في عصر المشتتات، يُمضي ساعات طوال تضيع في تصفح بلا هدف وتتبع أخبار لا تنفع، والنتيجة هي تبخر العمر دون إنجاز يُذكر. فالفراغ هو سلاح ذو حدين،لأن نفسك إن لم تشغلها بالحق والعمل النافع شغلتك بالباطل، والملل والفراغ غير المستغل هو البيئة الخصبة للأفكار السلبية والاكتئاب والانحراف.
ولكن هنا التساؤل: كيف ننجو من الغبن؟ الخروج من دائرة الخاسرين والمغبونين
يتطلب وعياً واستراتيجية واضحة لإدارة هاتين النعمتين. فالصحة نستثمرها بالحفاظ عليها وتوظيف القوة البدنية في الطاعات والعمل الصالح وكسب الرزق الحلال.
والفراغ بالتخطيط اليومي وتخصيص أوقات لتطوير الذات بالقراءة أو تعلم مهارة جديدة والتقرب إلى الله والترويح عن النفس بحدود المعقول.
وفي الأخير، الصحة والفراغ هما بمثابة القوة والفرصة، وإذا اجتمعا معاً ولم يصنع الإنسان شيئاً فذلك هو العجز الحقيقي والخسارة الفادحة. فالحياة قصيرة والأيام تمر سراعاً، والسعيد من تنبه لعظم ما يملك قبل أن يزول، فجعل من صحته وفراغه جسراً يعبر به نحو النجاح في الدنيا والرفعة في الآخرة، لأنه لن توجد لحظة مثالية في المستقبل لتبدأ، بل اللحظة المثالية هي “الآن” وأنت بكامل صحتك وعافيتك ولديك متسع من الوقت.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف