السلام والتحية
6 يونيو، 2026
منبر الدعاة

بقلم / الدكتور : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
يشتكي ويقول: فلان مَرَّ هنا ولم يسلم عليَّ، وآخر يقول منزعجًا: فلان سلمتُ عليه فلم يرد عليّ السلام، فهجر السلام سبب من أسباب تكدير القلب وتشويش صفائه.
وعلى العكس تماماً فإفشاء السلام سبب من أسباب المودة والمحبة بين الناس، قال صلى الله عليه وسلم: “لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”، والإفشاء هو ظهور الشيء وإذاعته وإعلانه، فالسلام من شعائر الأديان التي لا تخفى على أحد.
هذا وقد أمرنا بإفشاء السلام وإلقائه حتى على أنفسنا، فقال تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة}[النور 61]، والعندية في هذه الآية تقتضي التعظيم والتشريف، فهي تحية طيبة، كلها خير، وكلها بركة على قائلها وعلى سامعها، وقال صلى الله عليه وسلم: “يا بُنَيَّ، إذا دخلت على أهلك فسلم؛ يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك”، ويؤكد القرآن هذا فيقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27]، فبين السلام والأنس علاقة وطيدة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم حتى على بيوت الموتى ومقابرهم، ويقول: “السَّلامُ عليْكم أَهلَ الدِّيارِ مِنَ المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنَّا إن شاءَ اللَّهُ بِكم لَلاحقونَ، أسألُ اللَّهَ لنا ولَكم العافيةَ “.
وفي ترك السلام قطيعة ينهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام”.
وإذا سَلَّمَ علينا أحدٌ وَجَبَ علينا رَدُّ السلامِ؛ لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}[النساء: 86]، فكما سَلَّمَ عليكَ وَجَبَ عليكَ رَّدُّ السلام، وكما دَعَا لكَ فادْعُ له؛ لأن السلامَ معناهُ الدعاءُ بالسلامةِ مِن كُلِّ آفةٍ في الدنيا والآخِرَةِ، وحينما يُلْقِي عليكَ أحد السلامَ فهو يدعُو لكَ بالسلامةِ مِن شره ومن أذاه؛ ولهذا إذا خِفْتَ مِن شَبَحٍ إنسانٍ في ظُلْمَة اللَيْل، فحينما يُسَلِّمُ عليكَ؛ فأنتَ تَطْمَئِنُّ غايةَ الاطمئنانِ.
ومن عجائب أن السلام أنه بدأ في الجنة وشرع فيها ويدوم فيها، ففي الصحيحين: لما خلق الله آدم قال: “اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك”، فقال: “السلام عليكم”، فقالوا: “السلام عليكم ورحمة الله”، فزادوه “ورحمة الله”، فالسلام سنة أبينا آدم عليه السلام، وسنة النبيين والمرسلين من بعد، وفي ليلة المعراج كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم على كل نبي لقيه فيرد عليه السلام.
ويظل السلام سنة إلى يوم القيامة، بل يظل السلام تحية أهل الجنة على بعضهم، كما قال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23]، والسلام تحية الملائكة على أهل الجنة كما قال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23، 24].
بل هي تحية رب العالمين عليهم في الجنة؛ كما قال تعالى عن نعيمهم: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 57، 58]؛ ولهذا كله سمى الله تعالى الجنة بدار السلام.