حين يتحول الألم إلى أجر.. منزلة الغريق في الإسلام

بقلم: أحمد عبد الباقي محمد أحمد
من علماء الأزهر الشريف والأوقاف
وعضو الإدارة العامة للفتوى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد..

فإن من أعظم ما يواسي القلوب عند نزول المصائب، ويخفف وطأة الفقد عند حلول الكروب، أن يتأمل المؤمن في بشارات الوحي، وأن يستضيء بأنوار السنة النبوية المطهرة، فإنها جاءت رحمة للعالمين، وشفاء لما في الصدور، وهداية للناس في أوقات الشدة والرخاء.

ومن المشاهد التي تهز القلوب وتستدر الدموع أن يفقد الإنسان قريبًا أو حبيبًا غرقًا؛ إذ يتخيل ما عاناه من شدة الكرب، وضيق النفس، وصراع الحياة والموت، فتزداد الأحزان وتثقل الآلام. غير أن السنة النبوية جاءت تحمل لهذه القلوب المكلومة بشرى عظيمة، وتفتح لها بابًا من أبواب الرجاء، حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الغريق من الشهداء.

الشهادة منزلة اصطفاء وتكريم

إن لفظ “الشهادة” في الثقافة الإسلامية ليس مجرد وصف للموت، وإنما هو منزلة رفيعة يكرم الله بها من شاء من عباده، جزاءً لصبرهم وثباتهم وتحملهم البلاء.

وقد ورد في القرآن الكريم بيان عظيم مكانة الشهداء، قال تعالى:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].

وجاءت السنة النبوية لتبين أن مفهوم الشهادة أوسع من مجرد القتل في ساحة القتال، وأن رحمة الله تعالى اقتضت أن يُلحق بأهل الشهادة أصنافًا من الناس ابتُلوا بآلام عظيمة ومحن شديدة.

فقد روى الإمام البخاري والإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ«

وفي رواية أخرى عند أبي داود والنسائي وغيرهما: »الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ… وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ«

وهذه النصوص النبوية تكشف عن سعة رحمة الله، وأن أبواب الفضل الإلهي لا تنحصر في صورة واحدة أو سبب واحد.

لماذا خصّ النبي صلى الله عليه وسلم الغريق بهذه المنزلة؟

عندما يتأمل العلماء هذا الحديث الشريف، يجدون أن الحكمة الظاهرة في ذلك ترجع إلى ما يعانيه الغريق من شدة عظيمة عند مفارقته الدنيا.

وقد ذكر الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم أن هؤلاء المذكورين في الحديث إنما نالوا هذا الفضل لما يقاسونه من شدة الألم وعظم المشقة.

فالغريق يواجه في لحظاته الأخيرة ألوانًا من الكرب لا يكاد يحيط بها الوصف:

اضطراب النفس واضطراب الجسد.

شدة الاختناق وانقطاع أسباب النجاة.

الخوف الفطري الذي يعتري الإنسان عند مواجهة الهلاك.

المعاناة المتتابعة حتى خروج الروح.

ولهذا كانت تلك الآلام العظيمة سببًا في مضاعفة الأجر، ورفع المنزلة، وتكفير السيئات.

وقد قرر العلماء قاعدة عظيمة دلّت عليها النصوص، وهي أن عظم البلاء إذا صبر عليه العبد كان سببًا لعظم الجزاء.

قال صلى الله عليه وسلم: »إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ» رواه الترمذي.

من رحمة الله أن جعل البلاء طريقًا إلى الفضل

إن المتأمل في النصوص الشرعية يلحظ أن الإسلام لا ينظر إلى المصائب على أنها مجرد آلام مجردة، بل يربطها دومًا بمعانٍ إيمانية كبرى.

فالمصيبة في ميزان الإيمان ليست نهاية الطريق، وإنما قد تكون بابًا من أبواب الرحمة والرفعة.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

وقال سبحانه:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156].

ومن هنا نفهم أن إدراج الغريق ضمن الشهداء ليس مجرد بيان لحكم فقهي، بل هو رسالة ربانية لتطييب خواطر المفجوعين، وبعث الأمل في نفوس المنكسرين، وإشعارهم بأن الله تعالى لم يضيع ما لاقاه فقيدهم من ألم ومعاناة.

الفرق بين شهيد الدنيا وشهيد الآخرة

ومن المهم هنا بيان مسألة فقهية قد يجهلها بعض الناس.

فالشهداء عند الفقهاء أقسام:

أولًا: شهيد الدنيا والآخرة

وهو المقتول في سبيل الله مستوفيًا شروط الشهادة.

ثانيًا: شهيد الآخرة

وهو من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن له أجر الشهداء وثوابهم عند الله، مع بقائه في أحكام الدنيا كغيره من المسلمين.

ومن هؤلاء:

الغريق.

المبطون.

المطعون.

صاحب الهدم.

فهؤلاء يُغسَّلون ويُكفَّنون ويُصلَّى عليهم، لكنهم ينالون عند الله ثواب الشهداء وكرامتهم.

قال الإمام النووي رحمه الله:

“هؤلاء المذكورون كلهم غير المقتول في سبيل الله، وإنما هم شهداء في ثواب الآخرة لا في أحكام الدنيا”.

البعد المقاصدي في هذا التكريم النبوي

ومن أعظم ما يكشفه هذا الحديث الشريف أن الشريعة الإسلامية قائمة على بث الأمل في النفوس، وربط الناس بالله تعالى في أوقات الشدة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تبقى صورة الغريق في أذهان الناس مرتبطة بالألم والفزع فقط، بل أراد أن تتحول إلى معنى إيماني عظيم يبعث الرجاء في رحمة الله.

وهذا من المقاصد الكبرى للسنة النبوية؛ إذ تنقل الإنسان من النظر إلى ظاهر الحدث المؤلم إلى التأمل في الحكمة الإلهية الكامنة وراءه.

فإذا كان الناس يرون في الغرق نهاية موجعة، فإن الوحي يفتح نافذة أخرى يرون من خلالها التكريم الإلهي والفضل الرباني.

رسالة إلى أهل المفقودين غرقًا

إلى كل أبٍ فقد ولدًا، وإلى كل أمٍ ثكلت فلذة كبدها، وإلى كل زوجة أو أخ أو قريب فقد حبيبًا غرقًا:

اعلموا أن رحمة الله أوسع من أحزانكم، وأن نبيكم صلى الله عليه وسلم لم يترككم في هذه اللحظات القاسية دون عزاء، بل حمل إليكم هذه البشارة العظيمة: أن الغريق من الشهداء.

فاستمسكوا بحبل الرجاء، وأحسنوا الظن بالله تعالى، وأكثروا من الدعاء لفقيدكم، فإن الدعاء من أعظم ما ينفع الميت بعد وفاته.

وتذكروا قول الله تعالى:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.

وتذكروا أن المؤمن لا ينظر إلى الموت باعتباره فناءً وانقطاعًا، وإنما انتقالٌ من دار إلى دار، ومن عالم إلى عالم، ومن ابتلاء مؤقت إلى رحمة واسعة عند الله سبحانه وتعالى.

خاتمة

إن إدراج النبي صلى الله عليه وسلم للغريق في زمرة الشهداء يكشف عن جانب عظيم من جوانب الرحمة الإلهية التي امتلأت بها الشريعة الإسلامية، ويؤكد أن الله تعالى لا يضيع ألمًا تحمله عبدٌ مؤمن، ولا مشقةً صبر عليها محتسبًا.

فطوبى لمن لقي الله مؤمنًا موحدًا، وصبر على ما نزل به من البلاء، ورجا رحمة ربه، فإن فضل الله أوسع من التصورات، ورحمته أعظم من الآلام.

نسأل الله تعالى أن يغفر لكل مسلم مات غريقًا، وأن يرفعه في أعلى عليين، وأن يجعله في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يربط على قلوب أهله وذويه بالصبر والسكينة والرضا.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.