ماذا أَصْنَعُ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ يومٌ تُفْتَحُ فيه أبوابُ السماءِ وتُغسَلُ فيه القلوبُ


بقلم الدكتور : محمد سعد الواعظ بالأزهر الشريف

ماذا أَصْنَعُ يَوْمَ عَرَفَةَ؟
يَوْمٌ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْسَلُ فِيهِ الْقُلُوبُ
الحمدُللهِ ربِّ العالمينَ والصَلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ المرسلينَ .

تَمُرُّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا يَمْضِي دُونَ أَثَرٍ، وَمِنْهَا أَيَّامٌ يَكْتُبُ اللَّهُ فِيهَا تَغْيِيرَ الْقُلُوبِ وَغُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَرَفْعَ الدَّرَجَاتِ، وَمِنْ أَعْظَمِ تِلْكَ الْأَيَّامِ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالرَّجَاءِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ، وَيَقِفُ فِيهِ الْحُجَّاجُ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتَ مُتَجَرِّدِينَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، يَبْتَغُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَمَغْفِرَتَهُ.

وَيَوْمُ عَرَفَةَ لَيْسَ فَضْلُهُ لِلْحُجَّاجِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مَوْسِمُ خَيْرٍ لِكُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.فِيهِ تُكَفَّرُ الذُّنُوبُ، وَتُسْتَجَابُ الدَّعَوَاتُ، وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ، وَيُبَاهِي اللَّهُ بِعِبَادِهِ مَلَائِكَتَهُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْمُسْلِمُ هَذَا الْيَوْمَ بِقَلْبٍ مُشْتَاقٍ، وَنَفْسٍ مُقْبِلَةٍ عَلَى اللَّهِ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ يَرْجُو بِهِ النَّجَاةَ وَالرِّضْوَانَ.

أَوَّلًا: اسْتَقْبِلْ يَوْمَ عَرَفَةَ بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ
أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ الْعَبْدُ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنْ يُجَدِّدَ تَوْبَتَهُ إِلَى اللَّهِ.
فَكَمْ مِنْ ذُنُوبٍ أَثْقَلَتِ الْقَلْبَ، وَكَمْ مِنْ تَقْصِيرٍ أَبْعَدَ الْعَبْدَ عَنْ رَبِّهِ.
يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ الْعَوْدَةِ إِلَى اللَّهِ، وَيَوْمُ الِاعْتِرَافِ بِالضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى الرَّحْمَنِ.

فَقِفْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَقُلْ بِصِدْقٍ:
“يَا رَبِّ، جِئْتُكَ مُقَصِّرًا، فَلَا تَرُدَّنِي خَائِبًا.”
إِنَّ اللَّهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، وَيُحِبُّ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مُنْكَسِرًا مُسْتَغْفِرًا.

ثَانِيًا: الصِّيَامُ… عِبَادَةُ الْمُخْلِصِينَ
مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».

تَأَمَّلْ هَذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ…
ذُنُوبُ سَنَتَيْنِ تُغْفَرُ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ!
إِنَّهَا مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَهِّرَ صَحِيفَتَهُ، وَيَبْدَأَ حَيَاةً جَدِيدَةً مَعَ اللَّهِ.
وَلَيْسَ الصِّيَامُ امْتِنَاعًا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ صِيَامُ الْجَوَارِحِ عَنِ الذُّنُوبِ، وَصِيَامُ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ، وَصِيَامُ الْقَلْبِ عَنِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.

ثَالِثًا: أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ
يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ الدُّعَاءِ الْأَعْظَمِ.
فِيهِ تَنْسَكِبُ الْعَبَرَاتُ، وَتَرْتَفِعُ الْأَكُفُّ، وَتَلِينُ الْقُلُوبُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ».
فَلَا تُضَيِّعْ هَذِهِ السَّاعَاتِ فِي اللَّغْوِ وَالِانْشِغَالِ بِالدُّنْيَا.
اجْعَلْ لَكَ خَلْوَةً مَعَ اللَّهِ، وَابْثُثْ لَهُ هُمُومَكَ وَأَحْلَامَكَ وَآلَامَكَ.
ادْعُ لِنَفْسِكَ بِالْهِدَايَةِ وَالثَّبَاتِ، وَادْعُ لِوَالِدَيْكَ بِالرَّحْمَةِ، وَادْعُ لِأَهْلِكَ وَأَوْلَادِكَ بِالصَّلَاحِ، وَادْعُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
وَلَا تَقُلْ: “دَعَوْتُ كَثِيرًا وَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي.” فَرُبَّ دُعَاءٍ يَدَّخِرُهُ اللَّهُ لَكَ خَيْرًا، أَوْ يَدْفَعُ بِهِ عَنْكَ بَلَاءً، أَوْ يَفْتَحُ لَكَ بَابًا مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ.

رَابِعًا: الزَمِ الذِّكْرَ وَالتَّهْلِيلَ
مِنْ أَفْضَلِ مَا يُقَالُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

أَكْثِرْ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ الذِّكْرَ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْغَافِلَةَ، وَيُشْعِرُ الْعَبْدَ بِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ.وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ فِي يَوْمٍ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ.

خَامِسًا: اجْعَلْ لِلْقُرْآنِ نَصِيبًا
الْقُرْآنُ هُوَ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَنُورُ الْأَرْوَاحِ، وَسَبَبُ السَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، حَاوِلْ أَنْ تَعِيشَ مَعَ آيَاتِ اللَّهِ، وَأَنْ تَقْرَأَ بِتَدَبُّرٍ وَخُشُوعٍ.
اقْرَأْ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ، وَالْمُلْكِ، وَالْكَهْفِ، وَمَا تَيَسَّرَ لَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ.

سَادِسًا: تَصَدَّقْ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ
الصَّدَقَةُ فِي الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ لَهَا أَثَرٌ عَظِيمٌ.
فَأَطْعِمْ فَقِيرًا، أَوْ أَدْخِلِ السُّرُورَ عَلَى يَتِيمٍ، أَوْ سَاهِمْ فِي خَيْرٍ.
لَعَلَّ صَدَقَةً خَفِيَّةً تَكُونُ سَبَبًا فِي مَغْفِرَةِ ذُنُوبِكَ وَتَفْرِيجِ هَمِّكَ.

سَابِعًا: صِلْ رَحِمَكَ وَسَامِحْ مَنْ ظَلَمَكَ
مَا أَجْمَلَ أَنْ يَدْخُلَ الْعَبْدُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَقَلْبُهُ نَقِيٌّ مِنَ الْأَحْقَادِ.
اتَّصِلْ بِمَنْ قَاطَعْتَهُ، وَسَامِحْ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَابْدَأْ صَفْحَةً جَدِيدَةً مَعَ النَّاسِ.
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ سَلَامَةَ الصَّدْرِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ.

ثَامِنًا: احْفَظْ وَقْتَكَ مِنَ الضَّيَاعِ
مِنَ الْخَسَارَةِ أَنْ يَمُرَّ يَوْمُ عَرَفَةَ فِي الْهَاتِفِ وَالتَّصَفُّحِ وَاللَّهْوِ.
إِنَّهُ يَوْمٌ قَدْ لَا يَتَكَرَّرُ فِي حَيَاتِكَ.

فَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ كَانُوا مَعَنَا فِي عَرَفَةَ الْمَاضِيَةِ، وَهُمْ الْيَوْمَ تَحْتَ التُّرَابِ.
فَاغْتَنِمْ سَاعَاتِهِ، وَاشْغَلْهَا بِمَا يُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ.

يَا مَنْ أَدْرَكْتَ يَوْمَ عَرَفَةَ…
هَذَا يَوْمُ الْعُتَقَاءِ، وَيَوْمُ الدَّمْعَةِ الصَّادِقَةِ، وَيَوْمُ الْقُلُوبِ الْمُنِيبَةِ.
فَلَا تَدَعْهُ يَمُرُّ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَكَ فِيهِ نَصِيبٌ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ.
لَعَلَّهُ يَوْمٌ يُغَيِّرُ اللَّهُ بِهِ قَدَرَكَ، وَيَغْفِرُ ذَنْبَكَ، وَيَشْرَحُ صَدْرَكَ، وَيَكْتُبُكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا، وَارْزُقْنَا تَوْبَةً صَادِقَةً، وَقُلُوبًا خَاشِعَةً، وَدُعَاءً لَا يُرَدُّ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.