
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ)
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز
بِتَارِيخِ 20 ذو القعدة 1447هـ / 8 مايو 2026م
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
dawa aleslam ela altrahm
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ بِرَحْمَتِهِ، وَعَمَّ كُلَّ حَيٍّ بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ وَكَرَمِهِ، وَخَضَعَتِ الخَلَائِقُ لِكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ، يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً *** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى *** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: 5]. عِبَادَ اللّهِ: ((دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: دِينُنَا دِينُ الرَّحْمَةِ!!
-
ثَانِيًا: رُحَمَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلْ: صُوَرُ الرَّحْمَةِ فِي حَيَاتِنَا
-
ثَالِثًا :كَيْفَ نَنَالُ رَحْمَةَ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ؟!!!
-
رَابِعًا وَأَخِيرًا: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا قَسَتْ فِيهِ القُلُوبُ، وَقَلَّتْ فِيهِ يَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْعَدَمَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ بَيْنَ الجَارِ وَجَارِهِ، وَالوَلَدِ وَأَبِيهِ، وَالزَّوْجَةِ وَزَوْجِهَا، وَخَاصَّةً وَأَكْثَرَ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ هُوَ التَّرَاحُمُ فِيمَا بَيْنَنَا، فَالرَّحْمَةُ وَالتَّرَاحُمُ أَجْمَلُ شَيْءٍ فِي الحَيَاةِ، لَوْ دَخَلَتْ قُلُوبَنَا وَأَدْخَلْنَاهَا فِي حَيَاتِنَا وَبُيُوتِنَا صَلُحَتْ أُمُورُنَا كُلُّهَا، وَعِشْنَا أَسْعَدَ حَيَاةٍ، وَأَحْلَى حَيَاةٍ. وَخَاصَّةً وَفِي ظِلَالِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، تَزُولُ قَسْوَةُ القُلُوبِ، وَتَنْكَسِرُ حِدَّةُ الأَنَانِيَّةِ، فَيَغْدُو الإِنْسَانُ عَوْنًا لِأَخِيهِ، يَشْعُرُ بِأَلَمِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ، وَيَسْعَى فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ، وَتُصْبِحُ العَلَاقَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ قَائِمَةً عَلَى البَذْلِ لَا عَلَى الأَخْذِ، وَعَلَى الإِيثَارِ لَا عَلَى الاسْتِئْثَارِ، هُنَاكَ تُبْنَى المُجْتَمَعَاتُ عَلَى أُسُسٍ مِنَ الرِّفْقِ وَالتَّسَامُحِ، وَيَغْدُو الضَّعِيفُ فِيهَا مَصُونًا، وَالمُحْتَاجُ مَكْفُولًا، وَالمُخْطِئُ مُقَوَّمًا بِرِفْقٍ لَا بِعُنْفٍ، وَبِحِكْمَةٍ لَا بِقَسْوَةٍ. وَهَكَذَا تَصْنَعُ الرَّحْمَةُ أُمَّةً حَيَّةً نَابِضَةً بِالخَيْرِ، يَسُودُهَا التَّرَاحُمُ كَمَا يَسُودُ الجَسَدَ الوَاحِدَ شُعُورُ أَعْضَائِهِ، فَإِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ مَعْنَى الأُخُوَّةِ الصَّادِقَةِ، وَتُشْرِقُ فِي جَنَبَاتِ المُجْتَمَعِ أَنْوَارُ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي أَرَادَهَا الإِسْلَامُ هِدَايَةً وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. وَصَدَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى». فَهَذِهِ بَغِيةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ عَطَشًا، فَسَقَتِ المَرْأَةُ الكَلْبَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا ذُنُوبَهَا، وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ:
إِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ بِالكِلَابِ *** تُغْفَرُ الخَطَايَا لِلْبَغَايَا
فَكَيْفَ تَصْنَعُ الرَّحْمَةُ *** بِمَنْ وَحَّدَ رَبَّ البَرَايَا؟
-
أَوَّلًا: دِينُنَا دِينُ الرَّحْمَةِ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: جَاءَ الإِسْلَامُ رِسَالَةَ رَحْمَةٍ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فَهُوَ دِينٌ يَدْعُو إِلَى الرِّفْقِ، وَيَنْهَى عَنِ القَسْوَةِ، وَيُرَبِّي أَتْبَاعَهُ عَلَى اللِّينِ وَالإِحْسَانِ. وَقَالَ ﷺ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»، فَالرَّحْمَةُ خُلُقٌ عَظِيمٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَبِهَا تَسْتَقِيمُ الحَيَاةُ، وَتَصْفُو العَلَاقَاتُ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَيْفَ لَا؟! وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْلَأُ الْقُلُوبَ طُمَأْنِينَةً، وَيَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ حَيَاةً بَعْدَ يَأْسٍ، هُوَ الْإِيمَانُ بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ تِلْكَ الرَّحْمَةُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأَعْرَافِ: 156] فَهِيَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ، وَسِعَتِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ؛ بَرَّهُمْ وَفَاجِرَهُمْ، مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَخَصَّ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ. فمَا أَرْحَمَ اللَّهَ وَمَا أَرْأَفَهُ! وَمَا أَصْبَرَهُ وَمَا أَحْلَمَهُ! هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، مَا خَلَقَنَا لِيُعَذِّبَنَا، وَمَا أَوْجَدَنَا لِيُشْقِيَنَا، وَمَا كَلَّفَنَا لِيَشُقَّ عَلَيْنَا وَكَيْفَ لَا؟! وَلَوْلَا رَحْمَةُ اللَّهِ لَمَا عِشْنَا، وَلَوْلَا رَحْمَةُ اللَّهِ لَمَا حَيِينَا، وَلَوْلَا رَحْمَةُ اللَّهِ لَعُوقِبْنَا عَلَى ذُنُوبِنَا وَمَعَاصِينَا فِي حِينِهَا، ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54]، غَفُورٌ رَحِيمٌ… رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ كُلِّهِمْ: إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ وَسَائِرِ الدَّوَابِّ وَالعَجْمَاوَاتِ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ يُمْهِلُ العَاصِيَ وَيُمْهِلُ… وَيُمْهِلُ… وَيُمْهِلُ.
فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا))؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَيْفَ لَا؟! وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ مِنْ نُعُوتِ جَمَالِهِ، تَتَنَزَّلُ بِهَا النَّفَحَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَالرَّحَمَاتُ الْإِلَهِيَّةُ، فَتَجِدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ تَيْسِيرًا، وَمَعَ كُلِّ قَضَاءٍ رَحْمَةً، وَمَعَ كُلِّ بَلَاءٍ حِكْمَةً؛ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ فَقَدْ أَبْقَى، وَإِنْ مَنَعَ فَلَطَالَمَا أَعْطَى، وَإِنِ ابْتَلَاكَ فَكَثِيرًا مَا عَافَاكَ، وَإِنْ أَحْزَنَكَ يَوْمًا فَقَدْ أَفْرَحَكَ أَيَّامًا وَأَعْوَامًا، فَاللَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ بِنَا، وَعَافِيَتُهُ أَنْفَعُ لَنَا، وَلَوْ آخَذَنَا بِذُنُوبِنَا لَأَهْلَكَنَا، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِبَادِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
وَكَيْفَ لَا؟!
وَالرَّحْمَةُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَنِ، كَتَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَوَسِعَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّ بِهَا كُلَّ حَيٍّ؛ فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ رَبُّنَا: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 54]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَوْجَبَهَا عَلَىٰ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا).وَفِي مَشْهَدٍ رَهِيبٍ مِنْ أَحْدَاثِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَبَّرَ اللَّهُ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَفْوِهِ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طَهَ: 108]. فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَكَيْفَ لَا؟!
وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَخْبَرَنَا أَنَّ رَحْمَتَهُ تَسْبِقُ غَضَبَهُ، وَأَنَّ لَهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ سَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَخَّرَ الْبَاقِيَ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْحِسَابِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَوْسَعُ صِفَاتِهِ جَلَّ وَعَلَا: رَحْمَتُهُ، وَأَوْسَعُ الْمَخْلُوقَاتِ: عَرْشُهُ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ يَوْمَ اسْتِوَائِهِ عَلَيْهِ:كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ».
وَكَيْفَ لَا؟
لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِرَ العَالَمَ أَجْمَعَ بِأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحِجْرِ: 49]،
وَكَيْفَ لَا؟
وَهُوَ يَنْزِلُ -سُبْحَانَهُ- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِكْرَامًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلِقَضَاءِ حَاجَاتِ السَّائِلِينَ، وَقَبُولِ دُعَاءِ الدَّاعِينَ، وَإِلْحَاحِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالرَّحْمَةُ صِفَةٌ اتَّصَفَ بِهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ، فَعَنْ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ سَيِّدِنَا كَعْبِ الأَحْبَارِ قَالَ: «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: يَا مُوسَى، أَتُرِيدُ أَنْ أُقَرِّبَ مَجْلِسَكَ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ، وَلَا تَقْهَرِ اليَتِيمَ، وَجَالِسِ الضُّعَفَاءَ، وَارْحَمِ المَسَاكِينَ، وَأَحِبَّ الفُقَرَاءَ، وَلَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ المَالِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ المَالِ تُقَسِّي القَلْبَ… يَا مُوسَى، كُنْ لَيِّنَ الجَانِبِ، فَإِنَّ أَبْغَضَ الخَلْقِ إِلَيَّ الَّذِي فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، وَفِي لِسَانِهِ جَفَاءٌ، وَفِي قَلْبِهِ قَسْوَةٌ، وَأَحَبُّ الأَخْلَاقِ إِلَيَّ الرَّحْمَةُ وَالعَطْفُ وَالرَّأْفَةُ وَالرِّقَّةُ» [حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ].
وَهَذَا هُوَ نَبِيُّ الإِسْلَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَهُ رَبُّهُ بِالرَّحْمَةِ، فَهُوَ الرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ، وَالنِّعْمَةُ المُسْدَاةُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: 128]. وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ مُخَاطِبًا إِيَّاهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاءِ: 107]. وَمِنْ رَحْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
-
ثَانِيًا: رُحَمَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلْ: صُوَرُ الرَّحْمَةِ فِي حَيَاتِنَا!!
أَيُّهَا السَّادَةُ:
الرَّحْمَةُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَتْ مَعْنًى مُجَرَّدًا، بَلْ هِيَ سُلُوكٌ يَتَجَلَّى فِي تَعَامُلِ المُسْلِمِ مَعَ غَيْرِهِ؛ وَفِي كُلِّ مَجَالٍ مِنْ مَجَالاتِ الحَيَاةِ، فَيَتَرَحَّمُ الإِنْسَانُ عَلَى أَهْلِهِ، وَيُحْسِنُ إِلَى وَلَدِهِ، وَيَرْفُقُ بِزَوْجِهِ، وَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَيُكْرِمُ جَارَهُ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ، وَيَجْبُرُ خَاطِرَ المَكْسُورِ.
بَارٌّ بِوَالِدَيْهِ، وَاصِلٌ لِرَحِمِهِ، مُحْسِنٌ إِلَى جِيرَانِهِ، يَعْطِفُ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَيُوَاسِي المَرْضَى وَالمُبْتَلِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ… رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، فَهُمْ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى. وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الرَّحْمَةِ: كَفَالَةُ اليَتِيمِ، وَإِغَاثَةُ المَلْهُوفِ، وَالعَفْوُ عِنْدَ القُدْرَةِ، وَالرِّفْقُ بِكُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ.
وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ الرَّحْمَةِ أَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ لَيِّنَ الجَانِبِ، سَهْلَ المُعَامَلَةِ، يُقَدِّمُ المَحَبَّةَ عَلَى الغِلْظَةِ، وَاليُسْرَ عَلَى العُسْرِ، وَالعَفْوَ عَلَى الانتِقَامِ، فَيَصِيرُ مَصْدَرَ أَمَانٍ لِمَنْ حَوْلَهُ لَا مَصْدَرَ أَذًى.
وَمِنْ صُوَرِ الرَّحْمَةِ :
التَّوَاصِي بِالحَقِّ وَالصَّبْرِ، وَالإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَمُوَاسَاةُ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَكِفَالَةُ الأَيْتَامِ، وَإِغَاثَةُ المَلْهُوفِينَ، فَبِهَذِهِ الأَعْمَالِ تَحْيَا القُلُوبُ وَتَزْهُو الحَيَاةُ. فَالرَّحْمَةُ إِذَا حَلَّتْ بَيْنَ النَّاسِ، صَلُحَتِ الأُسَرُ، وَاسْتَقَامَتِ المُجْتَمَعَاتُ، وَسَادَ الأَمْنُ وَالمَوَدَّةُ، وَتَحَقَّقَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
لِذَا جَعَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ رِعَايَةَ هَذِهِ الفِئَاتِ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ وَالعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: 36]، وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ القُرُبَاتِ مِنْ صِفَاتِ الأَبْرَارِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإِنْسَانِ: 8]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، لِتَكُونَ الرَّحْمَةُ بِهِمْ وَاجِبًا لَا تَفَضُّلًا.
وَجَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تُؤَكِّدُ هَذَا المَعْنَى فِي أَبْلَغِ صُورَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى [صَحِيحُ البُخَارِيِّ]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [صَحِيحُ مُسْلِمٍ]. وَهَكَذَا يُرَبِّي الإِسْلَامُ أَبْنَاءَهُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا عَوْنًا لِلضُّعَفَاءِ وَسَنَدًا لِلْمُحْتَاجِينَ، حَتَّى يَتَحَوَّلَ المُجْتَمَعُ إِلَى حِضْنٍ دَافِئٍ يَضُمُّ الجَمِيعَ، لَا يُقْصِي ضَعِيفًا، وَلَا يَتْرُكُ مُحْتَاجًا، بَلْ يَسُودُ فِيهِ العَدْلُ مَشْفُوعًا بِالرَّحْمَةِ، وَالإِحْسَانُ مَقْرُونًا بِالإِنْسَانِيَّةِ.
-
ثَالِثًا :كَيْفَ نَنَالُ رَحْمَةَ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ؟!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: هُنَاكَ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ تُسْتَمْطَرُ بِهَا الرَّحْمَاتُ، وَتُدْفَعُ بِهَا النِّقَمَاتُ، مِنْ هَذِهِ الأَسْبَابِ -عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ-: تَقْوَى الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَالتَّقْوَى: أَنْ يَجْعَلَ العَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَقَايَةً تَقِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ المُنْكَرَاتِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَافِ: 156]. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» قَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ! فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فَقَالَتِ اليَهُودُ: وَنَحْنُ نَتَّقِي وَنُؤْتِي الزَّكَاةَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾.
وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنْ يَرْحَمَ العَبْدُ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقَاتِ؛ فَمِنْ عَلَامَاتِ سَعَادَةِ العَبْدِ أَنْ يَكُونَ رَحِيمَ القَلْبِ، فَالرَّحِيمُ أَوْلَى النَّاسِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى النَّاسِ، وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ، وَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الجَنَّةَ دَارُ الرَّحْمَةِ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا الرُّحَمَاءُ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ»، وَفِي السُّنَنِ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». فَالجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ فَكُنْ رَحِيمًا مَعَ جَمِيعِ الخَلْقِ، لَطِيفًا مَعَ عِبَادِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ نَفْعَ إِنْسَانٍ فَلَا تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ تُفَرِّحْهُ فَلَا تَغُمَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَقِفْ مَعَهُ فَلَا تُعِنْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَفْرَحْ بِنِعْمَتِهِ فَلَا تَحْسُدْهُ، وَإِنْ لَمْ تَمْنَحْهُ الأَمَلَ فَلَا تُحْبِطْهُ، وَلَا تَكُنْ جَافَّ المَشَاعِرِ، وَلَا بَخِيلَ اليَدِ، وَلَا قَاسِيَ القَلْبِ، وَلَكِنْ كُنْ رَحِيمًا؛ فَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ.
وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ: أَنْ نَبْرَأَ مِنْ حَوْلِنَا وَقُوَّتِنَا إِلَى حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَأَنْ نَكُونَ بِحَقٍّ لِلَّهِ وَمَعَ اللَّهِ، فَمَنْ كَانَ مَعَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا نَدْخُلُ الجَنَّةَ بِأَعْمَالِنَا، وَلَكِنْ نَدْخُلُ الجَنَّةَ بِرَحْمَةِ رَبِّنَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ: طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 132].
وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: 71].
وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ: السَّمَاحَةُ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعَدَمُ غِشِّ النَّاسِ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالبَاطِلِ، رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى».
فاللَّهَ اللَّهَ فِي رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ! ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: 58]، وَرَحْمَتُهُ أَيُّهَا السَّادَةُ: وَجَدَهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي النَّارِ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأَنْبِيَاءِ: 69]، وَوَجَدَهَا نُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي أَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: 43]، وَوَجَدَهَا يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الجُبِّ، كَمَا وَجَدَهَا فِي السِّجْنِ، كَمَا وَجَدَهَا فِي المُلْكِ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يُوسُفَ: 91]، وَوَجَدَهَا يُونُسُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي بَطْنِ الحُوتِ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاءِ: 87]، وَوَجَدَهَا مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي اليَمِّ وَهُوَ طِفْلٌ مُجَرَّدٌ مِنْ كُلِّ قُوَّةٍ وَمِنْ كُلِّ حِرَاسَةٍ، كَمَا وَجَدَهَا فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طَهَ: 39]، وَوَجَدَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغَارِ، وَفِي طَرِيقِ الهِجْرَةِ، وَفِي بَدْرٍ، وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التَّوْبَةِ: 40].وَوَجَدَهَا وَيَجِدُهَا كُلُّ مَنْ آوَى إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَّقَ بِهِ، وَسَأَلَهُ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الأَمْرَ، وَأَخَذَ بِالأَسْبَابِ المَشْرُوعَةِ المُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا. فَالرَّحْمَةُ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكَهْفِ: 10]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 8]. وَلَمْ تَكُنِ الرَّحْمَةُ وَقْفًا عَلَى المُسْلِمِينَ، بَلِ المُسْلِمُ مَصْدَرُ رَحْمَةٍ لِكُلِّ الخَلْقِ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنَ بِكَ، قَالَ: «وَتَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ؟ قَالَ: «بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ].
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً****فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ****فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ؟
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ.
-
رَابِعًا وَأَخِيرًا: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ!!
مجلة روح الاسلام فيض المعارف