خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ)  للدكتور :  مُحَمَّد حِرْز


خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ)

 للدكتور :  مُحَمَّد حِرْز
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَاف

بِتَارِيخِ 13 ذو القعدة 1447هـ / 1 مايو 2026م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
etqan alaml wagb

الحَمْدُ لِلَّهِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سَبَأ: 13]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَطْهَارِ الأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً *** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ

صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى *** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: 5]. عِبَادَ اللّهِ: ((إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

  • أَوَّلًا: دِينُنَا دِينُ الْإِتْقَانِ عِبَادَ اللَّهِ!!

  • ثَانِيًا: إِتْقَانُ الْعَمَلِ تَقَدُّمٌ وَحَضَارَةٌ.

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَلَا فَلْتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْتَرِيِّحٌ !!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: عَنْ إِتْقَانِ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ ، وَخَاصَّةً فَنَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِتْقَانِ الْعَمَلِ، كُلٌّ فِي مَجَالِهِ وَتَخَصُّصِهِ، مِنْ أَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى وَطَنِنَا مِصْرَ الْغَالِيَةِ، مِنْ أَجْلِ رِفْعَتِهَا وَنَهْضَتِهَا وَتَقَدُّمِهَا فِي جَمِيعِ الْمَجَالَاتِ التِّجَارِيَّةِ وَالصِّنَاعِيَّةِ وَالزِّرَاعِيَّةِ ،وَخَاصَّةً وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مَا يَمُرُّ بِهِ الْعَالَمُ الْيَوْمَ مِنِ ارْتِفَاعٍ لِلْأَسْعَارِ، أَرْهَقَ النَّاسَ حَتَّى فِي نَوْمِهِمْ، لِيَكُونَ هَذَا دَافِعًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى مِصْرِنَا، وَعَلَى عَدَمِ الْعَبَثِ بِأَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، فِي زَمَنِ الْأَزَمَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ الرَّهِيبَةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الْعَالَمُ لِنُثْبِتَ لِلدُّنْيَا كُلِّهَا أَنَّ مِصْرَنَا الْغَالِيَةَ، بِفَضْلِ اللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِفَضْلِ قِيَادَتِهَا الْحَكِيمَةِ وَرِجَالِهَا الْمُخْلِصِينَ، قَادِرَةٌ عَلَى تَحَدِّي الصِّعَابِ، وَالْوُصُولِ بِهَا إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ.

وَخَاصَّةً وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ تَقَدُّمِ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ أَمَرَنَا بِهِ دِينُنَا الْحَنِيفُ، وَاعْتَبَرَهُ مِنَ الْأَمَانَاتِ الَّتِي أَوْصَى الْإِسْلَامُ بِإِتْقَانِهَا.

  • أَوَّلًا: دِينُنَا دِينُ الْإِتْقَانِ عِبَادَ اللَّهِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: الْإِتْقَانُ مَنْهَجٌ قَوِيمٌ وَغَايَةٌ سَامِيَةٌ يَقْصِدُهَا الشَّرْعُ الْحَكِيمُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: 2]، وَلَمْ يَقُلْ: أَكْثَرَ عَمَلًا، بَلْ أَحْسَنَ عَمَلًا؛ فَكَأَنَّهُ يَلْفِتُ أَنْظَارَنَا إِلَى قَضِيَّةِ الْإِتْقَانِ، وَلَيْسَ إِلَى الْكَمِّ. وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَعَدَ الْمُحْسِنِينَ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 195]، بَلْ وَعَدَ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِ أَجْرِ الْمُحْسِنِينَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الْكَهْفِ: 30]، تَحْفِيزًا لَهُمْ وَتَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْإِحْسَانِ وَالْإِتْقَانِ.

 وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَأَتْقَنَهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: 88]. فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا صَنَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ بِإِتْقَانٍ؛ فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى السَّمَاءِ وَارْتِفَاعِهَا فَإِتْقَانٌ، بَلِ انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ وَاتِّسَاعِهَا فَإِتْقَانٌ، انْظُرْ إِلَى النُّجُومِ وَمَدَارِهَا فَإِتْقَانٌ، انْظُرْ إِلَى الْبِحَارِ وَأَمْوَاجِهَا فَإِتْقَانٌ، انْظُرْ إِلَى الْجِبَالِ وَارْتِفَاعِهَا فَإِتْقَانٌ مَا بَعْدَهُ إِتْقَانٌ! اللَّهُ أَكْبَرُ.

بَلْ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى نَفْسِكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ لَرَأَيْتَ عَجَبًا عُجَابًا؛ خَلَقَكَ فَأَحْسَنَ خَلْقَكَ، وَصَوَّرَكَ فَأَحْسَنَ تَصْوِيرَكَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 6]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 14]. وَالْمُصَوِّرُ هُوَ مَنْ أَحْسَنَ وَأَبْدَعَ، وَأَخْرَجَ الشَّكْلَ النِّهَائِيَّ فِي كَامِلِ هَيْئَتِهِ وَبَهَائِهِ، وَأَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غَافِرٍ: 64]. فَالْإِتْقَانُ فِي كُلِّ شَيْءٍ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ، لِذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَوَسَّلُ إِلَى رَبِّهِ وَيَدْعُوهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي صَوَّرَ خَلْقَهُ وَجَمَّلَ صُنْعَهُ وَأَتْقَنَ خَلْقَهُ عَلَى أَجْمَلِ صُورَةٍ وَأَحْسَنِ بَهَاءٍ. فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»… إِلَى أَنْ قَالَ: «وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي إِتْقَانِهِ هُوَ تَوْحِيدُهُ لِلَّهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَلَا تُعَكِّرْ تَوْحِيدَكَ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَا تَصْرِفْ وَجْهَكَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَجَرِّدْ تَوْحِيدَكَ لَهُ سُبْحَانَهُ؛ فَمَنْ خَرَقَ تَوْحِيدَهُ فِي عَمَلٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». فَمَنْ أَتْقَنَ تَوْحِيدَهُ لِلَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-… إِلَى أَنْ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»… وَهَذَا هُوَ أُسْوَتُنَا وَقُدْوَتُنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ فِي عِبَادَتِهِ وَعَمَلِهِ وَتِجَارَتِهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَّجِرُ فِي مَالِ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، فَكَانَ خَيْرَ التَّاجِرِ الْأَمِينِ، وَخَيْرَ الصَّادِقِ، وَخَيْرَ مَنْ أَتْقَنَ فِي عَمَلِهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى إِتْقَانٍ: الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا نَجَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163] وَلِحَدِيثِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً»، قَالَ: «الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْرِقُهَا؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» (رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ).

وَفِي إِتْقَانِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَكُونُ الْعَبْدُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْبَرَرَةِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ الْقَوْمِ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِحْسَانِ التِّلَاوَةِ وَضَبْطِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَتَعْظِيمِ كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا َقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: “الَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ” رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. وَقَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: “يَؤُمُّ القَومَ أَقرَؤُهُم لِكِتَابِ اللهِ” رَوَاهُ مُسلِمٌ. حَتَّى فِي الْأَذَانِ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ، يُقَدَّمُ الْمُتْقِنُ لِأَذَانِهِ؛ لِأَنَّ الْإِتْقَانَ هُنَا لَيْسَ فَقَطْ حُسْنَ الصَّوْتِ، بَلْ حُسْنُ الْأَدَاءِ وَضَبْطُ الْكَلِمَاتِ وَإِقَامَةُ شَعِيرَةِ النِّدَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِهَا الْمَشْرُوعِ. فَفِي قِصَّةِ رُؤْيَا عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِلْأَذَانِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ؛ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ). حَتَّى عِنْدَ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ، فَهِيَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى إِتْقَانٍ وَإِحْسَانٍ، وَلَيْسَتْ مَجَالًا لِلتَّسَرُّعِ أَوِ الِاسْتِهَانَةِ، وَلَا يَتَوَلَّاهَا كُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ؛ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مَعْرِفَةٍ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَرِفْقٍ بِالْمَيِّتِ وَحِفْظٍ لِحُرْمَتِهِ، فَهِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُؤَدَّى عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: “إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَلْيُحسِنْ كَفَنَهُ” رَوَاهُ مُسلِمٌ. حَتَّى عِنْدَ الذَّبْحِ تَحْتَاجُ الْعِبَادَةُ إِلَى إِتْقَانٍ؛ فَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ لِلذَّبْحِ آدَابًا وَشُرُوطًا تُرَاعَى، رِفْقًا بِالْحَيَوَانِ وَإِحْسَانًا فِي التَّعَامُلِ، وَتَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْإِحْسَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ عَشْوَائِيًّا أَوْ مُجَرَّدَ عَادَةٍ، بَلْ عِبَادَةٌ يُقْصَدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَيُتْقَنُ فِيهَا الْعَمَلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَعَه سبحانه، قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: “إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلتُم فَأَحسِنُوا القِتلَةَ، وَإِذَا ذَبَحتُم فَأَحسِنُوا الذِّبحَةَ” وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ تَمَيَّزَ الْإِسْلَامُ – عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً وَأَخْلَاقًا وَتَصَوُّرًا لِلْكَوْنِ وَالْإِنْسَانِ – بِالْجَوْدَةِ وَالْإِتْقَانِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [الْمَائِدَةِ: 3]. وَكَيْفَ لَا؟ وَالْإِتْقَانُ يَكُونُ فِي أَعْمَالِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مُتْقِنًا فِي أُمُورِ الدِّينِ وَلَسْتَ مُتْقِنًا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَلِحَدِيثِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مُتْقِنًا لِأُمُورِ الدُّنْيَا وَلَسْتَ مُتْقِنًا لِأُمُورِ الْآخِرَةِ، فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ وَالْخَاسِرِينَ؛ قَالَ رَبُّنَا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الرُّومِ: 7]. يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ إِلَّا بِالدُّنْيَا وَشُؤُونِهَا، فَهُمْ فِيهَا حُذَّاقٌ أَذْكِيَاءُ فِي تَحْصِيلِهَا وَوُجُوهِ مَكَاسِبِهَا، وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ وَمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ لَبَلَغَ مِنْ أَحَدِهِمْ بِدُنْيَاهُ أَنْ يُقَلِّبَ الدِّرْهَمَ عَلَى ظُفْرِهِ فَيُخْبِرَكَ بِوَزْنِهِ، وَمَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ) إِنَّهُ قَانُونُ إِتْقَانِ الصَّنْعَةِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ عِنْدَمَا أَمْسَكَ وَرَقَةَ التُّوتِ يَوْمًا، فَقَالَ: وَرَقَةُ التُّوتِ، تَأْكُلُهَا الْغَزَالَةُ تُعْطِينَا مِسْكًا، وَتَأْكُلُهَا الشَّاةُ تُعْطِينَا لَبَنًا، تَأْكُلُهَا دُودَةُ الْقَزِّ تُعْطِينَا حَرِيرًا، إِنَّ النَّتَائِجَ مُخْتَلِفَةٌ لَكِنَّ الطَّعَامَ وَاحِدٌ فَسُبْحَانَ الْوَاحِدِ إِنَّهُ “صُنْعُ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ”.وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ سُئِلَ أَحَدُ الْأَعْرَابِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى، فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْبَعَرَ لَيَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِنَّ أَثَرَ الْأَقْدَامِ لَيَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ أَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟

لِلَّهِ فِي الْآفَاقِ آيَاتٌ لَعَلَّ *** أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا
وَلَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ *** عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَا
وَالْكَوْنُ مَشْحُونٌ بِأَسْرَارٍ إِذَا *** حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَا

  • ثَانِيًا: إِتْقَانُ الْعَمَلِ تَقَدُّمٌ وَحَضَارَةٌ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: الْإِتْقَانُ مَنْهَجُ حَيَاةٍ وَسُنَّةُ كَوْنيةٌ؛ بِهِ تَنْتَظِمُ الْأُمُورُ، وَتَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، وَتَبْلُغُ الْأَعْمَالُ غَايَاتِهَا فِي الْكَمَالِ، فَهُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ قِيمَةُ الْإِنْسَانِ، وَالْمِعْيَارُ الَّذِي تُقَاسُ بِهِ حَضَارَةُ الْأُمَمِ؛ إِذْ لَا قِيَامَ لِعُمْرَانٍ، وَلَا ازْدِهَارَ لِحَضَارَةٍ، إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَى أَكْتَافِ أُنَاسٍ يُحْسِنُونَ مَا يَعْمَلُونَ، وَيُؤَدُّونَ مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِمْ بِإِخْلَاصٍ وَإِحْكَامٍ. وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ دَعْوَةٌ صَرِيحَةٌ إِلَى إِتْقَانِ الْعَمَلِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا حِكَايَةً عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الْكَهْفِ: 95]، فَفِي هَذَا النَّصِّ دَلَالَةٌ عَلَى حُسْنِ التَّخْطِيطِ وَالْإِتْقَانِ فِي الْبِنَاءِ وَالْعَمَلِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ. وَفِي قِصَّةِ بِلْقِيسَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- كَانَ الْإِتْقَانُ مِنْ أَسْبَابِ تَدَبُّرِهَا وَهِدَايَتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النَّمْلِ: 44]، فَفِي هَذِهِ الْمَشْهَدِ دَلَالَةٌ عَلَى دِقَّةِ الصِّنَاعَةِ وَإِحْكَامِ الْبِنَاءِ وَإِبْهَارِ الْمُلْكِ، حَتَّى قَادَهَا ذَلِكَ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ((قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: ٤٤]،

وَكَيْفَ لَا؟ وَالإِسْلَامُ دِينُ العَمَلِ وَالسَّعْيِ وَالاجْتِهَادِ، دِينُ النَّشَاطِ وَالحَيَوِيَّةِ، دِينُ الرِّيَادَةِ وَالعَطَاءِ، دِينُ السَّعْيِ فِي الأَرْضِ بَحْثًا عَنِ الرِّزْقِ وَطَلَبًا لِلْحَلَالِ، وَلَيْسَ دِينَ الكَسَلِ وَالخُمُولِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التَّوْبَة: 105]
وَالعَمَلُ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَغَايَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الغَايَاتِ لِبَقَائِنَا، وَهَدَفٌ مِنْ أَعْظَمِ الأَهْدَافِ لِوُجُودِنَا فِي أَرْضِنَا، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هُود: 61]وَالْعَمَلُ فِعْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَسُلُوكُ النُّبَلَاءِ، وَمَنْهَجُ الشُّرَفَاءِ، لِذَا قَالَ اللهُ مَادِحًا الْعَمَلَ وَالْعُمَّالَ فِيمَا حَكَاهُ الْقُرْآنُ عَنْ دَاوُودَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: 80)، وَمَدَحَهُ النَّبِيُّ الْعَدْنَانُ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ..

وَالْإِتْقَانُ في العملِ سَبَبٌ لِنُهُوضِ الْأُمَمِ مِنْ سُبَاتِهَا، وَتَقَدُّمِهَا بَعْدَ تَخَلُّفِهَا… فَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَقَدَّمَتْ بِسَبَبِ إِتْقَانِهَا لِلْعَمَلِ؟
وَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَأَخَّرَتْ بِسَبَبِ عَدَمِ إِتْقَانِهَا لِلْعَمَلِ؟ فَالْإِتْقَانُ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ، وَعَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ، وَمَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ الْكُلُّ مُطَالَبٌ بِهِ، وَالْكُلُّ مُحَاسَبٌ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِمَنْ فَرَّطَ وَأَهْمَلَ وَاسْتَبَاحَ. قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: 27]. وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَاتِ: الْإِتْقَانُ فِي الْعَمَلِ؛ وَالْإِتْقَانُ صِفَةٌ نَبِيلَةٌ، وَغَايَةٌ سَامِيَةٌ، وَخُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ، وَشِيمَةُ الْأَبْرَارِ الْمُحْسِنِينَ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَمَرَنَا بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَالْإِتْقَانُ وَالْجَوْدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خُلُقٌ إِسْلَامِيٌّ رَفِيعٌ، اتَّصَفَ بِهِ الْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي إِحْكَامِهِ وَإِتْقَانِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَدَعَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ، وَطَبَّقَهُ وَاقِعًا مَلْمُوسًا فِي حَيَاتِهِ، فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَكُلِّ أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَكَانَتْ حَيَاتُهُ تَتَجَلَّى فِيهَا أَعْلَى صُوَرِ الْإِتْقَانِ وَالْإِحْسَانِ. وَمِنْ مَوَاقِفِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ أَهَمِّيَّةَ الْإِتْقَانِ فِي الْعَمَلِ، مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي».

وَكَيْفَ لَا؟ وَالْمُتْقِنُ لِعَمَلِهِ يُحِبُّهُ اللَّهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 195]. وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ».

وَكَيْفَ لَا؟ وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ شَهَادَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُهُ مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ». وَهَذَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- لِأَمْرِ الْعَمَلِ وَالصِّنَاعَةِ وَالْكَسْبِ بِالْيَدِ، وَأَنَّ الْإِتْقَانَ فِيهِ مَعْنًى عِبَادِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى دُنْيَوِيًّا.

لَحَمْلِي الصَّخْرَ مِنْ قِمَمِ الْجِبَالِ **** أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَنَنِ الرِّجَالِ

يَقُولُ النَّاسُ فِي الْكسبِ عَارٌ * ****فَقُلْتُ الْعَارُ فِي ذُلِّ السُّؤَالِ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، أَمَّا بَعْدُ:

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَلَا فَلْتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْتَرِيِّحٌ !!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: حَدَّدَتْ وِزَارَةُ الأَوْقَافِ أَنْ تَكُونَ الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الِاحْتِيَالِ الْمَالِيِّ وَمُشْكِلَةِ: «الْمُسْتَرِيِّحِ »إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ الظَّوَاهِرِ الَّتِي تَفَشَّتْ فِي بَعْضِ الْمُجْتَمَعَاتِ: ظَاهِرَةَ الِاحْتِيَالِ الْمَالِيِّ بِاسْمِ «الْمُسْتَرِيِّحِ»، وَهُوَ الَّذِي يُوهِمُ النَّاسَ بِالرِّبْحِ السَّرِيعِ وَالْمَكَاسِبِ الْوَهْمِيَّةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيَتَسَبَّبُ فِي ضَيْاعِ الْأَمَانَاتِ وَتَفْكِيكِ الْبُيُوتِ وَإِشَاعَةِ الْحَسْرَةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَحْرِيمِ كُلِّ صُوَرِ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾،
وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ».فَهَذِهِ الظَّاهِرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جَرِيمَةٍ مَالِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ، وَضَرْبٌ لِثِقَةِ الْمُجْتَمَعِ، وَإِفْسَادٌ لِقِيَمِ الصِّدْقِ وَالْإِتْقَانِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الدِّينُ وَالْحَيَاةُ. وَمِنْ هُنَا يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ التَّحَذِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَعَدَمُ الِانْخِدَاعِ بِالْأَوْهَامِ، وَالرُّجُوعُ فِي الْمُعَامَلَاتِ إِلَى الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُنْضَبِطَةِ، وَالْأَنْظِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ الْحُقُوقَ وَتَصُونُ الْأَمْوَالَ. أَلَا فَلْتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْتَرِيِّحُ النَّصَّابُ أَنَّ فِي السَّمَاءِ مَحْكَمَةً قَاضِيُهَا الْإِلَهُ، مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِهَا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، يَوْمٌ تُكْشَفُ فِيهِ السَّرَائِرُ، وَتُرْفَعُ فِيهِ الْحُجُبُ، وَتُرَدُّ فِيهِ الْمَظَالِمُ، وَلَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ وَلَا خِدَاعٌ وَلَا مَكْرٌ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَعَمَلٍ مُتْقَنٍ. أَلَا فَلْتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْتَرِيِّحُ النَّصَّابُ أَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). أَلَا فَلْتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْتَرِيِّحُ النَّصَّابُ، قَوْلَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

أَلَا فَلْتَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْتَرِيِّحُ النَّصَّابُ نَّكَ تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُفْلِسًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا، وَمِيزَانُ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يُظْلَمُ فِيهِ أَحَدٌ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ. والعَبدُ مَسؤولٌ عنْ مَالِه – فِي اكتسابِه وفِي وُجوهِ إنفَاقِه -، قالَ الرَّسولُ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ ‌عُمُرِهِ فِيمَا ‌أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه؟» (رواه الترمذي). حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ