الوهابية… دينٌ بلا جذور وكتبٌ بلا أسانيد
4 مايو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام
بقلم الكاتب : محمد نجيب نبهان
ليس من المبالغة القول إن الوهابية تعيش أزمةَ شرعيةٍ مزمنة، تتجلى في عجزها عن تقديم إنتاجٍ علميٍّ موثَّق أو منظومةٍ معرفيةٍ متماسكة. بل إن معظم رموزها الكبار ليسوا من خريجي المدارس الشرعية العريقة، وإن حصل أن درس أحدهم في مؤسسات علمية كبرى مثل الأزهر الشريف أو جامعة الزيتونة أو جامعة دمشق، فإنه غالبًا ما يدخلها وذهنه مشبع بأفكار الخصومة، ثم يخرج منها ليحارب العلوم نفسها التي تعلّمها على أيدي علماء السنة الأشاعرة والماتريدية الذين شكّلوا عماد البنية العلمية للأمة الإسلامية قرونًا طويلة، من الفقه وأصوله إلى الحديث وعلومه، ومن التفسير إلى البلاغة والكلام.
والمفارقة المؤلمة أن الوهابية لا تملك منهجًا علميًّا مكتمل البنية في البناء المعرفي كما هو الحال في المدارس الكلامية والفقهية التي استقر عليها تاريخ أهل السنة، بل تعيش على هامش التراث الذي أنتجه مخالِفوها، فتأخذ من كتبهم لتطعنهم بها، وتستند إلى نصوصٍ من تراثٍ لا تعترف بشرعيته أصلًا. فجميع كتب المذاهب الفقهية الكبرى التي شكّلت المدونة التشريعية للإسلام السنّي إنما كتبها علماء نشأوا في البيئة العلمية التي صاغها علماء العقيدة الأشعرية والماتريدية، ومن أشهرهم أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، بينما لا نجد في المقابل منظومةً معرفية وهابية مكتملة الأركان تشكّل مدرسة علمية ذات تقاليد راسخة في التعليم والإسناد، وإنما يظهر إنتاجها في مؤسساتٍ أُنشئت لاحقًا وفق رؤيتها الخاصة، لا في سياق السلسلة التعليمية التقليدية التي عرفها العالم الإسلامي عبر القرون.
بل إن المدونة العلمية التي يستند إليها علماء الأمة عبر التاريخ قامت على مفهوم الإسناد المتصل، وهو ما عدّه علماء الحديث من خصائص الحضارة الإسلامية، حتى قال الإمام عبد الله بن المبارك عبارته الشهيرة: “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء”. وقد تجلت هذه القاعدة في كتب الحديث والفقه والتفسير التي نقلت عبر سلاسل علمية متصلة، مثل مصنفات محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج وغيرهما من أئمة الرواية والدراية، حيث حفظت نصوصهم بالمخطوطات المتعددة والروايات المتصلة والتداول العلمي المستمر في حلقات التعليم.
أما في ما يتعلق بالانتساب إلى أحمد بن تيمية، الذي جعلته الوهابية عمودًا فقريًا لبنيتها الفكرية، فإن المسألة العلمية المتعلقة بنسبة الكتب إليه ما تزال موضع نقاش بين الباحثين في التراث المخطوط؛ إذ إن كثيرًا من مؤلفاته وصلتنا عبر جمعٍ متأخر بعد وفاته بقرون، وقد جُمعت أجزاء كبيرة منها في طبعات حديثة اعتمادًا على مخطوطات متفرقة لا تحمل دائمًا أسانيد نقلٍ متصلة كما هو مألوف في كتب الرواية، وهو أمر يثير إشكالًا منهجيًا عند المقارنة بالمدونات الحديثية أو الفقهية التي تداولها العلماء بالسند والتلقي. وقد تناولت دراسات التحقيق الحديثة هذه المسألة عند دراسة التراث المخطوط لعلماء القرون الوسطى، مبينةً التفاوت في درجات التوثيق بين المؤلفات المنسوبة إليهم.
أما ما يُعرف بالقصيدة النونية المنسوبة إلى قحطاني أندلسي مزعوم، فهي مثال واضح على إشكالية النسبة في التراث غير الموثق؛ إذ لا يظهر اسم صاحبها في مصادر التراجم المعروفة، ولا في كتب الأدب الأندلسي، ولا في كتب الطبقات التي اعتادت تسجيل أسماء الشعراء والعلماء، كما لا نجد لها سندًا متصلًا أو ذكرًا في مصنفات معاصريه. وقد حشد كاتبها المجهول كمًّا هائلًا من عبارات السب والطعن في طوائف واسعة من المسلمين، من الفلاسفة إلى المتكلمين إلى الصوفية، بل حتى علماء الأمة الكبار، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى نصٍ جدلي حادٍّ كتب في سياق الخصومة العقدية، لا إلى قصيدةٍ علمية تعبّر عن تقاليد الشعر العقدي المعروف في التراث الإسلامي.
ومن المعروف تاريخيًا أن نشأة الوهابية ارتبطت بسياق سياسي وعسكري في القرن الثامن عشر، عندما تحالف مؤسسها محمد بن عبد الوهاب مع الأمير محمد بن سعود، وهو التحالف الذي أدى إلى قيام الدولة السعودية الأولى. وقد وثّقت المصادر التاريخية هذا التحالف بوصفه مشروعًا سياسيًا دينيًا مشتركًا، امتزج فيه الخطاب العقدي بالقوة العسكرية من أجل بسط النفوذ في الجزيرة العربية، وهو ما جعل كثيرًا من علماء عصرهم ينظرون إلى الحركة باعتبارها ظاهرة سياسية مسلحة أكثر منها مدرسة علمية تقليدية.
وقد كتب عدد من علماء ذلك العصر ردودًا نقدية على هذه الحركة، من بينهم مفتي الحنابلة في مكة أحمد بن زيني دحلان، الذي ناقش أفكارها في سياق الجدل العقدي الدائر آنذاك، كما تناولت كتب التاريخ الحجازي والعثماني أحداث الصدامات التي رافقت توسعها في الجزيرة العربية. وتكشف تلك المصادر أن النزاع لم يكن مجرد خلاف فقهي عابر، بل صراعًا فكريًا وسياسيًا حول طبيعة التدين ومفهوم الجماعة الإسلامية.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن الحركة التي تزعم العودة إلى السلف الصالح لا تقدّم نموذجًا واضحًا لمنهج علمي متصل بالسلسلة التعليمية التي نقلت علوم الإسلام عبر القرون، وهي السلسلة التي قامت على التلقي والإسناد والاعتراف المتبادل بين المدارس العلمية. فكيف يمكن لمذهب يدّعي تمثيل السلف أن يعجز عن إثبات سلسلة علمية متصلة في مصادره ومؤلفاته؟ وكيف يصح أن تُنسب إلى الأمة كلها تهمة الضلال، بينما ظلت علومها ومذاهبها قائمة ومتوارثة عبر قرون طويلة من التعليم والإسناد؟
إن تاريخ الفكر الإسلامي يظهر أن المدارس التي رسخت حضورها في الأمة لم تفعل ذلك بالقوة أو الإقصاء، بل ببناء منظومات معرفية متماسكة قادرة على إنتاج العلم وتوريثه. أما الحركات التي تقوم على القطع مع التراث وتكفير المخالفين، فإنها غالبًا ما تتحول إلى ظواهر جدلية تعيش على صراعها مع غيرها أكثر مما تعيش على إنتاجها العلمي.
وهكذا تبدو الوهابية، في نظر كثير من النقاد والباحثين في تاريخ الفكر الإسلامي، حركةً قامت في لحظة صراع سياسي، واستندت إلى خطابٍ عقدي حادٍّ يرفض معظم التراث الذي صاغ هوية الأمة عبر القرون. ولذلك يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام مدرسة علمية حقيقية لها جذور في تقاليد التعليم الإسلامي، أم أمام حركةٍ أيديولوجية وُلدت من رحم الصراع، ثم حاولت لاحقًا أن تعيد كتابة التاريخ الديني بما يتوافق مع رؤيتها الخاصة؟