غزوة بدر فى الميزان
29 أبريل، 2026
بستان النبوة

المقال السابع عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
وبعد فهذه غزوة بدر وفيها التقى الآباء بالأبناء فارقت بينهم المبادىء ففصلت بينهم السيوف، كان أبو بكر في صفوف المسلمين وابنه عبد الرحمن في صفوف المشركين، وكذلك أبو حذيفة وأبيه عتبة بن ربيعة
لقد انتصر المسلمون في بدرٍ على قلةِ عددهم وضَعْفِ أُهْبتهم، وكثرةِ عدوهم، وقوةِ استعداده، وكم تكون المقارنة فريدةً في نوعها حين نوازن جيش المسلمين في عددِ رجالهِ، بجيش المشركين، فنرى الثاني يبلغُ أكثر من ثلاثةِ أمثال الأول.
ولو انتقلنا إلى مقارنة السلاح الحاسم في المعارك حينئذٍ وهو سلاح الفرسان لأذهلتنا نتيجة المقارنة، بين فارسين اثنين مسلمين، وبين مائةٍ من فرسان المشركين على خيلٍ عددها مائة… وإذا مضينا في مقارنتنا هذه، وانتقلنا إلى تسليح الجيش، وجدنا أن تسليح رجال قريش أتم وأثقل بكثيرٍ فقد سُلِّح الجيش كله بالدروع والسيوف والنِّبال. فلو أخذت الأمور بالمقاييس العادية، وبالمنطق المألوف لكانت الهزيمة على المسلمين أمراً محققاً.
فما أسباب هذا النصر مع ذلك التفاوت البيِّن بين الفئتين؟ وما السرُّ أن هذه القلة تغلب تلك الكثرة المستعدة غلباً يقلب ميزان التقدير، وتنعكس فيه النتيجة.
ثمة أسباب عديدة تمخَّضت عن انتصار المسلمين في معركة بدرٍ الحاسمة، و أهم هذه الأسباب التي تفسِّر لنا هذا الانتصار المذهل الذي حققه المسلمون ضد أعدائهم الذين يفوقونهم عدة وعدداً وأول هذه الأسباب:
1-القيادة الموحدة:
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون في المعركة كيدٍ واحدة تحت قيادته يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسم. وكانوا ينفذون أوامر قائدهم بحرصٍ شديدٍ وأمانةٍ رائعة.
أما المشركون فقد خرجوا مفككين لا تربطهم قيادةٌ واحدةٌ، ولا يجمعهم رأي واحد. فلم يدخلوا المعركة إلا والنفوس مشحونة بالضغينة، والقلوب مشتتة موزعة هنا وهناك، والأهواء متباينة في حين دخلها المؤمنون وكلمتهم واحدة، وقيادتهم واحدة، وهدفهم واحد…
وكان المشركون تحت قيادةٍ هوجاء متكبرة، وكان المسلمون تحت قيادةٍ حكيمةٍ رحيمةٍ مُحبَّبة إلى النفوس.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسوّي نفسه مع أصحابه في كل شيء، لم يستأثر بالدعة والأمن، ولم يؤثر نفسه بالراحة والاطمئنان.
فكان صلى الله عليه وسلم يأبى إلا أن يشارك أصحابه في تعبهم وراحتهم، وإلا أن يأخذ دوره في المشي وفي الركوب كواحد منهم فيقول له رفيقاه: اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك. فيقول لهما:« ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما».
ومع ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قدرٍ، وما كان له من مكانةٍ فإنه لم يشمخ في قلاعٍ مشيّدة، وعلى فرش وثيرة، وآرائك ناعمة، يطل على الناس من عل يباركهم ببسمة أو كلمة أو بيد ملوحة، وإنما افترش مع الناس الحصى، وأظله عريش من سَعْف النخل.
وعلى الرُّغم مما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عصمةٍ تقوم على النبوة والرسالة والوحي، فإنَّ ذلك لم يمنع المسلمين أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأيهم، وأن يعلنوا ما يعتقدونه صواباً ليُلاقوا من نبيهم كل تجاوب وتعاطف ورضى. فإن الشورى من صفات القيادة الناجحة، والمجتمع المؤمن والله سبحانه يقول: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ” آل عمران:159 . لقد كانت حصيلة هذه المواقف واستشاراته كلها نصراً مؤزراً لجند الحق، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ظلال أي حكمٍ يمكن لجندي بسيط أن يناقش قائد الجيش والدولة، في خطة حربية نفذها القائد وهو منها على خطوات؟ إنَّ مثل هذه الروح ومثل هذا الجو الحواري الهادئ ليسمو على كل ما تسمو به مفاهيم الديمقراطية الحديثة…
إنها الشورى التي تفسح صدر القائد مهما علت مكانته لجندي من الجنود… إنها الشورى التي تبدو في رحابها الأنظمة الديمقراطية المتبجحة الزائفة قزماً قميئاً ودمية من الدُّمى لا روح فيها ولا حياة.
-التكتيك لأمر القتال والأخذ بالأسباب المادية :
بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يصف الصفوف، وكانت هذه أول مرة يحارب فيها العرب في صف الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لذا كان حريصًا على جعل الصف متساويًا ومتراصا في منتهى النظام، وبدأ الرسول عليه الصلاة والسلام يلقي على جيشه بعض الأوامر العسكرية لتنظيم العملية الحربية، قال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبال، واستبقوا نبلكم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» فأمرهم بالرمي عليهم عند الاقتراب، حتى لا يطلقوا السهام والكفار لا يزالون بعيداً فلا تصل السهام إليهم.
وأحياناً يكون المقاتل في حالة عصبية شديدة، ويطلق السهام في كل مكان بدون تركيز، وهذا يضيع الذخيرة على المسلمين، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لا تطلقوا هذه السهام إلا عندما يقتربون ويصبحون في مرمى السهام بعد ذلك ابدءوا في ضربهم، في رواية البخاري يقول: (واستبقوا نبلكم) أي: حافظوا على الذخيرة، ولا تقوموا بإهدار هذه السهام، ثم يقول: (ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم لا ترفعوا السيوف من أغمادها إلا بعد أن يقترب الجيش تمامًا.
إن هذا التكتيك النبوي يحتاج منا إلى وقفة؛ فهو يعني هذا الأمر أن يؤخِّروا قذف السهام من الأقواس على جيوش الأعداء حتى يقتربوا منهم، لتكون الإصابات مُسدَّدة مركزة، وهو نفس المبدأ الذي تستخدمه الجيوش الحديثة عند إطلاق النيران، ويعرف باسم كبت النيران لتصيب كل رمية مَقْتلاً، ثم إنَّ مقابلة العدو بوابل منهمر من السهام من مسافة قريبة يروع العدو ترويعاً شديداً بينما يطيش الرمي على المسافات البعيدة ويكشف مواقع الرماة، وهذا المبدأ الحربي الذي ما زال إلى اليوم هو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن عوامل النصر الحاسم في هذه المعركة الخالدة ما اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسس العسكرية البالغة غاية البراعة فلقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة المعركة بحذق ليس له مثيل، فقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم في مسير الاقتراب من المدينة إلى بدر تعبئة جديدة فكان لهم مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة واستفاد من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات الكافية عن قوة العدو ومواقعه.
ولقد برهن الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع تصرفاته على عبقرية حربية فذة فلم يرض أن يكون جيشه خليطاً من المسلمين والمشركين فقد حدثت عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلما كان بحرة الوبر أدركه رجل فيه جرأة ونجدة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئت لأتبعك وأصيب معك: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: كلا قال: فارجع فلن نستعين بمشركٍ. ثم أدركه الرجل بموضع آخر فقال مثل قولته . ثم أدركه بالبيداء فقال: أتؤمن بالله ورسوله ؟ قال: نعم، قال: انطلق. وبذلك لم يخرج في هذه المعركة إلا كل مؤمن مبايع خالص الإيمان وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يسلكه كل قائد مؤمن يذهب إلى الميدان.
إن من عوامل النصر الأساسية: القوى المعنوية… التي معدنها الفياض العقيدة الصحيحة، فليست كثرة العدد، ولا ضخامة الاستعداد، هي السبب الحقيقي في النصر… إنما أسباب النصر في صلاح العقيدة وقوة الإيمان بها، وطول الصبر عليها، وصدق الجهاد في سبيلها. وإن بلغت القلة المؤمنة ما بلغت من الضعف، وبلغت الكثرة الكافرة ما بلغت من القوة: “وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ” القصص:5 .
وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو ـوهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنةـ لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، ولتنتصر العقيدة بقوتها على الكثرة بعتادها، فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد، وأن على أصحاب العقيدة الحقة أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة، غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوةً أخرى لها ثقلها في الميزان، وأن هذا ليس كلاماً يقال وإنما هو واقع للعِيان…
ويقول د راغب السرجاني في السيرة النبوية: “فمن صفات الجيش المنصور: الإعداد الجيد والأخذ بكل أسباب النصر المادية، والعمل بكل ما هو متاح في اليد لتحقيق النصر، وقد رأينا كيف حصلت المخابرات الإسلامية على أخبار جيش مكة، ورأينا الموقع العسكري المتميز الذي نزلوا فيه، ورأينا التوجيهات العسكرية الحكيمة، ورأينا الصفوف والترتيب، وسنرى أيضاً مهارة القتال وقوة الضربات والشجاعة والإقدام والاحترافية في الحرب، فهو إعداد في منتهى الروعة، إذ الجيش كله يتكون من فرسين وسبعين جملاً، وعدة المسافر ليست عدة المحارب، لكن هذه هي الإمكانيات التي في استطاعتهم، والرسول صلى الله عليه وسلم أعد كل ما في استطاعته؛ لذلك ليس غريباً أن تجد في سورة الأنفال قوله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ” الأنفال:٦٠ .