سيناء في الوجدان المصري  من ملحمة التحرير إلى أمانة الأجيال

بقلم الدكتور : محمد القاسم

عيد تحرير سيناء ليس مجرد ذكرى وطنية تُستعاد في التقويم، بل هو لحظة وعيٍ متجددة تستحضر معنى الأرض حين تُسترد، ومعنى الإنسان حين يثبت، ومعنى التاريخ حين يُكتب بدمٍ لا يُمحى. 

ففي مثل هذه الأيام، لا تحتفل مصر بحدثٍ سياسي فحسب، بل تستدعي سيرة صراع طويل بين احتلالٍ غاشم وإرادةٍ لا تنكسر، حتى عادت سيناء إلى حضن الوطن، طاهرةً كما كانت، وعزيزةً كما ينبغي.

سيناء في الوجدان المصري ليست مجرد جغرافيا، بل رمزٌ ممتدّ بين السماء والأرض؛ فيها تجلّت أنوار الرسالات، وعلى رمالها سُطّرت صفحات البطولة. هي الأرض التي شهدت عبورًا عسكريًا فذًّا، ثم عبورًا سياسيًا أكثر تعقيدًا، حتى اكتمل التحرير بإرادةٍ واعية تجمع بين القوة والحكمة. ومن هنا، فإن تحرير سيناء لم يكن انتصار سلاح فقط، بل انتصار عقلٍ يُحسن إدارة الصراع، وقلبٍ لا يفرّط في حقه.

وطنٌ إذا ما ضاعَ ضاعَت كرامتي

وإذا حفظتُهُ حفظتُ مقامي

فالوطن، في هذا التصور، ليس مساحةً تُقاس، بل قيمةٌ تُصان، وكرامةٌ لا تُجزّأ.

والوطن مهما اشتدّت عليه المحن، يظلّ موضع الانتماء الأول، ومصدر الكرامة الذي لا يُستبدل.

 وسيناء تحديدًا تجسّد هذا المعنى في أنقى صوره؛ أرضٌ دفعت ثمن حريتها غاليًا، فصارت رمزًا للفداء والصمود.

وإذا أردنا قراءة هذه الذكرى قراءةً منهجية، فإننا نجد أنها تقدّم نموذجًا مركّبًا لتحرير الأرض: يبدأ بالإعداد العسكري، ويمرّ بالتخطيط الاستراتيجي، وينتهي بإدارة تفاوضية دقيقة تستردّ الحقوق كاملة. وهذا النموذج ينبغي أن يُدرّس للأجيال، لا بوصفه تاريخًا مضى، بل بوصفه منهجًا في التفكير والعمل، حيث تتكامل القوة مع الوعي، والإرادة مع الصبر.

ومن هنا تأتي الوصية للأجيال: لا تنظروا إلى سيناء كقصة انتهت، بل كمسؤولية مستمرة. فالحفاظ على الأرض لا يقلّ شأنًا عن تحريرها، وبناؤها وتنميتها هو الامتداد الحقيقي لمعركة التحرير. ازرعوا في نفوسكم قيمة الانتماء، وتعلّموا أن الأوطان لا تُصان بالشعارات، بل بالعمل الجاد، والعلم الراسخ، والوعي الذي يميّز بين العاطفة الصادقة والفعل المؤثر.

إن عيد تحرير سيناء يذكّرنا بأن الأمم التي تعرف قدر أرضها، وتدرك ثمن حريتها، قادرة على أن تصنع مستقبلها مهما تعاظمت التحديات. وسيناء ستظل شاهدًا حيًّا على أن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع، وأن الإرادة إذا صدقت، بلغت غايتها.