سلسلة البَيْتُ ‌السَّعِيد (التيسير في الزواج)

سلسلة البَيْتُ ‌السَّعِيد
الحلقة الثانية: (التيسير في الزواج)
بقلم د / مدحت علي أحمد وربي 

 

قال الله تعالي :في الآية الكريمة من سورة النور (٢٤:٣٢) ﴿ ‌وَأَنْكِحُوا ‌الْأَيامى ‌مِنْكُمْ ‌وَالصَّالِحِينَ ‌مِنْ ‌عِبادِكُمْ ‌وَإِمائِكُمْ ‌إِنْ ‌يَكُونُوا ‌فُقَراءَ ‌يُغْنِهِمُ ‌اللَّهُ ‌مِنْ ‌فَضْلِهِ ‌وَاللَّهُ ‌واسِعٌ ‌عَلِيمٌ (32)(سورة النور (24) ﴾ ،والمعني باختصار : – أيها المؤمنون – زوّجوا الرجال الذين لا زوجات لهم، والحرائر اللاتي لا أزواج لهنّ، وزوّجوا المؤمنين من عبيدكم ومن إمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله الواسع، والله واسع الرزق، لا ينقص .

المهر هو ذلك المال الذي يدفعه الزوج لزوجته عن طيب نفس، دون مماطلةٍ أو بَخس، ويكون مِلكًا لها تتصرف فيه؛ قال – تعالى -: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4].

وقد يتفاوت مقدارُه حسب الأشخاص والبلدان والعادات والأعراف، ولكن الأمر المتفق عليه، والضرورة تستدعيه، والحاجة ماسة إليه: هو التيسيرُ والتسهيل؛ سعيًا لمصلحة الزوجين.

عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (أخرجه البخاري (5086)، ومسلم في كتاب النكاح رقم (85)) .

كان أنسُ بن مالك – رضي الله عنه – يقول: “سبى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – صفيَّةَ، فأعتقها، وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدَقَها؟ قال: أصدقها نفسها، فأعتقها”[ صحيح البخاري ح4201]، وذكر ابن حجر: أن صفية – رضي الله عنها – قالت: “أعتقني النبي – صلى الله عليه وسلم – وجعَل عِتقي صداقي”، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا، وقال ابن الجوزي: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فَوَّتَهُ حيث جعله مهرًا، وكان يمكن جعل المهر غيره؟

فالجواب: أن صفيةَ بنتُ ملِكٍ، ومثلها لا يقنع إلا بالمهر الكثير، ولم يكن عنده – صلى الله عليه وسلم – إذ ذاك ما يُرضيها به، ولم يُرِدْ أن يقصر فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرفُ من المال الكثير[انظر: فتح الباري 9/129، مجلة التوحيد، العدد 74، غلاء المهور خطر يهدد الأسرة/ شوقي عبدالصادق.].

وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْت: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – لِأَزْوَاجِهِ. أخرجه مسلم برقم (1426)..

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «أَعْطِهَا شَيْئًا» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟»( نسية لحطمة بن محارب الذي يعملون الدروع) أخرجه أبوداود (2125)، والنسائي (6/ 130).

فهل للصداق حد لأقله وأكثره ؟
أما أكثره؛ فلا حد له عند أهل العلم، ونُقِل إجماعًا، قال تعالى: { وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ ‌إِحْداهُنَّ ‌قِنْطاراً ‌فَلا ‌تَأْخُذُوا ‌مِنْهُ ‌شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) } [النساء:20].

وأما أقله فاختلف فيه أهل العلم، فذهب أكثرهم إلى أنه لا حدَّ لأقله، وهو قول الحسن، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود وغيرهم، واستدلوا على ذلك .

بحديث عن سهل ابن معاذ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم فقالت: إني وهبت منك نَفْسِي. فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، قَالَ: (هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا) قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي، فَقَالَ: (إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا). فَقَالَ مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ: (‌الْتَمِسْ ‌وَلَوْ ‌خَاتَمًا ‌مِنْ ‌حَدِيدٍ). فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: (أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شيء). قال: نعم، سورة كذا، سورة كذا، لسور سماها، فقال: (زوجناكها بما معك من القرأن)، ( أخرجه مسلم رقم: 1425) .

عن أنس – رضي الله عنه – قال: “خطب أبو طلحةَ أمَّ سُليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة يُرَد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوَّجك، فإن تُسلم، فذاك مهري، وما أسأَلُك غيره، فأسلَم، فكان ذلك مهرَها”[ سنن النسائي، ح3341، صحيح ابن حبان ح 7187].

وقالوا: لم يأت نصٌّ في تحديد أقله أي الصداق والمهر، ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقًا يضرُّ بِهِ إن نقده، ويعجز عن وفائه إن كان دينًا.

* وقال مالك: أقله ثلاثة دراهم؛ لأنه حد قطع اليد.
‌‌• وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم؛لأنه ،وهو حد السرقة عنده .

* وعن سعيد بن جبير: خمسون درهمًا ، والصحيح أنه لا حَدَّ لأقَلِّه، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم.

ما هو المقدارالمستحب عند القدرة واليسار؟

الأفضل استحباب تخفيف الصداق، وأن لا يزيد على نساء النبي – صلى الله عليه وسلم – وبناته، فقد روت أمنا عائشة -رضي الله عنها- عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «أن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة»،( أخرجه أحمد (6/ 82) (6/ 145).
قال أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني تزوجت إمرأةً من الأنصار، فقال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق. فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «على أربع أواق، فكأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه»، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، فبعث ذلك الرجل فيهم” . أخرجه مسلم برقم (1424)

والأوقية عندهم أربعون درهمًا، وهي مجموع الصداق ليس فيه مقدم ومؤخر.

وعن أبي عمرو الأسلمي أنه ذكر أنه تزوج إمرأة فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – يستعينه في صداقها، فقال: «كم أصدقت؟» قال: فقلت: مائتي درهم.

فقال: «لو كنتم تغرفون الدراهم من أوديتكم ما زدتم» ( أخرجه أحمد (3/ 448)… وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته، وهو ينوي أن لا يعطيها إياه؛ كان ذلك حرامًا .

وارتفاع المهر فيه تعالي أو استكبارعلى الناس وهو كبيرة من الكبائر قال تعالى ( {‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌كُلَّ ‌مُخْتَالٍ ‌فَخُورٍ} [لقمان: 18] ، يَعْنِي: «كُلَّ مُتَكَبِّرٍ») ، فإن جمع بين ذلك وبين الكذب بإظهار أن مهر ابنته كذا وهو في الحقيقة أقل فقد جمع بين كبيرتين هما الفخروالكذب وهو ما يوجد عند بعض الجهلة بأحكام الشريعة الإسلامية.

ومن هنا فإننا ننادي بالتخفيف في المهور وتجنب الكذب …وهذا فيه تيسير لأمر الزواج ومساعدة الشباب على العفة والبعد عن المحرمات وقد تم قيام أسعد البيوت بتيسيرالصداق والمهورمن ذلك( قصتين ).

القصة الأولي : زواج سيدنا سعيد بن المسيب رضي الله عنه :
سعيد بن المسيب – رحمه الله تعالى – وهو أحد كبار التابعين لم تفُته تكبيرة الإحرام أربعين سنة في مسجد النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – كان يتردد عليه طلبة العلم، ومن ضمن الذين كانوا يترددون عليه ويحافظون على حضور دروسه تلميذٌ نبيهٌ يسمَّى عبدالله بن أبي وداعة، فافتقده سعيد بن المسيب أيامًا، فدخل عليه بعدها، فقال: أين كنت يا عبدالله؟ قال: لقد توفِّيَت زوجتي فانشغلت بها، قال: ألا آذنتَنا حتى نحضرَها؟!
ثم قال له: يا عبدالله، هل أحدثت زوجًا غيرها؟ هل تزوَّجْتَ غيرها؟ قال: يرحمك الله يا إمام، ومن يزوجني ولا أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟! قال: أنا أزوجك، قال: وتفعل؟!
قال: نعم، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه – صلى الله عليه وسلم – وزوَّج تلميذه بدرهمين، قال عبدالله: فخرَجْتُ وأنا مهموم، من أين أستدِين؟!

ومن أين أوفر الصداق؟! ومن أين آتي بالمال؟!
فبينما كنت في منزلي بعد صلاة المغرب، وكنت صائمًا وقد قربت فطوري وكان خبزًا وزيتًا، قال: فإذا بالباب يطرق، فقلت: من؟ قال: سعيد، قال: فحضرني كلُّ من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه لم يغادر بيته إلا إلى مسجده منذ أربعين عامًا، قال: ففتحت الباب فإذا سعيد بن المسيب، إمام أهل المدينة العالم الكبير، قال: قلتُ: يرحمك الله لو أرسلتَ إليَّ لأتيتك، قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، إني تذكَّرت أنك رجل كنت ذا زوجة، وأنك تبيت عزبًا هذه الليلة، فخشيت أن تبيت وحدَك وهذه زوجتك، قال: فدفعها إليَّ وأغلق الباب، قال: فوجدتها من أحفَظ النساء لكتاب الله ولسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن أجمل ما رأت عيناي، وكانت ابنة سعيد بن المسيب هذه قد خطبها عبدُالملك بن مروان خليفة المسلمين لابنه ولي عهد المسلمين الوليد بن عبدالملك، فأبى أن يزوِّجَه إياها[8].

والقصة الثانية : لزواج سيدنا الإمام شريح القاضي ..
رُوِي أن ‌شريحًا ‌القاضي ‌قابل ‌الشعبي ‌يومًا، فسأله الشعبي عن حاله في بيته، فقال له: ” من عشرين عامًا لم أر ما يغضبني من أهلي “، قال له: ” وكيف ذلك؟
” قال شريح: ” من أول ليلة دخلت على امرأتي، رأيت فها حسنَا فاتنًا، وأدبا نادرًا، قلت في نفسي: فَلْأطَّهَّر وأصلي ركعتين شكرا لله، فلما سلمت وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء، قمت إليها، فمددتُ يدي نحوها “، فقالت: ” على رِسلك يا أبا أمية، كما أنت “، ثم قالت: ” الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلى على محمد وآله، إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأتركه “، وقالت: ” إنه كان في قومك من تتزوجه من نسائكم، وفي قومي من الرجال من هو

‌‌ كفء لي، ولكن إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، وقد ملكت فاصنع ما أمرك به الله، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا، وأستغفر الله في ولك..! “.
قال شريح: فأحوجتني – والله يا شعبي – إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأسلم، وبعد: فإنكِ قلت كلامَا إن ثَبَتِّ عليه يكن ذلك حظك، وإن تَدَعِيه يكن حجة عليكِ، أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما رأيتِ من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها! “.

فقالت: ” كيف محبتك لزيارة أهلي؟ ” قلت: ما أحب أن يُمِلَّني أصهاري “، فقالت: ” فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك فآذن له، ومن تكره فأكره؟ “.

قلت: ” بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.

قال شريح: ” فبت معها بأنعم ليلة، وعشت معها حَوْلًا لا أرى إلا ما أحب، فلما كأن رأس الحول جئت من مجلس القضاء، فإذا بفلانة في البيت، قلت: ” من هي؟ ” قالوا: ” ختنك ” – أي أم زوجك – حماتك -، فالتفتت إلي، وسألتني: (كيف رأيت زوجتك؟ ” قلت: ” خير زوجة “، قالت: ” يا أبا أمية إن المرأة لا تكون أسوأ حالَا منها في حالين: إذا ولدت غلامًا، أو حظيت عند زوجها، فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شرا من المرأة المدللة، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب ” فمكثت معي عشرين عاما لم أعقب عليها في شيء إلا مرة، وكنت لها ظالما) .انظر: ” أحكام النساء ” لابن الجوزي ص (134 – 135) .

وعن عمرَ بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: “ألا لا تغالوا في صُدُقِ النساء؛ فإنه لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى، لكان أَولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يصدق أحدًا من نسائه، ولم يصدق أحدًا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليُغالي بصداقِ امرأته حتى يبقى لها في نفسه عداوة”[ سنن أبي داود ح 2106، ص240، جامع الترمذي ح 1114 ].

وختاما … نداء ورجاء لجميع أولياء الأمور: ارفُقوا ببناتكم وأولادكم ومن ولاكم الله عليهن، وانظروا إلي ما يصلحهم ومصلحتهن، واقتدوا برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحبه الكرام – رضي الله عنهم – والتابعين والصالحين من الأمة الخير والسعادة وتساعدوا في تأسيس البيوت علي السعادة .
الفقير لعفو ربه وستره ورحمته وكرمه وفضله