السر الجامع بين الإمام الشاذلي والإمام الجيلاني في ميزان الإحسان النبوي


بقلم الشيخ : حسن حفني

باحث وكاتب في التصوف الإسلامي


السر الجامع بين سيدي الإمام أبي الحسن الشاذلي وسيدي الإمام عبد القادر الجيلاني في ميزان الإحسان النبوي

بداية طريق التصوف من داخل بِنية الإنسان إلى مقام الإحسان

إذا أُريد لهذا الموضوع أن يُتناول تناولًا علميًا منضبطًا فلا بد من ردّه إلى أصله الأول الذي لا يُتجاوز وهو أن الطريق إلى الله في الإسلام ليس تعدد مسالك بقدر ما هو وحدة مصدر وكل ما يظهر من اختلاف بين مدارس السلوك إنما هو اختلاف تنوّع في عرض الحقيقة الواحدة لا اختلاف تضاد في أصلها لأن الميزان الذي تُوزن به الطرق جميعًا هو هدي النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا

ومن هنا فإن الحديث عن سيدي الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وسيدي الإمام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه لا ينبغي أن يُفهم في إطار المقارنة بين طريقين بل في إطار الكشف عن البنية المشتركة التي انبثقت من المنهج النبوي ثم تلوّنت بحسب مقتضيات التربية واختلاف أحوال السالكين

وهنا يطرح سؤال منهجي دقيق
هل الاختلاف بين مدارس التصوف اختلاف في الغاية أم في طريقة المعالجة؟

التحقيق يدل على أن الغاية واحدة وهي تحقيق العبودية الخالصة لله والوصول إلى مقام الإحسان الذي عرّفه النبي ﷺ بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ولكن الاختلاف يقع في مواضع المعالجة التربوية بحسب طبيعة العوائق التي تعترض السالك

وهنا يظهر أن المنهج النبوي قد جمع أصول الطريق كلها في صورة متوازنة لا يطغى فيها جانب على آخر فقد قرر القرآن الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل فقال تعالى
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
وقال
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا

وفي السنة قال ﷺ
اعقلها وتوكل
فجمع بين ربط السبب وعدم الركون إليه وبين الفعل القلبي المتمثل في التوكل

وهذا الجمع هو الذي يمثل البنية الأصلية التي انطلقت منها مدارس السلوك

وفي هذا السياق يمكن فهم منهج سيدي الإمام الشاذلي رضي الله عنه بوصفه معالجة لانحراف دقيق يقع فيه السالك حين يختل توازنه مع الأسباب إما بالاعتماد عليها أو بتركها فجاءت تربيته لتعيد ضبط العلاقة بها وليس بإلغائها بل بتحرير القلب منها

فلم يكن يدعو إلى ترك الدنيا ولا إلى الانقطاع عن الأسباب بل إلى تصحيح موقعها في القلب وقد عبّر عن ذلك بقوله ليس الشأن أن تترك الدنيا ولكن الشأن أن يتركك حبها فبيّن أن العلّة ليست في الفعل الظاهر بل في التعلق الباطن

وهذا المعنى يعكس فهماً دقيقًا لطبيعة النفس الإنسانية التي تميل بطبعها إلى التعلق بما تراه سببًا في تحصيل مصالحها فإذا لم تُربّ على التمييز بين السبب والمسبب تحولت الأسباب إلى حُجب تحول بينها وبين الله

ومن هنا كان عمل الشاذلي على تفكيك هذا التعلق دون تعطيل حركة الإنسان في الدنيا فجمع بين العمل الظاهر والتجرد الباطن وهو عين ما قرره المنهج النبوي

وفي المقابل نجد أن سيدي الإمام الجيلاني رضي الله عنه قد ركّز على موضع آخر من مواضع الخلل وهو تضخم الذات وظهور دعوى النفس لأن أخطر الحجب التي تحول بين العبد وربه ليست فقط التعلقات الخارجية بل البناء الداخلي للنفس الذي يُنتج شعور الاستغناء أو الاعتماد على الحول والقوة

فجاء منهجه قائمًا على كسر هذا البناء من جذوره وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بنفسه على أساس العبودية الخالصة وقد قرر هذا الأصل بقوله كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة فربط بين صدق الحال وانضباطه بالميزان النبوي حتى لا يتحول السلوك إلى تجربة ذاتية منفلتة

وهذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا لبنية النفس التي قد تتخفى خلف العمل الصالح فتدخله بدوافع خفية كحب الظهور أو الشعور بالفضل أو انتظار التقدير وهنا يصبح العمل في ظاهره طاعة وفي باطنه تغذية للنفس

وقد أشار سيدي الإمام الفضيل بن عياض رضي الله عنه إلى هذا المعنى حين قال ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما فبيّن أن الإشكال لا يكمن في الفعل وحده بل في الدافع الذي يحركه

ومن هنا يتضح أن عمل الإمام الجيلاني كان منصبًا على تفكيك هذه البنية الداخلية التي تُفسد العمل دون أن يشعر صاحبها وإعادة بناء النفس على أساس الصدق والتجرد

وعند الجمع بين المنهجين يظهر المعنى الكلي
أن الإمام الشاذلي يعالج تعلق القلب بالأسباب
والإمام الجيلاني يعالج تعلق القلب بالنفس
وكلاهما يعيد السالك إلى أصل واحد هو تحقيق العبودية على ميزان النبي ﷺ

وهنا يتأكد أن ما نتناوله ليس مجرد طرح نظري بل هو بناء تربوي متكامل مستمد من أصول التراث الصوفي تتبناه مدرسة السلسلة النورانية الرفاعية ضمن مشروع بِنية الإنسان حيث لا يُقدَّم التصوف بوصفه خطابًا بل يُقدَّم باعتباره منهجًا يعيد تشكيل بنية الإنسان من الداخل حتى يبلغ مقام الإحسان

وهذا البناء لا يتحقق إلا بجمع الأصول الثلاثة التي قررها المنهج النبوي
الأخذ بالأسباب دون تعلق
التوكل دون تعطيل
مجاهدة النفس دون إفراط أو انكسار

فإذا اختل أحد هذه الأصول اختل التوازن
فمن اعتمد على الأسباب وقع في التعلق
ومن تركها وقع في التواكل
ومن جاهد نفسه بغير علم انحرف
ومن تركها بقي أسيرًا لها

ولهذا قال سيدي الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة لأن هذا القيد هو الذي يحفظ وحدة المنهج ويمنع انحرافه

ومن هنا يظهر الفرق بين السلوك الحقيقي والدعوى
السلوك يبدأ من الداخل ويتجلى في الخارج
والدعوى تبدأ من الخارج ولا تصل إلى الداخل

السلوك يُنتج تواضعًا وصدقًا
والدعوى تُنتج صورة وانشغالًا بالنفس

وعند هذه النقطة يتضح أن السر الذي أشار إليه أهل الطريق بقولهم إن مشربهم واحد لا يُفهم بوصفه اشتراكًا في الأسماء ولا تقاربًا في المقامات بل يُفهم بوصفه وحدة في المصدر لأنهم جميعًا يستقون من مشكاة واحدة هي هدي النبي ﷺ

فالسر ليس في الأشخاص
ولا في الطرق
بل في الطريق الذي جمعهم

طريق النبي ﷺ الذي قال الله فيه
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

وعند هذا الحد يمكن القول إن الطريق قد بدأ فعلا ليس بوصفه تصورًا ذهنيًا ولا حالة شعورية بل بوصفه التزامًا عمليًا يعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالأسباب وبربه وفق ميزان النبوة

ومن هنا يبدأ الصدق
ومن هنا تبدأ التربية
ومن هنا يبدأ السير إلى الله