خطبةُ الجمعة القادمة : ( الأرضُ المباركةُ سيناءُ) للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز


خطبةُ الجمعة القادمة : ( الأرضُ المباركةُ سيناءُ)  

للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز

بِتَارِيخِ 6 ذو القعدة 1447هـ / 24 إبريل 2026م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
alard almobaraka – mohamed herz

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِوَطَنٍ مِنْ خِيرَةِ الأَوْطَانِ، وَنَشَرَ عَلَيْنَا فِيهِ مَظَلَّةَ الأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التِّينِ: 1-3]. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، الْقَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ… فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102).

عِبَادَ اللَّهِ: ((الأَرْضُ الْمُبَارَكَةُ سِينَاءُ)) عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

  • عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

  • أَوَّلًا: سِينَاءُ أَرْضُ التَّجَلِّيَاتِ.

  • ثَانِيًا: سِينَاءُ أَرْضُ الْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ.

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الْمُغَالَاةِ فِي الْمُهُورِ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ سِينَاءُ، وَخَاصَّةً وَهَؤُلَاءِ الصَّهَايِنَةُ الَّذِينَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، يُرِيدُونَ تَهْجِيرَ أَهْلِ غَزَّةَ إِلَى سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ، وَمِنْ ثَمَّ يَضْرِبُونَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءُوا بِحُجَّةِ الْإِرْهَابِ، لَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، بِقِيَادَةِ مِصْرَ الْحَكِيمَةِ الرَّشِيدَةِ، وَبِشَعْبِهَا الْأَبِيِّ الْيَقِظِ، أَيْقَنُوا خُطُورَةَ الأَمْرِ وَخُطُورَةَ اللُّعْبَةِ، فَرَفَضُوا رَفْضًا تَامًّا، وَأَعْلَنُوهَا صَرِيحَةً: أَيُّ مُحَاوَلَةٍ لِلتَّعَدِّي عَلَى مِصْرِنَا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَسِينَاءَ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، فَلَنْ تَقِفَ مِصْرُ مَكْتُوفَةَ الأَيْدِي، فَمِصْرُ تَتَحَمَّلُ الأَشِقَّاءَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهُمْ عَلَى الْعَيْنِ وَالرَّأْسِ، وَالْوَاقِعُ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى مَا أَقُولُ، لَكِنْ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِتَصْفِيَةِ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ، وَيَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِسِيَادَةِ مِصْرَ وَأَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، فَلَا وَأَلْفُ لَا، قَالَهَا فَخَامَةُ الرَّئِيسِ، وَقَالَهَا الشَّعْبُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَخَاصَّةً وَأَرْضُ سِينَاءَ ارْتَوَتْ بِدِمَاءِ شُهَدَائِنَا لِتَحْرِيرِهَا مِنْ يَدَيِ الْعَدُوِّ الْغَاشِمِ، وَالتَّخَلِّي عَنْهَا خِزْيٌ وَعَارٌ، وَالدِّفَاعُ عَنْهَا عِزَّةٌ وَكَرَامَةٌ وَرُجُولَةٌ وَشَهَامَةٌ وَشَهَادَةٌ.

مِصْرُ الْكِنَانَةُ مَا هَانَتْ عَلَى أَحَدٍ *** اللَّهُ يَحْرُسُهَا عَطْفًا وَيَرْعَاهَا
نَدْعُوكَ يَا رَبِّ أَنْ تَحْمِي مَرَابِعَهَا *** فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَاللَّيْلُ نَجْوَاهَا

  • أَوَّلًا: سِينَاءُ أَرْضُ التَّجَلِّيَاتِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: شَاءَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِأَنْ فَضَّلَ الأَمَاكِنَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فَفَضَّلَ مَكَّةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الأَمَاكِنِ بِأَنْ جَعَلَ فِيهَا الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَفَضَّلَ الْجِنَانَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَفَضَّلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْجِنَانِ بِأَنْ جَعَلَ سَقْفَهَا عَرْشَ الرَّحْمَنِ، وَفَضَّلَ النَّاسَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) (النحل: 71)، وَفَضَّلَ الأَنْبِيَاءَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَفَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَفَضَّلَ الشُّهُورَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فَفَضَّلَ شَهْرَ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ بِأَنْ جَعَلَهُ شَهْرَ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ، وَفَضَّلَ الأَيَّامَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَفَضَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَيَّامِ بِأَنْ جَعَلَهُ خَيْرَ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ، وَفَضَّلَ اللَّيَالِي بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَفَضَّلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ اللَّيَالِي بِأَنْ جَعَلَهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.. وَمِنَ الأَمَاكِنِ الَّتِي فَضَّلَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ طُورُ سِينَاءَ الْمُبَارَكُ.

وَسِينَاءُ أَيُّهَا الأَخْيَارُ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ الْغَالِيَةِ، وَلَهَا مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمُمَيَّزَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، حَيْثُ وَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي قُرْآنِهِ بِأَوْصَافٍ عَدِيدَةٍ وَكَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا وَمَكَانَتِهَا: فَهِيَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) [القصص: 30]. وَوَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِالأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 11-14].

وَسِينَاءُ أَرْضٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ أَيْ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، وَطُورِ سِينِينَ أَيْ: جَبَلُ الطُّورِ بِسِينَاءَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ أَيْ: مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ. وَرَبَطَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بَيْنَ جَبَلِ الطُّورِ وَالْكَعْبَةِ فِي قُرْآنِهِ: (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) [الطور: 1-4]، وَالطُّورُ جَاءَ قَبْلَ الْكَعْبَةِ، وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الطُّورَ شَهِدَ نُزُولَ التَّوْرَاةِ لِلنَّبِيِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ شَهِدَتْ مَكَّةُ نُزُولَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَفِيهَا شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ تَحَدَّثَ عَنْهَا الْقُرْآنُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾، ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ يَعْنِي: الزَّيْتُونَ، ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يَعْنِي: جَبَلًا مَعْرُوفًا، وَأَوَّلُ مَا يَنْبُتُ الزَّيْتُونُ يَنْبُتُ هُنَاكَ، ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ الدُّهْنُ مِنَ الزَّيْتُونِ، ﴿وَصِبْغٍ﴾ إِدَامٌ ﴿لِلْآكِلِينَ﴾.

وَأَرْضُ سِينَاءَ وَطِئَهَا الأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَالصَّحَابَةُ وَالصَّالِحُونَ وَالأَخْيَارُ وَالأَبْرَارُ، فَهَذَا هُوَ أَبُو الأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَطِئَ أَرْضَهَا الْمُبَارَكَةَ، وَتَزَوَّجَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَرَفَعَ لِوَاءَ التَّوْحِيدِ فِي مُوَاجَهَةِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ. كَمَا وَطِئَ أَرْضَهَا كُلٌّ مِنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ وَأَبِيهِ النَّبِيِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَإِخْوَتِهِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَيْثُ كَانَ فِي هَذِهِ الْمِنْطِقَةِ عُبُورُهُمْ وَذَهَابُهُمْ وَمَجِيئُهُمْ وَرَوَاحُهُمْ، حَيْثُ تَمَّ لِقَاءُ سَيِّدِنَا يُوسُفَ بِأَبِيهِ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ، فَعَلَى أَرْضِهَا الْتَأَمَ شَمْلُهُمَا وَالْتَقَيَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَذَابِ وَالْغُرْبَةِ وَالْحِرْمَانِ.

وَعَلَى أَرْضِ الْعَرِيشِ فُصِلَتِ الْعِيرُ، وَمِنْ أَرْضِهَا انْطَلَقَتْ رَائِحَةُ قَمِيصِ يُوسُفَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى فِلَسْطِينَ لِيَشُمَّهَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَقُولُ قَوْلَتَهُ الْمَأْثُورَةَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، وَهَذَا مَا جَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ) [يوسف]. وَتَنَزَّلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ دُخُولَهُمْ كَانَ عَنْ طَرِيقِ سِينَاءَ، وَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] كَانَ هَذَا مِنْ خِلَالِ سِينَاءَ.

وَعَلَى أَرْضِهَا دَارَتْ قِصَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَغْلَبِ أَحْدَاثِهَا، فَعِنْدَمَا عَادَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى سِينَاءَ قَاصِدًا مِصْرَ، وَلَكِنَّهُ ضَلَّ الطَّرِيقَ، كَانَ لِقَاؤُهُ مَعَ رَبِّهِ عَلَى جَبَلِ مُوسَى فِي مِنْطِقَةِ الطُّورِ، حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَتَلَقَّى رِسَالَتَهُ لِلْإِنْسَانِيَّةِ فِي تِلْكَ الأَرْضِ الَّتِي بَارَكَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، حَيْثُ تَجَلَّتِ الْقُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى عَلَى أَرْضِهَا مُبَاشَرَةً بِلَا وَحْيٍ، وَتَجَلَّى رَبُّنَا عَلَى الْجَبَلِ تَجَلِّيًا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَذَاتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ. وَصَوَّرَ لَنَا الْقُرْآنُ هَذِهِ الأَحْدَاثَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَسُورَةٍ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا عَنْ أَوَّلِ حِوَارٍ بَيْنَ رَبِّ الْعِزَّةِ وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [القصص: 29-30]. وَعَلَى جَبَلِ الطُّورِ بِسِينَاءَ بِوَادِي طُوًى كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَلَامًا حَقِيقِيًّا بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: 164]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 11-12].

جَبَلُ الطُّورِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا جَبَلُ الطُّورِ؟

إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ ظَاهِرَةً فَرِيدَةً لَمْ تَجْرِ أَحْدَاثُهَا فَوْقَ أَيِّ أَرْضٍ إِلَّا عَلَى أَرْضِ مِصْرَ فِي جَبَلِ الطُّورِ بِسِينَاءَ الْحَبِيبَةِ، حَيْثُ تَجَلَّى اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ سَيِّدُنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) صَعِقًا، قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].

إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ نُزُولَ الأَلْوَاحِ أَوْ كِتَابَ التَّوْرَاةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154].

إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ ذَلِكَ اللِّقَاءَ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ (جَلَّ وَعَلَا) الْجَبَلَ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ فِيهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171]. إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ مَجِيءَ سَيِّدِنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ لِلتَّوْبَةِ عِنْدَ الطُّورِ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، قَالَ تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155].

إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الإِلَهِيَّةَ: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، فَحِينَ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، قَالَ سَيِّدُنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مُخَاطِبًا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف]، فَكَانَتِ الإِجَابَةُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ): {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].

إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) بِهِ مَعَ الْبِقَاعِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 1-3].

وَعَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ شَهِدَتْ أَوَّلَ تَدْرِيبٍ لِسَيِّدِنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَى مُعْجِزَةِ الْعَصَا، وَالَّتِي سَيَسْتَخْدِمُهَا فِيمَا بَعْدُ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ يَضْرِبُ بِهَا الْحَجَرَ، فَتَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا بِالْمَاءِ، وَمَعَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ حِينَ تَلْقَفُ مَا كَانُوا يَأْفِكُونَ، وَمَعَ فِرْعَوْنَ وَمُطَارَدَتِهِ مَعَ جُنُودِهِ لِسَيِّدِنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَقَوْمِهِ، فَيَضْرِبُ بِهَا الْبَحْرَ فَيَنْفَلِقُ، كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ.

فَعَلَى أَرْضِهَا دَارَ حِوَارُ الْحُبِّ وَالأُلْفَةِ بَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَبِّهِ عِنْدَمَا سَأَلَهُ الْمَلِكُ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه: 17-23].

وَعَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ اسْتَجَابَ اللَّهُ فِيهَا لِرَغْبَةِ سَيِّدِنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَجَعَلَ مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا وَوَزِيرًا لِيَشُدَّ مِنْ أَزْرِهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه: 29-36].

وَعِنْدَمَا عَادَ مُوسَى ثَانِيَةً بِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَرَبًا مِنْ فِرْعَوْنَ، سَارُوا مُتَّجِهِينَ إِلَى سِينَاءَ، حَيْثُ وَجَدُوا الْبَحْرَ الأَحْمَرَ فِي مُوَاجَهَتِهِمْ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ لَحِقَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، فَحَدَثَتِ الْمُعْجِزَةُ عَلَى أَرْضِهَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِيَجِدَ الطَّرِيقَ أَمَامَهُ يَابِسًا مُمَهَّدًا لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ يَعُودَ الْبَحْرُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى حَالَتِهِ الأُولَى، فَيَغْرَقَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وَيَنْجُو مُوسَى وَقَوْمُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، حَيْثُ حَدَثَتِ الْمُعْجِزَاتُ الإِلَهِيَّةُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، فَيَأْتِيهِ الرَّدُّ مِنَ السَّمَاءِ: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) [الشعراء: 61-63].

وَعَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ ضَرَبَ مُوسَى الأَحْجَارَ لِتَنْفَجِرَ مِنْهَا يَنَابِيعُ الْمِيَاهِ (عُيُونُ مُوسَى) الاثْنَتَا عَشْرَةَ، بِعَدَدِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَيْثُ عَرَفَ كُلُّ قَوْمٍ مَشْرَبَهُمْ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ حَتَّى الآنَ تَشْهَدُ بِمُعْجِزَةِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (إِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: 60].

وَعَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ تَلَقَّى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَصَايَا الْعَشْرَ مِنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهِيَ الْقَاضِيَةُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْجَامِعَةُ لِدُرُوسِ الآدَابِ الدِّينِيَّةِ.

وَعَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)، وَلَكِنْ تَجَبَّرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَعَصَوْا مُوسَى، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَ عَلَيْهِمُ التِّيهَ بَيْنَ الْجِبَالِ وَفِي أَوْدِيَةِ سِينَاءَ أَرْبَعِينَ عَامًا جَزَاءَ مَا اقْتَرَفُوهُ كُفْرًا وَعِصْيَانًا، وَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَذَلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [المائدة: 26].

وَمِنْ شَطْرِهَا انْطَلَقَ مُوسَى لِلِقَاءِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ سَيِّدِنَا الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالَّذِي عَلَّمَهُ مَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) [الكهف: 60-61].

كَمَا سَلَكَتْهَا الْعَائِلَةُ الْمُقَدَّسَةُ عِنْدَمَا احْتَضَنَتِ السَّيِّدَةُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ النَّبِيَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُرَافِقُهُمَا ابْنُ عَمِّهَا يُوسُفُ النَّجَّارُ فِي طَرِيقِهِمَا إِلَى مِصْرَ فِرَارًا مِنَ الْمَلِكِ الْجَائِرِ، إِلَى أَنْ وَصَلَا إِلَى دِيرِ الْمُحَرَّقِ بِمُحَافَظَةِ أَسْيُوطَ حَالِيًّا، حَيْثُ أَقَامَا إِلَى أَنْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ بِالْعَوْدَةِ، فَعَادَا مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى فِلَسْطِينَ بَعْدَ هَلَاكِ هَذَا الْمَلِكِ الْجَائِرِ، فَكَانَتْ رِحْلَةُ الْعَوْدَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عَبْرَ سِينَاءَ.

وَعَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ دَخَلَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) إِلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَعَلَى أَرْضِ الْعَرِيشِ كَانَتْ أَوَّلُ صَلَاةِ عِيدِ الأَضْحَى فِي الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ 18 هـ، يُوَافِقُ 13 دِيسَمْبَرَ 639 م، حَيْثُ صَلَّى سَيِّدُنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَمَنْ مَعَهُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزُوا رَفَحَ مُتَّجِهِينَ إِلَى الْعَرِيشِ، وَبَعْدَ أَنْ أَرَادَ اللَّهُ لِمِصْرَ فَتْحَهَا بِالإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانَ تَمَامُ الْفَتْحِ فِي سَنَةِ 22 هـ / 642 م، وَالَّذِي اسْتَقْبَلَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بِالْبِشَارَةِ وَالسُّجُودِ لِلَّهِ، حَيْثُ صَلَّى الْجَمِيعُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ شُكْرًا لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ).

لِذَا كَانَتْ مِصْرُ الْغَالِيَةُ صَخْرَةَ الإِسْلَامِ الْعَاتِيَةَ، مِصْرُ الَّتِي نُحِبُّهَا وَنَعْشَقُهَا، مِصْرُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْقُرْآنِ مِرَارًا وَتِكْرَارًا، قَالَ رَبُّنَا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]، مِصْرُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا نَبِيُّنَا الْعَدْنَانُ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يَرْفَعُهُ: «إِذَا فُتِحَتْ مِصْرُ فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا». وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

بِلَادِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي *** يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِي

  • ثَانِيًا: سِينَاءُ أَرْضُ الْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: أَرْضُ سِينَاءَ هِيَ الْمَدْخَلُ وَبَوَّابَةُ الدُّخُولِ إِلَى مِصْرَ، لِذَا فَهِيَ جُزْءٌ عَزِيزٌ وَغَالٍ، وَأَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ مِنْ مِصْرِنَا الْغَالِيَةِ، تَقَدَّسَتْ سَمَاؤُهَا حَيْثُ تَجَلَّى نُورُ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعَطَّرَ تُرَابُهَا بِمَسَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَارْتَوَتْ أَرْضُهَا بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ وَعَرَقِ الْمُنَاضِلِينَ وَالْأَبْطَالِ، لِذَا حَظِيَتْ سِينَاءُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِاحْتِفَاءٍ خَاصٍّ، فَهِيَ مَعْبَرُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَلِهَذَا السَّبَبِ حَظِيَتْ بِهَذَا التَّكْرِيمِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِرَارًا وَتِكْرَارًا.

لِذَا كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَالتَّضْحِيَةُ فِي سَبِيلِهَا شَهَادَةٌ وَكَرَامَةٌ وَرُجُولَةٌ وَشَهَادَةٌ، وَحُبُّ الْوَطَنِ مِنْ هُدَى النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ وَالنَّبِيِّينَ الْأَخْيَارِ، وَالدِّفَاعُ عَنِ الْوَطَنِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ وَوَفَاءٌ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْجَمِيعِ، وَالْمَوْتُ فِي سَبِيلِهِ عِزَّةٌ وَكَرَامَةٌ وَشَهَامَةٌ وَشَجَاعَةٌ وَرُجُولَةٌ وَشَهَادَةٌ. فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».

وَلَقَدْ سَطَّرَ شُهَدَاؤُنَا الْأَبْطَالُ التَّارِيخَ بِدِمَائِهِمُ الزَّكِيَّةِ الْعَطِرَةِ، فَفِي السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ سَنَةَ 1973م كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْعُبُورِ، حَيْثُ عَبَرَتْ قُوَّاتُنَا الْمُسَلَّحَةُ خَطَّ بَارْلِيفٍ، وَدَمَّرَتْ نُقَاطَ الدِّفَاعِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَأَلْحَقَتِ الْهَزِيمَةَ بِالْقُوَّاتِ الصَّهْيُونِيَّةِ، وَانْتَصَرَ جُنُودُ الْحَقِّ عَلَى الْمُحْتَلِّينَ، وَارْتَفَعَتْ رَايَاتُ الْحَقِّ عَالِيَةً خَفَّاقَةً، وَسَجَّلَ التَّارِيخُ هَذِهِ الْبُطُولَاتِ وَالتَّضْحِيَاتِ لِقُوَّاتِنَا الْمُسَلَّحَةِ، فَضَرَبُوا بِدِمَائِهِمْ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي التَّضْحِيَةِ وَالْفِدَاءِ لِدِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ، وَعَادَتْ إِلَيْنَا سِينَاءُ الْحَبِيبَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِفَضْلِ قُوَّاتِنَا الْمُسَلَّحَةِ.

فَجُنُودُنَا الْبَوَاسِلُ الَّذِينَ يَسْهَرُونَ لَيْلَهُمْ وَيُكَابِدُونَ نَهَارَهُمْ، أَجْرُهُمْ عَظِيمٌ وَثَوَابُهُمْ جَلِيلٌ، عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».

فَلْيَعْلَمْ هَؤُلَاءِ الأَوْبَاشُ الصَّهَايِنَةُ أَنَّنَا لَنْ نَتَخَلَّى عَنْ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ، وَلَا عَنْ شِبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَرْضِنَا بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ… وَلَنْ نَسْمَحَ بِتَصْفِيَةِ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ، وَلَا تَهْجِيرِهِمْ إِلَى سِينَاءَ؛ لِيَنْعَمَ الصَّهَايِنَةُ بِأَرْضِ فِلَسْطِينَ الْعَرَبِيَّةِ.

إِنَّ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، مَهْمَا تَنَاءَتْ أَقْطَارُهُ، وَتَبَايَنَتْ أَجْنَاسُهُ وَأَلْوَانُهُ، وَتَبَاعَدَتْ دِيَارُهُ، فَالْمُؤْمِنُونَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَفْرَحُ أَحَدُهُمْ لِفَرَحِ أَخِيهِ، كَمَا يَأْلَمُ وَيَحْزَنُ لِمُصَابِهِ وَأَلَمِهِ، يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَإِنَّ مِمَّا يَسُرُّ الْمُوَحِّدِينَ وَيُقِرُّ أَعْيُنَ الْمُؤْمِنِينَ مَا شَفَى اللَّهُ بِهِ صُدُورَهُمْ مِنَ النَّيْلِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ الصَّهَايِنَةِ الْمُعْتَدِينَ، فَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الْعَظِيمِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.

لكن اعْلَمُوا يَقِينًا أَنَّ الصِّرَاعَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ قَدِيمٌ بِقِدَمِ الْحَيَاةِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، وَلَا يَزَالُ الإِسْلَامُ الْعَظِيمُ مُنْذُ أَنْ ظَهَرَ فَجْرُهُ وَاسْتَفَاضَ نُورُهُ إِلَى يَوْمِنَا لَا يَزَالُ مُسْتَهْدَفًا مِنْ أَعْدَاءِ الإِسْلَامِ، فَأَعْدَاءُ الإِسْلَامِ لَا يَنَامُونَ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، يُفَكِّرُونَ فِي هَدْمِ الإِسْلَامِ وَزَعْزَعَةِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ وَمُقَدَّسَاتِهِمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

بَلْ لَقَدِ ابْتُلِيَتِ الأُمَّةُ الْمَيْمُونَةُ بِنَكَبَاتٍ وَأَزَمَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَى طُولِ تَارِيخِهَا، مُرُورًا بِأَزْمَةِ الرِّدَّةِ الطَّاحِنَةِ، وَالْهَجَمَاتِ التَّتَرِيَّةِ الْغَاشِمَةِ، وَالْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ الطَّاحِنَةِ، لَكِنَّ الأُمَّةَ مَعَ كُلِّ هَذِهِ الأَزَمَاتِ وَالْمَآزِقِ كَانَتْ تَمْتَلِكُ مُقَوِّمَاتِ النَّصْرِ مِنْ إِيمَانٍ صَادِقٍ، وَثِقَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي اللَّهِ، وَاعْتِزَازٍ بِهَذَا الدِّينِ، فَكَتَبَ اللَّهُ لَهَا جَلَّ وَعَلَا النَّصْرَةَ وَالْعِزَّةَ وَالتَّمْكِينَ.

لَكِنْ تَعُودُ الأُمَّةُ إِلَى رَبِّهَا، فَلَا صَلَاحَ لِلْأُمَّةِ إِلَّا إِذَا اصْطَلَحَتِ الأُمَّةُ مَعَ رَبِّهَا، وَلَا صَلَاحَ لِلْأُمَّةِ إِلَّا إِذَا اصْطَلَحَتْ مَعَ سُنَّةِ نَبِيِّهَا ﷺ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فلَا صَلَاحَ لِلْأُمَّةِ إِلَّا إِذَا تَخَلَّصَتْ مِنَ الْخِلَافِ، فَالْعَالَمُ لَا يَحْتَرِمُ الضُّعَفَاءَ، وَالِاخْتِلَافُ ضَعْفٌ وَالِاتِّحَادُ قُوَّةٌ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. فلَا صَلَاحَ لِلْأُمَّةِ إِلَّا إِذَا تَخَلَّصَتِ الأُمَّةُ مِنَ الْوَهْنِ، وَصَدَقَ الْمَعْصُومُ ﷺ إِذْ يَقُولُ -كَمَا فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ». فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». أَلَمْ يَقَعْ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؟ لَكِنْ أَلَيْسَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الْقَائِلُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ… وَبَعْدُ.

  •  ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الْمُغَالَاةِ فِي الْمُهُورِ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةِ، وَآيَاتِهِ الْعَظِيمَةِ الزَّوَاجُ، وَطَبِيعَةُ الْحَيَاةِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالزَّوَاجِ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالزَّوَاجِ بِالرَّجُلِ، وَمَنْ أَخْبَرَكُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ؛ فَلَقَدْ خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِبَعْضٍ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَابِطَةَ السَّكَنِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّومِ: 21]. وَالْإِسْلَامُ جَاءَ مُطْمَئِنًّا لِقُلُوبِ الْهَارِبِينَ الْخَائِفِينَ مِنْ تَحَمُّلِ أَعْبَاءِ الزَّوَاجِ وَمَسْؤُولِيَّاتِهِ؛ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النُّورِ: 32]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: … وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ»؛ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ

لِذَا رَغَّبَ الشَّارِعُ فِي الزَّوَاجِ، وَحَثَّ عَلَى تَيْسِيرِهِ وَتَعْبِيدِ طَرِيقِهِ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يَقِفُ عَقَبَةً فِي طَرِيقِهِ أَوْ يُعَكِّرُ صَفْوَهُ؛ وَجَعَلَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ التَّيْسِيرَ مَبْدَأً مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَةِ، وَمَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِهِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي شَمِلَتْ جَوَانِبَ مُتَعَدِّدَةً، وَخَاصَّةً فِي الزَّوَاجِ، وَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ تَيْسِيرُ الْمَهْرِ وَالصَّدَاقِ: فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ التَّيْسِيرِ فِي الزَّوَاجِ، وَمِنْ أَسْبَابِ الْبَرَكَةِ وَالتَّوْفِيقِ فِيهِ، فَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى تَخْفِيفِ الصَّدَاقِ وَعَدَمِ الْمُغَالَاةِ فِيهِ، ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَسْهِيلِ أَمْرِ الزَّوَاجِ، وَإِعَانَةِ الشَّبَابِ عَلَى الْإِعْفَافِ، وَإِغْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَنْ الْفِتَنِ وَالْعَنَتِ. فممَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قَوْلِهِ الْمَأْثُورِ: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ]؛ وَأَكَّدَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ الشَّرِيفِ: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ]. وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» [رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ] إِنَّ مِمَّا يُحْزِنُ القَلْبَ ما نُشاهِدُهُ في واقِعٍ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ كَثْرَةِ العراقيِلِ وَالعَقباتِ الَّتيِ وُضِعتْ في طريقِ النِّكاحِ، في طَريقِ الحلالِ مَعَ كَثْرَةِ الفِتَنِ وَقِيامِ سوُقِ الشَّهواتِ، وَتَيَسُّرِ الحرامِ؛ فَمِنَ العَقباتِ الَّتيِ يَجِبُ التَّعاوُنَ عَلَىَ حَلِّها وَإِزالتِها فيِما يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ النِّكاحِ كَثْرَةِ تَكاليِفِ النِّكاحِ إِلَىَ حَدٍّ أَصْبَحَ النِّكاحُ مَعَهُ عَسيرًا عَلَىَ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَيُوَاجِهُ الشَّبَابُ مِنْ أَجْلِ الزَّوَاجِ أَعْبَاءً مَالِيَّةً كَبِيرَةً؛ فَالْمهْرُ، وَبَيْتُ الزَّوْجِيَّةِ الْمُنَاسِبُ، وَحَفْلَةُ الزَّوَاجِ وحجزُ القاعاتِ، وَالتَّكَلُّفُ فِي الْحَفَلَاتِ ، وجَلَسَاتُ التَّصْوِيرِ (الفُوتُوسِيشَنُ): أَصْبَحَتْ رُكْنًا أَسَاسِيًّا يُكَلِّفُ آلَافَ الْجُنَيْهَاتِ، وَتَجَاوَزَتْ حُدُودَ الْخُصُوصِيَّةِ بِنَشْرِ الصُّوَرِ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، مِمَّا يُضْعِفُ قِيمَةَ “الْغَيْرَةِ”.
تَكَالِيفُ بَاهِظَةٌ وَنَفَقَاتٌ مُذْهِلَةٌ، وَعَادَاتٌ فَرَضَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، تَقْلِيدًا وَتَبَعِيَّةً، وَمُفَاخَرَةً وَمُبَاهَاةً، وَإِسْرَافًا وَتَبْذِيرًا، الْأَمْرُ الَّذِي تَسَبَّبَ فِي عُزُوفِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ عَنِ الزَّوَاجِ الْيَوْمَ. فَمُشْكِلَةُ غَلَاءِ الْمُهُورِ؛ بَلَغَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْسَاطِ، حَدًّا لَا يُطَاقُ إِلَّا بِجِبَالٍ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَ الزَّوْجِ. وَالشَّرِيعَةُ رَغِبَتْ فِي الْاِقْتِصَادِ فِي الْمُهُورِ؛ فَقَدْ «كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِزَوْجَاتِهِ ثنتِي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنِصْفَاً»؛ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، ،وَقَدْ يَلْجَأُ ضِعَافُ الْإيمَانِ إِلَى الحَرَامِ لِعَدَمَ القُدْرَةِ عَليِهِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُغَالِينَ فِي الْمُهُورِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ مِنَ الْفِضَّةِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَىً فِي الْآخِرَةِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَةً». رَوَاهُ أَحْمَدُ

فَاتَّقَوْا اللهَ- أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ، وَاِلْزَمُوا هَدْيَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي أُمُورِ النِّكَاحِ، وَلَّتْكُنْ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، وَيَسَّرُوا أَمْرَ الزَّوَاجِ وَلَا تُعْسِرُوهُ، وَاحْرِصُوا عَلَى مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَالرَّغْبَةَ فِي الْمَالِ دُونَ الدِّينِ، فَالْمَالُ عَرْضٌ زَائِلٌ وَعَارِيَةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، وَاِبْتَعَدُوا عَنِ الْبَطَرِ وَالْخُيَلَاَءِ وَالْإِسْرَافِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالدَّخِيلَةِ، الَّتِي لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ، وَلَا تَقْرُ بِهَا إِلَّا عَيْنُ الشَّيْطَانِ.

أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَلْتَتَضَافَرِ الْجُهُودُ، وَلَا سِيَّمَا مِنْ ذَوِي التَّأْثِيرِ فِي الْمُجْتَمَعِ، مِنَ الْأَزْهَرِ الشَّرِيفِ وَالْأَوْقَافِ الْمُبَارَكَةِ والْعُلَمَاءِ وَالْمُصْلِحِينَ وَالْوُجَهَاءِ، وَالْجَمْعِيَّاتِ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْحَثِّ عَلَى تَسْهِيلِ أُمُورِ الزَّوَاجِ، وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ، وَنَشْرِ الْوَعْيِ بِذَلِكَ، وَإِعَانَةِ الرَّاغِبِينَ فِي الزَّوَاجِ؛ كَيْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِارْتِيَاحٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَيُقِيمُوا أُسَرَاً صَالِحَةً مُسْتَقِيمَةً، مِلْؤُهَا الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ.

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.                                         

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ