خطبة الجمعة القادمة (سيناء.. مهد النبوة، وأرض التجلي، وواحة البركة ) ويليها ( بيوتٌ تُبنى بالمودة.. لا بالمادة ) للشيخ أحمد الفشنى

خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ: ٧ ذُو الْقَعْدَةِ ١٤٤٧ هـ – ٢٤ أَبْرِيل ٢٠٢٦ م

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

الخطبه الاولي”سيناء.. مهد النبوة، وأرض التجلي، وواحة البركة”

الخطبة الثانية “بيوتٌ تُبنى بالمودة.. لا بالمادة”

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
sena magd alneboa

عناصر الخطبة:

أولاً: سيناء في ميزان القرآن الكريم والوحي الإلهي (عز وجل).

ثانياً: سيناء مهد الرسالات ومسيرة الأنبياء (عليهم السلام).

ثالثاً: سيناء أمانة الأرض وعمارة الإنسان.

رابعاً: ميثاق الزواج الغليظ ومقاصده السامية في الإسلام.

خامساً: منهج سيدنا رسول الله ﷺ في تيسير المهور وبناء البيوت.

سادساً: بركة اليسر وقصص من حياة أصحاب سيدنا محمد والتابعين (رضي الله عنهم).

سابعاً: مخاطر المباهاة والتبذير وآثارها النفسية والاجتماعية المدمرة.

ثامناً: الديون والضغوط المادية وأثرها في هدم الاستقرار الأسري.

تاسعاً: تصحيح المفاهيم: دور الآباء في حماية المجتمع من غلاء المهور.

الخُطْبَةُ الأُولَى: الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق،الذي جعل لسيناء قدسيةً ومكانة، وبارك في أرجائها واصطفاها لتكون أرض التجلي وملاذ الأنبياء، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الذي أرسله الله (عز وجل) رحمة للعالمين، فبنى للإنسانية حضارة الأخلاق واليسر، صلى الله عليه وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، وأهل بيت سيدنا محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، الذين كانوا في الصدق أئمة، وفي حماية الأوطان قدوة ومعلماً.

أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أيها السادة الفضلاء، والعلماء الأجلاء، إن حديثنا اليوم عن بقعة ليست كالبقاع، وأرض ليست كالأرض، إنها “سيناء المباركة”، التي لم يذكرها الله (عز وجل) في القرآن الكريم لمجرد الإخبار، بل ذكرها ليعلمنا أن للزمان أوقاتاً مباركة، وللمكان بقاعاً مقدسة. إن سيناء هي “خزينة الأسرار الإلهية” في أرض الكنانة، وهي البقعة الوحيدة التي اهتزت ذرات رمالها هيبةً وإجلالاً حين تجلى رب العزة (عز وجل) عندها.

أولاً: سيناء في ميزان القرآن الكريم والوحي الإلهي

لقد عظم الله (عز وجل) من شأن سيناء حين أقسم بها في مطلع سورة التين، وقرنها بالبلد الأمين مكة المكرمة، وبالأرض المقدسة في بيت المقدس، وهذا الاقتران لم يكن عبثاً، بل هو دلالة على وحدة الرسالات ووحدة القداسة. يقول الله (عز وجل): (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصبْغٍ لِّلْآكِلِينَ). إنها شجرة الزيتون، رمز السلام والبركة، التي نبتت في هذه الأرض لتمد العالم بالنور والغذاء، ولتكون شاهدةً على أن أرض سيناء هي أرض “الإمداد والمدد”.

تأملوا معي يا عباد الله، ذلك النداء الخالد الذي سمعه سيدنا موسى (عليه السلام) فوق تلك الرمال: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى). هذا الأمر الإلهي بخلع النعلين لم يكن لمجرد النظافة، بل كان إعلاناً أن هذه التربة قد تشبعت بالأنوار القدسية، حتى أصبح  المشي عليها أعظم من ان يمشي بالانتعال. إن سيناء هي “الوادي المقدس”، وهي “الطور”، وهي “الأرض المباركة” التي احتضنت مناجاة العبد لربه، وشهدت صعود الكلم الطيب إلى السماء.

إن تخصيص “الطور” بالقسم الإلهي يرفع من مكانة الجغرافيا لتصبح مدرسة للأجيال؛ فسيناء هي المكان الذي أثبت أن الله (عز وجل) قريب يسمع ويرى ويجيب. وفي هذا المقام، يجب أن نتدبر سر البركة في قوله (عز وجل) “مباركاً”؛ فالبركة هي جند الله الخفي الذي يجعل القليل كثيراً، ويجعل المستحيل ممكناً، وسيناء ببركتها كانت دوماً الصخرة التي تتحطم عليها أطماع المعتدين.

ثانياً: سيناء مهد الرسالات ومسيرة الأنبياء (عليهم السلام)

لقد كانت سيناء طريقاً للأنبياء والصالحين؛ فعليها خطا سيدنا إبراهيم (عليه السلام) في رحلته، وعبرها مر سيدنا يوسف (عليه السلام) لتتحقق الرؤيا في مصر، وفي أحضانها تربى سيدنا موسى (عليه السلام)، وعبرها مرت السيدة مريم البتول وهي تحمل كلمة الله سيدنا عيسى (عليه السلام) في “رحلة العائلة المقدسة” بحثاً عن الأمان. إن كل حبة رمل في سيناء تحمل في طياتها قصة نبي، أو دعوة صالح، أو أثر قدم طاهرة من آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد (رضي الله عنهم) الذين فتحوا مصر وحملوا النور إلى إفريقيا عبر هذه البوابة المباركة.

إننا حين نتحدث عن سيناء، نتحدث عن “جبل الطور”، الذي أراد سيدنا موسى (عليه السلام) أن يرى ربه عنده، فقال الله (عز وجل): (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا). تأملوا، لقد اختار الله (عز وجل) جبل سيناء ليتجلى له، فخضع الجبل وتفتت هيبةً من عظمة الله (عز وجل). فإذا كان الحجر قد خضع، فكيف لا تخضع قلوبنا وتخشع أرواحنا لهذه الأرض ولعظمة خالقها (عز وجل)؟

ومن القصص التي يجب أن تُروى للأجيال، صمود سيدنا موسى (عليه السلام) في تيه سيناء، وكيف كان ربه (عز وجل) يمده بالمن والسلوى، فصارت سيناء رمزاً للرعاية الإلهية في أحلك الظروف. إنها الأرض التي تجلى فيها النور ليرسم طريق الحق، فمن أراد أن يتعلم الثبات فلينظر إلى جبالها، ومن أراد أن يتعلم الصبر فلينظر إلى صحرائها الممتدة.

ثالثاً: سيناء أمانة الأرض وعمارة الإنسان

إن دروس سيناء لا تنتهي عند التاريخ، بل تمتد للحاضر والمستقبل. إن الله (عز وجل) الذي بارك في هذه الأرض، استأمننا عليها. ومن أعظم أنواع العمارة في سيناء هو “بناء الإنسان” الذي يعمرها بالتقوى والعمل. إننا نحتاج اليوم إلى استلهام روح الصمود من سيناء، فكما صمدت جبالها عبر القرون، وجب على بيوتنا وأسرنا أن تصمد أمام عواصف الفتن والماديات.

إن عمارة سيناء وصونها تبدأ من “البيت المسلم” القوي، الذي يخرج منه جيلٌ يعرف قدر هذه الأرض. وهنا نربط بين بركة المكان وبركة الأسره؛ فالمجتمع الذي يسوده التيسير في الزواج والعفاف في المعاملة، هو المجتمع القادر على حماية حدوده وصون أرضه. إن سيناء تعلمنا أن “الجوهر” أبقى من “المظهر”، وأن “البركة” أهم من “الكثرة”. فبقعة صغيرة من الأرض باركها الله (عز وجل) صارت خير بقاع الأرض، وكذلك البيت البسيط الذي تملؤه طاعة الله (عز وجل) والمودة بين الزوجين، هو بيت مبارك عند الله (عز وجل).

إننا مدعوون اليوم لنحافظ على هذه الأمانة، بالعمل، وبالعلم، وببناء الأسر المستقرة التي تضع نصب أعينها أن الوطن لا يُحمى إلا بالإيمان، وأن الأرض لا تُقدس إلا بالعمل الصالح. فاجعلوا من سيناء قدوةً لكم في الشموخ، ومن نداء الله (عز وجل) لسيدنا موسى فيها هادياً لكم للتقرب إلى الله (عز وجل) باليسر والسكينة والمودة.

وليعلم كل واحد منا أن كل جهد يبذله في إعمار هذه الأرض هو عبادة؛ فالمزارع الذي يغرس نخلة في سيناء، والمهندس الذي يبني بيتاً، والجندي الذي يحرس حدودها، كلهم في رباط إلى يوم القيامة. إن عظمة سيناء تكمن في أنها توحدنا جميعاً تحت راية واحدة، راية الصمود والبناء والتعمير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية 

بيوتٌ تُبنى بالمودة.. لا بالمادة

 الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق (عز وجل)، الذي جعل التيسير سمة شريعته، والعفو والرحمة شعار دينه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الذي قال عنه ربه (عز وجل): لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، صلى الله عليه وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، وأهل بيت سيدنا محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، الذين كانوا في البساطة نجوماً، وفي العفاف والستر قدوة ومعلماً.

أما بعد: أيها السادة الفضلاء، إن حديثنا اليوم ليس مجرد وعظ عابر، بل هو نداء استغاثة لإنقاذ بنيان الأسرة المسلمة من خطر دائم، وداء استشرى في مجتمعاتنا حتى كاد يفتك بشبابنا وفتياتنا. إننا نتحدث عن “تكاليف الزواج” التي انتقلت من كونها وسيلة لإقامة بيت شرعي، إلى عقبة كؤود وغاية للمفاخرة الجوفاء. إن الإسلام حين شرع الزواج، أراده سكناً ومودة، ولم يرده عبئاً ومشقة. إننا اليوم نرى العادات والتقاليد قد طغت على جوهر الدين، فصار الشاب يحمل هم مصروفات ليلة الزفاف سنوات طوالاً، وصار الأب يئن تحت وطأة الديون من أجل شكليات لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا كله يتنافى مع روح شريعتنا الغراء ومنهجنا الوسطي المستنير.

العنصر الأول: ميثاق الزواج الغليظ ومقاصده السامية في الإسلام

إن الزواج في نظر الإسلام هو “ميثاق غليظ”، عقدٌ يجمع بين قلبين بإذن الله (عز وجل)، غايته العفاف، ووسيلته السكن، وثمرته المودة والرحمة. يقول الله (عز وجل): وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً. تأملوا كيف سمى الله (عز وجل) هذا الرباط ميثاقاً غليظاً، وهذا يقتضي أن يُبنى على أسس متينة من الصدق والإخلاص، لا على أساس من المباهاة بالأثاث أو المفاخرة بالأرقام.

إن المقصد الشرعي من الزواج هو تكوين أسرة مستقرة تخرج للمجتمع جيلاً صالحاً، وهذا الاستقرار لا يتحقق إذا كان البيت قائماً على الديون أو قائماً على مبدأ “من يدفع أكثر”. إن القيمة الحقيقية للزوج تكمن في معدنه وأخلاقه، وقيمة الزوجة تكمن في دينها وحيائها، فإذا انحرفنا عن هذه المقاصد وبدأنا نبحث عن “الشبكة” الباهظة و”النيش” المليء بما لا يُستخدم، فقد ضيعنا الجوهر وتمسكنا بالمظهر، وهو طريق الفشل لا محالة.

العنصر الثاني: منهج سيدنا رسول الله ﷺ في تيسير المهور وبناء البيوت

لقد كان سيدنا رسول الله ﷺ هو المعلم الأول للتيسير. فبالرغم من عظمة شأنه، إلا أنه لم يكن يرضى لبناته ولا لزوجاته إلا اليسير من المتاع واليسير من المهر.

ورد في سنن ابن ماجه والنسائي بسند صحيح عن السيدة عائشة (رضي الله عنها) أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة. تأمل يا أخي الكريم هذا الربط النبوي العجيب بين “البركة” و”اليسر”. فكلما زادت التكاليف، كلما قلت البركة، وكلما تيسر الأمر، نزلت بركات الله (عز وجل) على الزوجين. والبركة هي سر السعادة والسكينة، وليس كثرة المتاع.

وموقف سيدنا رسول الله ﷺ حينما زوج بنته سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) من سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) هو الدرس الأكبر لنا. لقد كان جهازها بسيطاً للغاية، عبارة عن خميل (قطيفة)، وقربة، ووسادة حشوها ليف. فهل كانت السيدة فاطمة (رضي الله عنها) أقل شأناً من بناتنا؟ وهل كان سيدنا علي (رضي الله عنه) أقل قدراً من شبابنا؟ حاشا لله، بل كانوا أعظم الخلق قدراً، وأكثرهم بركة، لأن بيوتهم أُسست على التقوى والتيسير.

العنصر الثالث: بركة اليسر وقصص من حياة الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم)

لتقريب الفهم، دعونا نتأمل في حال أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ. نذكر قصة سيدنا جليبيب (رضي الله عنه)، ذلك الرجل الفقير الذي لم يكن يملك مالاً ولا جاهاً، ولكن النبي ﷺ ذهب بنفسه ليخطب له ابنة رجل من الأنصار. فتردد الأب والأم، لكن الفتاة الصالحة قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني. فزوجها النبي ﷺ من سيدنا جليبيب، ودعا لهما قائلاً: اللهم صب عليهما الخير صباً، ولا تجعل عيشهما كداً كداً. فبارك الله لهما حتى كانت من أكثر الأنصار مالاً وإنفاقاً.

وهنا قصة أخرى بطلها سيدنا عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه)، وهو من أغنياء الصحابة. فقد تزوج بوزن “نواة من ذهب”، فلما رآه النبي ﷺ وعليه أثر طيب، سأله: ما هذا؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال له ﷺ: بارك الله لك، أولم ولو بشاة. (رواه البخاري ومسلم). تأملوا، رجل ثري جداً، ومع ذلك لم يفتخر بماله ولم يبالغ في مهره، بل سلك مسلك التيسير، فكان قدوة لكل غني أن السعادة لا تُشترى بكثرة الإنفاق في ليلة واحدة.

ومن التابعين، نذكر “سيد التابعين” الإمام سعيد بن المسيب (رضي الله عنه). خطب الوليد بن عبد الملك ابنة سعيد بن المسيب، والوليد هو ابن الخليفة وولي عهده، فرفض سعيد! وزوجها لتلميذه “أبي وداعة” وكان فقيراً جداً، ولما سأله تلميذه: بم أزوجها وما أملك إلا درهمين؟ قال سعيد: بلى، وذهب فزوجها له. وفي ليلة العرس، جاء سعيد بنفسه يطرق باب تلميذه ليزف إليه زوجته، وترك معه مالاً وطعاماً. هذا هو الفهم الراقي للدين، أن نبحث عن “الرجل” لا عن “المال”.

العنصر الرابع: مخاطر المباهاة والتبذير وآثارها النفسية والاجتماعية المدمرة

إننا نعيش اليوم في عصر “الصورة والمظاهر”، حيث صار البعض يقيم وزناً لكلام الناس أكثر مما يقيم وزناً لشرع الله (عز وجل). إن المبالغة في تكاليف الزواج تقع تحت طائلة التبذير المذموم، يقول الله (عز وجل): ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً.

إن التبذير في شراء أجهزة كهربائية تتكرر في البيت الواحد ثلاث وأربع مرات، وشراء أطقم من الأواني والمفروشات تكفي لإطعام وكسوة حي كامل، هو إضاعة للمال، وسنسأل عن هذا المال يوم القيامة: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ إن هذا التبذير يولد الحقد في قلوب الفقراء، ويجعل الشاب يرى الحلال عسيراً، مما قد يدفعه إلى الانحراف أو العزوف عن الزواج، فتنتشر العنوسة بين الفتيات، وتنتشر المفاسد في المجتمع، والسبب هو نحن الذين ضيقنا ما وسعه الله (عز وجل).

أيها السادة الكرام: إن الضغط النفسي الذي يقع على الأب ليوفر “جهازاً” مثل جيرانه، والضغط الذي يقع على الأم لتفاخر أهل قريتها، هو ضغط يقتل الفرحة. لقد رأينا آباءً يبكون من الهم، وأمهاتٍ يبعن ذهبهن وبيوتهن من أجل شكليات تنتهي قيمتها بعد ليلة العرس بأسابيع، وهذا هو عين السفه والبعد عن المنهج القويم.

العنصر الخامس: الديون والضغوط المادية وأثرها في هدم الاستقرار الأسري

إن الثمرة المرة للمبالغة في تكاليف الزواج هي “الديون”. يدخل الزوجان بيتهما الجديد وهما مثقلان بالأقساط والكمبيالات والمطالبات المالية. الشاب بدلاً من أن يفكر في إعمار بيته بالمودة، يظل ليله ونهاره يكدح لسداد ديون “الفرش” و”الذهب”.

أخرج البخاري ومسلم عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه كان يستعيذ من المأثم والمغرم (الدين)، فسأله قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال ﷺ: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف. تأملوا هذا الأثر النفسي والاجتماعي للدين! الشاب المدين يضطر للكذب على زوجته وعلى الناس، ويخلف وعوده، فتسقط هيبته، وتبدأ المشاكل الزوجية على أتفه الأسباب، لأن النفوس مشحونة بالهم المادي.

إن الإحصائيات تشير إلى أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق في السنة الأولى من الزواج سببها الأعباء المادية التي بدأت قبل الزواج. فبدلاً من أن يكون البيت سكناً، صار سجناً من الديون. وكم من آباء غارمين وأمهات غارمات انتهى بهم المطاف خلف القضبان بسبب تجهيز البنات، فهل يعقل أن نضحي بكرامة الوالدين من أجل ستائر وأوانٍ ومظاهر كاذبة؟

العنصر السادس: تصحيح المفاهيم: دور الآباء في حماية المجتمع من غلاء المهور

أيها المسلمون، إن العلاج يبدأ من هنا، من فوق هذه المنابر، ومن مجالسنا في البيوت. يجب أن نصحح مفهوماً مغلوطاً، وهو أن المهر الغالي والقائمة الطويلة هي التي تحفظ حق البنت. والحقيقة أن الذي يحفظ حق البنت هو “تقوى الله (عز وجل)” في قلب الزوج.

أخرج الترمذي والنسائي عن سيدنا أبي هريرة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض. تأملوا التحذير النبوي: “فساد عريض”. وهذا الفساد هو ما نراه اليوم من تعطيل الزواج وانتشار المشاكل الأسرية.

إننا ندعو إلى “مبادرة مجتمعية” يقودها كبار العائلات والمصلحون، لتيسير الزواج والاكتفاء بما هو ضروري. يجب أن نتوقف عن طلب أرقام خيالية في الشبكة، وأن نتوقف عن إجبار الشاب على فرش غرف لا تُستخدم، وأن نتوقف عن المبالغة في حفلات الزفاف. إن المنهج الوسطي يدعونا إلى “الستر” لا “الفخر”.

قصة ختامية لتقريب الفهم: يُحكى أن رجلاً صالحاً تقدم لابنته شاب فقير لكنه صاحب دين وخلق، فوافق الأب. فتعجب الناس وقالوا له: كيف تزوجه وهو لا يملك شيئاً؟ فقال الأب: يا قوم، أنا زوجتها لمن إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها، والرزق بيد الله (عز وجل). فبارك الله في حياتهما، وصار هذا الشاب من أكابر الناس.

يا أيها الآباء، كونوا رحماء بالشباب، يرحمكم الله (عز وجل). يسروا الحلال يختفِ الحرام، وبسطوا المطالب يحل الوئام. تذكروا أن كل تيسير تفعله، وكل تنازل عن شكليات من أجل ستر شاب وعفاف فتاة، هو في ميزان حسناتكم، وصدقة جارية في بناء مجتمع آمن ومستقر.

الدعاء: اللهم يا ربنا ويا مولانا، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تؤلف بين قلوبنا، وأن تصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام. اللهم يسر الزواج لشبابنا، واستر فتياتنا، وبارك في أهلينا. اللهم قنا شر الشح والمباهاة، واجعلنا من الراضين القانعين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم اجعل بيوتنا بيوت مودة ورحمة وسكينة، ولا تجعل للمادة والديون سبيلاً لهدم استقرارنا. اللهم احفظ مصرنا من كل سوء، ووفق رئيس الجمهورية لما فيه صلاح البلاد والعباد، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه على تيسير أمور الناس. اللهم احفظ جيشنا وشرطتنا، وارحم شهداءنا، واجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.

والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني. القاهرة ٢٢ ابريل ٢٠٢٦م ” بعد تحديث موضوع الخطبه “