الحماية البريطانية للدولة الوهابية الثانية
22 أبريل، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن
المقال العشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
تميزت هذه المرحلة بتذبذب القيادات السعودية بين الإنكليز والأتراك بعد الحملة المصرية على الجزيرة العربية فكانت تحاول أن تقيم في علاقاتها نوعاً من التوازن .
غير أن رحيل القوات المصرية أعطاها حرية أكبر في العمل فراحت تخطب ود الإنكليز محاولة الارتماء في أحضانهم طلباً لمساعدتهم في استعادة الملك القديم وتوسيعه .
ولكن السياسة البريطانية كانت تحاول الجمع بين المتناقضين ، بين إبقاء الوهابيين تحت نفوذها وهم الذين يمتلكون جغرافياً ، حرية في المناورة ، بسبب طبيعة الأرض الصحراوية في عمق الجزيرة والتي لا تلائم العمليات العسكرية للإنكليز الذين كانوا يتحاشون القتال البري من جهة ، وبين اخضاع أمراء وشيوخ السواحل الذين أخضعتهم لنفوذها وبسطت حمايتها عليهم من جهة أخرى . ولهذا فهي بعد أن أوهمت حكام الساحل بأنهم حلفاؤها وأن حمايتهم من أهم واجباتها ، كانت لا تتحرك لرد الخطر عنهم إلا في حالات الضرورة القصوى، ولكن دون أن يصل الأمر الى الاشتباك المباشر مع الوهابيين، اذ كانت عملياتها تقتصر على تأديب بعض رجاله أو حلفائه .
ولعل أهم ما اتضح في ممارسات الإنكليز الدبلوماسية في هذه المرحلة ، هو الفصل الكامل بين الخطاب والممارسة ، فهم كانوا يعلنون حمايتهم لحكام الخليج والتزامهم بالدفاع عنهم ولكن دون أن يلتزموا بهذا الأمر التزاماً مطلقاً . وهم كانوا يعتبرون الهنود من رعاياهم ولكنهم كانوا يقرعون موظفيهم الذين يزجون القوات في عمليات قتالية للدفاع عن مصالحهم كما لو كان الأمر يتعلق بالرعايا الإنكليز الحقيقيين.
انتقال الامارة للأكثر طاعة للإنجليز:
أما نقطة البداية الرئيسية التي انطلقت منها بريطانيا على الصعيد الداخلي للوهابيين فقد كانت الضغط لتعيين فيصل بن تركي أميراً دون غيره من أفراد الأسرة ، وذلك لأنه هو الأكثر مضمونية والأقل صلابة في مواجهتها فانتقلت الإمارة من فرع عبد العزيز بن محمد بن سعود الى فرع عبد الله بن محمد بن سعود ، بعدما تبين أن المطالب بالإمارة من الفرع الأول وهو خالد بن سعود بن عبد العزيز يوالي السلطة العثمانية ولا يقيم الوزن الكافي للإنكليز .
ففي حزيران سنة ١٢٥٧هـ / ١٨٤١ م وصلت إلى المقيمية البريطانية في الخليج أخبار تفيد بأن الأمير خالد بن سعود قد اتصل بالباب العالي وقدم الهدايا وفروض الطاعة والولاء وأن الباب العالي ردّ بدوره بفرمان يعين بموجبه خالداً والياً على نجد . كما اتصل خالد في تشرين الثاني من نفس السنة بالبريطانيين في الخليج معبراً عن رغبته في تحسين العلاقات مع بريطانيا وتجديد علاقات الصداقة التي ربطت بين أبيه وحكومة صاحب الجلالة.
وفي سنة ١٢٥٩ هـ / ١٨٤٣ م عيَّن فيصل بن تركي بضغط من بريطانيا حاكماً على الرياض لأنه كان يدرك أهمية وقوة بريطانيا بينما يجهلها الأمير عبد الله بن ثنيان الذي كان عين على الرياض . وكان الموقف البريطاني يتسم حياله بشيء من التحفظ ، لأنه كان يعتبر من مؤيدي الدولة العثمانية . وكانت حكومة بومباي قد استشارت الحكومة العليا في الهند في أيلول ١٨٤٣ م حول فيصل مشيرة الى غزواته ومعاركه، فأجابت الحكومة العليا المذكورة أن على حكومة بومباي أن تلتزم بسياسة عدم التدخل طالما اقتصرت جهود فيصل على تثبيت حكمه في داخل الجزيرة العربية وعلى أملاكه التي كانت له سابقاً .
ولم يكن هذا يعني تأييداً كاملاً لفيصل وللوهابيين ، بل تفضيلاً لشخص على شخص ، لأن هؤلاء الأمراء على علاقة بالباب العالي ، ومن هنا فإذا ما سعوا إلى إعادة نفوذ العثمانيين إلى أي منطقة من تلك التي تعتبرها بريطانيا تابعة لها أو ضرورية لمصالحها ، فإن حكومة صاحب الجلالة تتحرك للتصدي لذلك.
وبعد انحسار النفوذ المصري في الجزيرة العربية . كان فيصل بن تركي قد تحرك فأرسل منذ تموز ١٢٥٩هـ / ١٨٤٣م الى شيوخ الساحل العماني يهددهم ليعودوا إلى الطاعة ، فعمد شيوخ البريمي ودبي للاتصال بالمقيم البريطاني فكان رد المقيم أن ما يحدث في داخل شبه الجزيرة العربية هو أمر لا يعني حكومته البتة ، فهي كانت تقف في وجه الامتداد المصري وتعديات محمد علي باشا ، أما بعد انسحاب خورشيد من نجد فإنه يرى ما يحدث حالياً نزاعاً بين قبائل المنطقة ، وموقف الحكومة البريطانية المعلن في الخصوص يقضي بعدم التدخل.
ولعل تفسير موقف بريطانيا يكمن في كونها اختارت تعيين فيصل بن تركي لأنها تعتبره ضمانة ، ولئن كانت هناك بعض التحفظات حياله أثناء وجود المصريين فإن هذه التحفظات زالت بعد رحيلهم، لا سيما وقد وصلت في هذا الوقت إلى المقيمية سفارة وهابية كما رأينا تحمل رغبات الأمير فيصل في إقامة علاقات صداقة مع البريطانيين على غرار تلك التي كانت قائمة في عهد أبيه ، وقد رحب المقيم البريطاني كما رأينا ذلك .
وفي أوائل ١٨٤٥ وصل سعد بن مطلق المطيري إلى البريمي فدخلت الواحة في طاعة الوهابيين دون قتال ثم اتصل المطيري بأمراء مسقط وصحار طالباً إليهم دفع الزكاة . فلما اتصلوا بالمقيم البريطاني طلباً للدعم كان رأي المقيم أن يجري المعنيون اتفاقاً مع الأمير الوهابي شرط أن لا يكون مذلاً ، وإلا فيمكن التلويح بالقوة البريطانية.
ولما حاول سعد بن مطلق احتلال مسقط أرسل المقيم البريطاني بوارجه لتجوب المنطقة كما وجه إلى الأمير فيصل كتاباً في ٢٥ حزيران ١٨٤٥ م / ١٢٦١ هـ يحتج فيه على عمليات المطيري العسكرية ويطالبه باسم الصداقة البريطانية أن يردع قائده ، مع تأكيد على ضرورة التفاهم ، وكان رد فيصل أنه إكراماً للحكومة البريطانية سيوقف خططه في مسقط.
هذا، وقد استمرت بريطانيا تتبع سياسة الحرص على عدم الاصطدام المباشر بالوهابيين ما دام هؤلاء لا يهددون محمياتها ومصالحها . أما إذا ما حصل إزعاج للحلفاء الآخرين فيمكن أن يحصل التدخل ولكن على نطاق ضيق ، أي بالقدر الذي يكفي لصد الخطر. ففي ١٠ أيار ١٨٥٣م / ١٢٦٩هـ أفهمت الحكومة العليا في الهند حكومة بومباي أنه في. حالة هجوم الوهابيين على البحرين يجب على بومباي أن ( تزرع كل العقبات في هذا السبيل وذلك استناداً إلى أن حكومة جلالته لن تسمح باحتلال البحرين من قبل الحكومة التركية أو آخرين يعملون بالنيابة عنها) .
وعندما طلب فيصل من المقيم هنيل في محرم سنة ١٢٧١هـ / أيلول ١٨٥٤ م أن تعترف الحكومة البريطانية بأن أرضه تمتد من عمان إلى الكويت ، وطلب منه أن يتدخل لدى محمد بن خليفة لكي يرفع حصاره عن سواحل الإحساء وعن القطيف ، رد هنيل بأن الحكومة البريطانية لا تعرف الفيصل حقاً في البحرين ، ولكن وعده بأنه سيعمل على دفع محمد بن خليفة إلى الاتفاق معه وأن عليه (أي فيصل أن يخطو الخطوة الأولى . وذكر فيصل بهذا الخصوص بوجود بين أسلافه والحكومة البريطانية اتفاق لمئة عام يقضي بضمان أمن المسافرين في البحر والتجارة البرية وأنه يحترم هذا الاتفاق.
كما أجاب فيصل على رسائل حول نفس الموضوع وضرورة تعاونه لتوفير الأمن في البحر في السابع من ربيع الثاني ١٢٧٦هـ ٣ تشرين الثاني ١٨٥٩ مؤكداً أنه قد وقعت بينه وبين البريطانيين اتفاقات عديدة كما ربطت بينه وبين السلطان العثماني عبد الحميد اتفاقات أخرى. وتقضي الاتفاقات المذكورة جميعاً بأن لا يتدخل أحد في شؤون الآخر إلا لاعتبارات خاصة.
هذا وقد عبر فيصل عن رضوخه لمخططات الإنكليز بمناسبة تمرد شيخ البحرين : الذي بذل أقصى ما في وسعه للتراسل مع قوى أجنبية ، فقد خاطب الأمير السعودي المقيم البريطاني بقوله : ( وبما أنكم كتبتم لي سلفاً بأنكم ستتولون تنظيم هذه الأمور وضبطها ، رأيت أن أتصل بكم في هذا الشأن).
ولما أصر محمد بن خليفة أمير البحرين على محاصرة الساحل السعودي واستمر في ذلك سنة كاملة أرسل المقيم في ٢٦ أيار ١٨٦١ سفينة حربية بريطانية إلى البحرين ، ووجه إنذاراً إلى الشيخ ابن خليفة مهلته و حتى مغيب الشمس » وقال له : “أطلب إليكم أن تردوا حالا كل قواربكم المسلحة التي تجوب المنطقة بين القطيف والدمام [ أي الساحل السعودي ] ، وإلا فعليكم تحمل تبعات ما تقومون به ، وعليك أن تسلمني قاربين من هذه القوارب عقاباً على ما قمت به “.
ومن جهة أخرى، فقد كانت هناك مسألة تعكر المزاج البريطاني ضد فيصل وكانت هذه المسألة تتمثل بوجود محمد بن عبد الله المحسوب على ابن سعود في منطقة الساحل السعودي والذي كان لا يلتزم بالأوامر البريطانية فيتعرض من حين إلى حين للتأديب على أيدي سلطات صاحب الجلالة ، الأمر الذي اتخذته تلك السلطات ذريعة لضرب الدمام. بعد أن تقدم فيلق الخليج البحري للقيام بهذه المهمة مع الالتزام بعدم التورط في معارك حربية في البر ، فقامت السفن البريطانية بضرب المدينة بعد إنذار انتهى في ١٢ تشرين الثاني ١٨٦١ هـ . ولكن الحامية السعودية في القلعة لم ترد واضطر محمد بن خليفة إلى المغادرة.
وعلى الرغم من هذه الحادثة العابرة فإن بريطانيا بقيت على موقفها بضرورة أن تكون هناك معاملة خاصة لابن سعود ولو على حساب محمياتها الأخرى !