مسائل الأسرى
19 أبريل، 2026
بستان النبوة

المقال الخامس عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
امتناع أبي سفيان من فداء ولده عمرو
وكان عمرو بن أبي سفيان أسيراً في يدي رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم ، فقيل لأبي سفيان: افد عمَرْاً ابنك، فقال: أيجمع على دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمَرْاً، دعوه في أيديهم يمسكونه ما بدا لهم، قال: فبينا هو كذلك؛ إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف معتمراً، فعدا عليه أبو سفيان فحبسه بابنه عمرو.
كيفية فداء الفقراء من أسرى بدر
كانت هذه صورة من صور الفداء وهي الفداء بالمال، لكن هناك أناس كانوا فقراء، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض هؤلاء الأسرى يعرفون القراءة والكتابة، والأمة الإسلامية في ذلك الوقت لم تكن قد تعلمت بعد، وليس عندها قدرة على القراءة والكتابة إلا القليل، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بفك أسر مثل هؤلاء من المشركين على أن يعلم كل واحد منهم عشرة من غلمان المدينة المنورة، وهذا يرينا بعد نظر، الرسول عليه الصلاة والسلام ودقة فهمه، فالأمة في حاجة إلى القراءة والكتابة، فاستغل صلى الله عليه وسلم هذا الظرف العظيم، وهو ظرف وجود سبعين من المشركين، منهم من لا يقدر أن يدفع الفدية، فاستغل هذا الأمر في تعليم المسلمين القراءة والكتابة.
وهناك بعض الأسرى منَّ الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم بغير فداء وأطلقهم، من هؤلاء أبو عزة الجمحي ، كان فقيراً جداً وقال: (يا رسول الله! لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن علي، فمن عليه صلى الله عليه وسلم)، لكن أخذ عليه عهداً ألا يظاهر عليه أحد، وحينها قال أبو عزة بعض الأشعار في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام. لكن سبحان الله! ما خشي منه سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب حصل، فقد كان أبو عزة بعد إطلاقه شراً على المسلمين وحرباً عليهم، وألب عليهم المشركين في غزوة أحد.
وأمر صلى الله عليه وسلم بقتل بعض الأسرى، قتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ؛ لأن هؤلاء كانوا من أكابر مجرمي قريش، نسميهم في هذا الزمن بمجرمي الحرب، فنظم لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم محاكمة، وقتل الاثنين وهو في الطريق إلى المدينة المنورة.
التشريع الإسلامي في شأن الأسرى وحقوقهم
وبعد حل مشكلة الأسرى جاء التشريع الإسلامي بأحكام حول قضية الأسرى، هذه الأحكام بإيجاز أن إمام المسلمين له الحق في الاختيار بين أربعة أمور:
-1 إما المن بغير فداء.
– 2 وإما الفداء، وهذا الفداء قد يكون بمال أو قد يكون بتعليم أو قد يكون بأسير مثله، أي: تبادل أسرى.
3- وإما قتل لمجرمي الحرب أو المعاملة بالمثل إن كان الكفار يقتلون المسلمين الأسارى.
4- وإما الاسترقاق: أن يحتفظ بالأسير رقيقاً عنده إلى أجل يحدده الإمام، حسب ما يرى من احتياج المسلمين. فهذه أربعة أمور يختار الإمام منها ما يريد، ويجوز للحاكم أن يتعاهد مع دولة ما أو مجموعة من الدول على طريقة معينة للتعامل مع الأسرى، كأن يتعاهد مع دولة ما أو مع مجموعة من الدول أنه ليس هناك استرقاق، أو أنه ليس هناك قتل للأسرى، أو أنه ليس هناك كذا أو كذا على طريقة معينة ما دام الشرع يسمح بطرق مختلفة للتعامل مع الأسرى.
لكن هناك شيء مهم جداً، وهو أنه إذا احتفظت بالأسير فلا بد من إكرامه ورعايته رعاية أخلاقية سامية تليق بدين الإسلام، قال الله عز وجل: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” الإنسان:8 . وقد زرع الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الأخلاق في الصحابة من أول يوم كان لهم فيه أسرى، فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في قضية الأسرى: (استوصوا بالأسارى خيراً)، فلما سمع الصحابة ذلك بذلوا كل ما يملكون في سبيل بذل الخير للأسارى، تخيل! هؤلاء الأسرى كانوا منذ أيام قليلة يحاولون قتل المسلمين، ومع ذلك نسي المسلمون ذلك تماماً وتذكروا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسارى خيراً).
يقول أبو عزيز بن عمير – وكان من أسارى بدر: (كنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم) كان عندهم خبز بر، وكانوا يقدمون هذا الخبز على طعام التمر؛ لأنه أفضل عندهم، فكانوا يعطونه الطعام الأفضل ويأخذون الأقل في الفضل تنفيذاً لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم.، فكان هذا تصرف الأنصار هذا له أثر كبير جداً على نفسية أبي عزيز بن عمير ، فما هي إلا أيام بعد أن أطلق حتى أسلم رضي الله عنه وأرضاه.
وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة – أخو خالد بن الوليد رضي الله عنه- من أسارى بدر، وكان يقول مثل ذلك ويزيد، كان يقول: (وكانوا يحملوننا ويمشون)، يعني: لو رأوا واحداً منا متعباً أو مريضاً أو جريحاً حملوه ومشوا، فانظر إلى أي حد بلغ الرفق بالأسير، هذا هو المنهج الذي جعل الإسلام يدخل في قلوب الناس، فأسلم أبو العاص بن الربيع ، وأسلم أبو عزيز بن عمير ، وأسلم السائب بن عبيد ، وأسلم الوليد بن الوليد وهكذا.