تكريم الله لليتيم

 المقال الثانى من سلسلة (الإحسان إلى اليتيم في ضوء سنة خاتم المرسلين)

بقلم أ . د / السيد احمد احمد سحلول

استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر.

أكرم الله عز وجل اليتيم بأن أمرنا بالإحسان إليه بعد أمر بعبادته وتوحيده والإحسان للوالدين ولذي القربى  ، والله عز و جل لا يأمرنا بذلك إلا لعظم مكانة ذلك اليتيم عنده . فقال سبحانه : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) النساء : 36.

وقد أمر الله عز وجل الأمم السابقة بالإحسان إلى اليتيم  ، وأخذ العهود والمواثيق عليهم ، فقال تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُون) البقرة : 83.

الإحسان في مال اليتيم :

من الإحسان إلى اليتيم المحافظة على ماله ، فيحرم على الولي أن يأخذ مال اليتيم دون حق أن يتاجر به في الحرام أو يضيعه ، فعليه أن يستثمره  في الحلال وينميه له  ثم يسلمه إليه عند بلوغه سن الرشد ويكون له معرفة وتجارب في كافة الأمور ، وجعل ذلك من الوصايا العشر التى أوصنا الله بها في آخر الأنعام  فقال : (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الأنعام : 152.

والأشد في هذه الآية مطلقة ، فجاء بيان حال اليتيم في سورة النساء مقيدة فقال : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) النساء : 6.فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد

فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهواته وبقي صعلوكا لا مال له.

وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أولى وليس بلوغ الأشد يبيح قرب ماله بغير الأحسن؛ لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله.

والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده  فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله .

لكن لا مانع إن لم تكن لك وظيفة إلا حفظ مال اليتيم أن تأخذ من ماله بالمعروف كما بينت آية النساء .

 وقال تعالى : (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) الإسراء : 34.

  واحذر أخي الحبيب مال ابن أخيك اليتيم أن تأكله بأي صورة من الصور كأن تشتريه منه بثمن قليل ، أو دون ثمن أصلًا ، أو تسعى في تزويجه من ابنتك لتستحوذ على ماله ، أو تضم أرضك لأرضه وتخفى معالم أرضه لكيلا يعرف حقه ، أو تستعين بشهود زور أمام المجلس الحسبي ليشهدوا أنه لا مال له عندك أو لتعطيه حقه ناقصًا احذر ذلك  وانظر إلى خاتمة الآية الكريمة : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) النساء : 6 .

فإذ استطعت فعل ذلك كله في الدنيا فالله محاسبك يوم الدين عن حق ابن أخيك ولن تستطيع الإتيان ببراهين زور يوم القيامة ، فالله محاسبك عن ذلك كله ، قال تعالى : (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين) الأنبياء : 47.

فأنت إن أكلت مال ابن أخيك فإنما تأكل نارًا ، ومصيرك يوم الدين السعير والعياذ بالله ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء : 10.

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الأنعام: 152 ، وَقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) النساء: 10 ، الْآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى  قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ” البقرة: 220، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ”.

وقد حذرنا المعصوم من تضييع حق اليتيم:

فقد ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ “.

قال أبو قيس بن الأَسْلت :

يَا بَنِيَّ الْأَرْحَامَ لَا تَقْطَعُوهَا…..وَصِلُوهَا قَصِيرَةً مِنْ طِوَالِ

وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي ضِعَافِ الْيَتَامَى…..وَبِمَا يُسْتَحَلُّ غَيْرُ الْحَلَالِ

وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْيَتِيمِ وَلِيًّا………عَالِمًا يَهْتَدِي بِغَيْرِ سُؤَالِ

ثُمَّ مَالَ الْيَتِيمِ لَا تَأْكُلُوهُ ……..إِنَّ مَالَ الْيَتِيمِ يَرْعَاهُ وَالِي