الكلمة بين الأثر والتأثير
11 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم : چيهان عبد العزيز بدر (سما الشاطبي)
الواعظة المعتمدة بوزارة الأوقاف
كنتُ أودّ أن أتحدّث عن أهمية الكلمة، وأثرها وتأثيرها في الناس. وقد ترددتُ كثيرًا في كتابة هذا المقال؛ خوفًا من أن يُفهم على غير مقصده، أو أن يظنّ البعض أنّ فيه رياءً أو مباهاة. غير أنّ ما شجّعني على الكتابة هو يقيني بأنني لا أبتغي من ورائها شهرةً ولا سمعة، وإنما أسردها للعبرة والعظة.
فالعمل الطيب غرسٌ مبارك، وقد أخبرنا النبي ﷺ أن حتى الحوت في البحر، والنملة في جحرها، لتستغفر لمعلّم الناس الخير. ولم يَشترط أن يكون معلّم الخير داخل مدرسة، بل قد يكون ناصحًا، موجهًا، صاحب فضلٍ وكلمة طيبة.
كانت بدايتي في عملي كمعلمة في مدرسةٍ ابتدائية، حيث كنت أدرّس مادة الرياضيات. وانطلاقًا من رسالة التربية التي تسبق التعليم، كنت أحرص على أن أبدأ حصتي بعشر دقائق أتحدث فيها عن القيم والأخلاق، وأغرس في نفوس تلاميذي السلوكيات الصحيحة، وأقرّبهم من دينهم، وأعلّمهم كيف يكونون نافعِين لمجتمعهم، وكيف يعيشون في إطارٍ ديني معتدل ومترابط.
كنت إذا انتهيت من حصتي، ودخلتُ حصةً احتياطية بدل معلمٍ غائب، استثمرتُ الوقت في النصح والإرشاد، ثم أختم بمسابقةٍ تشجّعهم على ذكر الله، مع جائزةٍ بسيطة تُدخل السرور إلى قلوبهم. ومع مرور الوقت، بدأت ألحظ تغيرًا واضحًا في سلوكهم، وازديادًا في التزامهم، وحرصًا على الظهور بالمظهر الطيب الذي كنت أتمناه لهم.
ثم انتهى العام الدراسي، وانتقلتُ إلى مدرسةٍ أخرى لذوي الاحتياجات الخاصة. وبعد فترةٍ من انتقالي، أخبرني بعض الزملاء أن أحد تلاميذي كان يسأل عني بشغف، ويردد: “أين معلمتي؟ أريد أن أراها”.
ومضت السنوات، وظلّ أولئك التلاميذ في ذاكرتي، وكان من بينهم طالبٌ متميز، شديد الانتباه لكل كلمة، متأثر بكل نصيحة، تظهر عليه علامات النبوغ، ويُحسن تطبيق ما يتعلمه.
وفي يومٍ من الأيام، وبينما كنت أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وقعت عيناي على صورة طبيبٍ ناجح، وقد تغيّرت ملامحه، لكن اسمه أعاد إليّ الذكريات… إنه هو! تلميذي الذي عرفته صغيرًا فقد كان فى الصف السادس الابتدائي منذ سنوات قليلة قد أصبح طبيبًا لامعًا. فدعوتُ له من قلبي بالبركة والتوفيق.
وفي اليوم نفسه، كنت أُلقي درسًا في تحفيظ القرآن الكريم بإحدى الجمعيات الخيرية، وكنت أتحدث عن أثر الكلمة الطيبة في تربية النشء، وأن ما نغرسه في أبنائنا لن يضيع، بل سيؤتي ثماره يومًا ما.
فبادرتني إحدى الحاضرات قائلة: “هذا الطبيب هو تلميذك، وقد أخبرتني والدته أنها لما علمت أنكِ من علّمته، دعت لكِ، وقالت إنكِ شاركتِها في تربيته تربيةً صالحة، حتى حفظ القرآن، وأصبح طبيبًا ناجحًا متفوقًا.”
ولم تمضِ أيام حتى تلقيتُ اتصالًا منه، يقول فيه لقد ابلغتنى جارتنا بما قلته فى حقى معلمتى لى سنوات ابحث عنك كى اشكرك معلمتي، لم أنسَ، ولن أنسى كيف غرستِ فينا حب الخير… أنا في ميزان حسناتك.”
كانت كلماتٍ أبكتني، على قدر ما أسعدتني. فرفعتُ يدي إلى الله قائلة: ربِّ إني لما أنزلتَ إليّ من خيرٍ فقير. والحمد لله الذي أكرمني بأن أرى ثمار ما زرعت، والحمد لله الذي أعانني أن يكون لي سهمٌ في إعداد شابٍ صالحٍ نافعٍ لدينه ووطنه.
إن الكلمة الطيبة شجرةٌ مثمرة، وهي صدقة، ولها أثرٌ وتأثير.
فالأثر هو الثمرة التي نراها، أما التأثير فهو ما نغرسه من قيمٍ ومبادئ في النفوس.
وكما ذكرنا، فإن معلم الناس الخير له فضلٌ عظيم، حتى إن الحوت في البحر، والنملة في جحرها، لتستغفر له.