ذاكرة الروائح .. من الإعجاز الطبي في سورة يوسف

المقال الرابع والثلاثون من سلسلة (الاعجاز الطبى في القرآن والسنة)

اعداد الاستاذ الدكتور/ عبد الحميد محمد صديق

استشارى الجراحة العامة

كيف استطاع سيدنا يعقوب تمييز رائحة قميص ابنه يوسف على مسافة بعيدة ؟ وهل كشف العلماء أسراراً جديدة لحاسة الشم عند الإنسان؟

كثيرة هي الأباطيل التي ألصقها بعض المشككين بالقرآن الكريم فهم يبحثون عن أي شيء غريب فى القرآن ويقولون إن القرآن لا يوافق العقل أو المنطق أو الواقع، أو أنه يخالف الحقائق العلمية، ومن انتقاداتهم للقرآن ما جاء في سورة يوسف عليه السلام عندما وجد يعقوب ريح ابنه يوسف قبل أن يصل إلى بيته.

فبعد رحلة طويلة لسيدنا يوسف تنقل فيها من حضن أبيه إلى ظلام الجب إلى السجن وأخيراً إلى عرش الملك، وبقى أبوه يعقوب عليه السلام واثقا بالله لم يفقد الأمل من رحمته، وبقى يتذكر ابنه ويأمل عودته بعد أن مضى على غيابه سنوات طويلة.

وعندما أرسل يوسف قميصه لأبيه وقبل أن يصل القميص أخبرهم يعقوب عليه السلام أنه يجد ريح يوسف، قال تعالى: ” وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيُرُ قَالَ أَبُوهُمْ إلي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنَدُونِ ” يوسف: ١٩٤.

والعجيب في هذه الآية الكريمة هو كيف استطاع سيدنا يعقوب أن يجد ريح ابنه على مسافة طويلة قبل أن يصل القميص إليه ؟

إن هذا الأمر غير منطقي كما يدعى بعض المشككين ولكن السؤال: هل كشفت الأبحاث العلمية عن أشياء تؤكد صدق ما جاء في القرآن؟

 اكتشاف علمي جديد :

من الأخبار العلمية التي لفتت الانتباه أن العلماء وجدوا آثاراً لعضو ضامر يسمى Vomeronasal في أنف الإنسان كان في يوم ما يلتقط الإشارات الكيميائية التي يفرزها أشخاص آخرون ويحتوى على مجموعة من الأعصاب تستطيع تحليل هذه الإشارات والتعرف على صاحبها !

هذه الخلايا العصبية كانت فعالة منذ آلاف السنين ولكنها فقدت حساسيتها مع الزمن ولم يعد لها مفعول يذكر، ولكن وكما نعلم هنالك حيوانات كثيرة تتخاطب بلغة الإشارات الكيميائية، مثل النمل مثلاً.

ويؤكد العلماء أن هذا العضو كان مستخدماً بفعالية كبيرة لدى البشر في عصور سابقة حتى أن العلماء اليوم يعتقدون بوجود إشارات كيميائية يتم تبادلها بين البشر ويعتقدون بوجود مواد كيميائية تميز كل إنسان عن الآخر، بل وتميز الرجال عن النساء حتى إن هذه المواد تؤثر على الجاذبية التي تمارسها المرأة على الرجل.

كما يؤكد الباحثون أن الكثير من الثدييات مثل الفئران تتخاطب بالرموز الكيميائية مثلاً تفرز أنثى الفار مواد كيميائية يستطيع الذكر تحليلها والإسراع إلى التزاوج .

ويقول العلماء إن الإنسان يستطيع أن يميز عشرة آلاف نوع مختلف من أنواع الرائحة.

اكتشف العلماء أن أجهزة التحسس في أنف الإنسان تتلقى الروائح وتعاملها مثل الرسائل المؤلفة من أحرف الف بائية ثم تحولها إلى الدماغ ليتعرف عليها وبالتالي هناك إمكانية للتعرف على آلاف المواد الكيميائية والعلم اليوم يقرر حقيقة علمية وهى ثبات رائحة الإنسان وتميزها عن غيره فلكل منا رائحة تختلف عن الآخر، حتى أنه ليمكننا القول بأن كل إنسان له بصمة كيميائية تتمثل في أن جسده يفرز مواد محددة تختلف عن أي إنسان فى العالم، وتبقى هذه الرائحة مرافقة له فى عرقه مثلا منذ ولادته وحتى الموت.

كيف يفهم الدماغ لغة الروائح :

يقول علماء جامعة هارفارد الأمريكية: هناك جزئيات تدعى TRP توضع على الخلايا العصبية وعندما تأتى المواد الكيميائية التي يطلقها إنسان آخر فإنها تندفع عبر الجزيئات TRP وتسبب تغيراً في توتر الخلية ( الطاقة الكهربائية المختزنة فى الخلية ) وبالتالي ترسل الخلية إشارات كهربائية إلى الدماغ يحللها الدماغ مثل رسالة بريد إلكتروني وهناك مواد كيميائية يطلقها الإنسان وتؤثر على سلوك الآخرين ويطلق اليوم العلماء مصطلح ذاكرة الرائحة للدلالة على وجود تقنيات في دماغ الإنسان تستطيع تذكر الروائح والتفاعل معها بل وتستطيع هذه الروائح إحداث تغييرات فسيولوجية في الإنسان.

وتؤكد الدكتورة ليندا باك Linda Buck من جامعة هارفارد أن الروائح تستطيع التأثير في سلوك البشر وتستطيع الروائح تنشيط مناطق كثيرة في الدماغ فتجعل الإنسان يتذكر أشياء ارتبطت برائحة المادة التي يشمها، ويستطيع الإنسان تذكر أشياء مضى عليها عشرات السنين ويربطها بهذه الرائحة .

كيف تحدث القرآن عن هذه الحقائق :

والآن نأتي إلى الآية الكريمة ونتأملها من جديد على ضوء هذه الاكتشافات، فقد أحضر إخوة يوسف قميص سيدنا يوسف وفيه رائحة سيدنا يوسف، وهذه الرائحة انتقلت مع الريح لتصل إلى أنف سيدنا يعقوب قبل أن تصل القافلة وبما أن البشر كانوا يملكون قدرة كبيرة على تحليل الإشارات الكيمائية أو الروائح، فإن سيدنا يعقوب استطاع تذكر رائحة ابنه الذي مضى على غيابه عشرات السنين، بينما بقية أفراد العائلة لم يصدقوا ذلك اذ أن الجميع يظن بأن يوسف قد أكله الذئب ولذلك قالوا له: ” قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ القديم “. يوسف: ٩٥ .

إذن ما جاء في القرآن موافق للمنطق العلمي والمكتشفات الجديدة ولا يناقضها أبدا، وإذا تذكرنا بأنه قبل آلاف السنين لم يكن هناك أي تلوث فإن أي رائحة مميزة ستنتشر بشكل أفضل من انتشارها في عصرنا هذا بسبب التلوث الكبير للهواء، وإذا علمنا أيضا أن العلماء يؤكدون قدرة الإنسان على تذكر الروائح لفترات طويلة من الزمن وتذكرنا ما يقوله العلماء حول تأثير هذه الروائح على السلوك الإنساني، فيمكننا عندها أن نقتنع بقصة سيدنا يوسف وأن سيدنا يعقوب عليه السلام قد شم رائحة قميص ابنه وقد أعادت هذه الرائحة له البصر.

وإذا تأملنا قصة سيدنا يعقوب عليه السلام عندما ابيضت عيناه بسبب حزنه على ولده يوسف وأخيه نجد أن العمى حدث نتيجة صدمة نفسية، أي أن السبب نفسى وليس عضوي.

وبكلمة أخرى لم يكن هنالك خلل في العين بل إن الخلل حدث في الدماغ في منطقة الرؤيا ورائحة قميص يوسف أو كما سماها ريح يوسف قد أثرت ونشطت هذه المنطقة من الدماغ أي منطقة الرؤيا، وتذكر على الفور ابنه يوسف وتأكد أنه لا يزال حياً، وبالتالي فإن السبب الذى أدى إلى الخلل في الرؤيا قد انتفى مما أدى إلى تصحيح الخلل في الرؤيا.

رأينا أيضا كيف أن دماغ الإنسان يقرأ الروائح كما يقرأ الرسائل المكتوبة، أي أن سيدنا يعقوب كان ينتظر هذه الرسالة ليتعرف من خلالها أن ابنه لا يزال حيا يرزق وبالتالي ستكون سبباً في رد بصره إليه.

وهذا ما قاله يوسف لإخوته عندما أمرهم أن يأخذوا قميصه لأن فيه رائحة سيدنا يوسف التي سيتعرف عليها الأب مباشرة حتى قبل أن يصل القميص.

قال تعالى: ” اذْهَبُوا بِقَمِيصي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبي يَأْتِ بَصِيرًا وَأتُونى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعينَ ” . يوسف: ٩٣ .

ولذلك لم يقل سيدنا يعقوب عليه السلام ( إني لأشم ريح يوسف ) بل قال: إنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ .. لأن سيدنا يعقوب عليه السلام قد وجد فعلا هذه الرائحة وتعرف عليها جيداً كأنه كان يبحث عنها طوال سنوات، وهذا يدل على الثقة الكبيرة لسيدنا يعقوب عليه السلام بهذه الرائحة وأن يوسف لا يزال حياً.

وأخيرا أرجو أن يقتنع معي كل من في قلبه شك من هذا القرآن، إن القرآن لا يقول إلا الحق وأن كل كلمة جاء بها القرآن هي الصدق المطلق.

( اللهم انفعنا بِمَا عَلَمْتَنا)