طهر بلا قوة.. روح بلا جسد
10 مارس، 2026
منبر الدعاة

بقلم/ د. إسلام عوض مدير
تحرير بجريدة الأهرام المصرية
بين عفة “هابيل” التي انتهت بالقتل، وقوة “موسى” التي نصرت الحق؛ هل يكفي النقاء الأخلاقي وحده لردع التوحش الإنساني؟ في هذا المقال، نمزق غلاف المثالية الهشة لنكشف كيف تحول “حجر قابيل” البدائي إلى منظومات تكنولوجية للإبادة الجماعية بدم بارد وضمير عفن، ولماذا بات “الحق” عاريًا مفتقدًا درع القوة والمنعة؟!
تبدأ حكاية الوجود البشري فوق هذا الكوكب بمشهد تراجيدي دامٍ، اختزل صراع الإرادات في “قربانين”؛ أحدهما صعد بصدق الإخلاص ونفاسة العطاء، والآخر ارتد بخبث النفس ورداءة المنطق.
كانت قصة هابيل وقابيل هي “المسودة الأولى” لفهم لغز “المسئولية”؛ فبينما اختار هابيل أن يكون ضحية لطهره ونقاء سريرته، وحتى يوئد فتنة قتل الإخوة لبعضهم، ولئلا تصبح جريمة القتل قدرًا وليست اختيارًا، اختار قابيل أن يكون جلادًا لضعفه أمام غريزة الاستحواذ والغل والحسد.
غير أن القراءة المتعمقة لهذا المشهد في مختبر “الخلافة الكونية”، تضعنا أمام تساؤلٍ مريرٍ: ما مصير ذلك السمو الهابيلي إذا تجرد من مخالب الحماية؟!
إن استسلام هابيل للقتل -وإن كان قمة الطهر الأخلاقي- إلا أنه أدى في “المحصلة الوجودية” إلى انقطاع ذرية الوَرِع، وتسيُّد جينات البطش القابيلي التي تملأ الأرض اليوم ضجيجًا وحروبًا وقتلًا وتقتيلًا.
وهنا يصدمنا الإسقاط الموجع على واقعنا المعاصر؛ ف”قابيل” اليوم لم يعد أخًا يحمل حجرًا، بل صار منظومات تكنولوجية فائقة مدعومة بالذكاء الاصطناعي والقنابل الفتاكة، تمارس الإبادة الجماعية بدم بارد، وتستثمر “مثالية” الضحايا وضعفهم؛ لتمحو وجودهم وتستأصل شأفتهم.
إنَّ الاستخلاف الذي يرضى عنه الله ورسوله لا يتحقق بالانكفاء على “أمانة” منكسرة في زوايا الاستضعاف، بل يستوجب صهر طهر هابيل في قوة موسى عليه السلام؛ ذلك النموذج القرآني المذهل الذي اختزلته ابنة شعيب في كلمتين: “القوي الأمين”.
فالأمانة بلا قوة هي “حق مهدور” يغري الطغاة بالتمادي، والقوة بلا أمانة هي “طغيان غاشم” يحرق الأخضر واليابس ويدمر الحرث والنسل.
إن الإنسان الجدير بحمل الأمانة اليوم هو من يدرك أن “قوة الحق” عاجزة ما لم يسندها “حق القوة”، وأن حماية قيم السماء تتطلب انتزاع أسباب الأرض؛ علمًا واقتصادًا ومنعة رادعة؛ ألم يأمرنا بذلك الله تعالى في قوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).
فلا مكان في فقه الخلافة الحقة لورع ينكسر أمام التوحش، بل المكان لمن يجعل من محرابه وقودًا لإبداعه الصناعي، ومن صلاته طاقة لتفوقه المعرفي والعسكري.
فحين يرتدي الحق درعًا، وتتسلح الفضيلة بالقوة، يستطيع المؤمن أن يوارِي سوأة العجز، ويحقق معنى الاستخلاف الذي لا يُبقي للأشرار سبيلًا على الأخيار.
فلا بد للحق من قوة تحميه؛ “فحق بلا قوة ضياع واستسلام، وقوة بلا حق تدمير وفساد في الأرض”.
إن طهر هابيل يحتاج الآن -أكثر من أي وقت مضى- إلى قوة موسى؛ ليكون الإنسان جديرًا بخلافة الله في الأرض.