خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ : آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْرٍ (يَوْمُ الْفُرْقَانِ وَمَدَدُ الرَّحْمَنِ) للشيخ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ


خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ : آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْرٍ (يَوْمُ الْفُرْقَانِ وَمَدَدُ الرَّحْمَنِ)
للشيخ  / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

16 رَمَضَان ١٤٤٧ هـ – ٦ مَارِس ٢٠٢٦ م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
yawm alforqan

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

١. بَدْرٌ.. لَمْحَةٌ عَنْ مَنَاطِ التَّغْيِيرِ وَاسْتِشَارَةِ الْقَائِدِ لِجُنُودِهِ.

٢. سِرُّ الِافْتِقَارِ.. مَشْهَدُ الضَّرَاعَةِ النَّبَوِيَّةِ وَيَقِينُ الصِّدِّيقِ.

٣. الْمَدَدُ الْعَلَوِيُّ.. كَيْفَ قَاتَلَتِ الْمَلَائِكَةُ مَعَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟

٤. ثَبَاتُ الْأَقْدَامِ بِالْآيَاتِ (النُّعَاسُ وَالْمَطَرُ) وَدَوْرُهَا فِي بِنَاءِ النَّفْسِ.

٥. الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: الِاسْتِمْسَاكُ بِالْيَقِينِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْكُرُوبِ.

٦. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (مَبَادِرَةُ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ) – فِقْهُ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ فِي تَقْدِيمِ الْمُعَاوَنَاتِ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣]. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَنَشْكُرُهُ عَلَى آيَاتِهِ الَّتِي تَتْرَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُجَاهِدِينَ، وَسَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ : أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمِلَاذُ كُلِّ مُؤْمِنٍ. نَحْنُ الْيَوْمَ فِي رِحَابِ شَهْرِ الْقُرْآنِ، وَفِي ظِلَالِ ذِكْرَى عَظِيمَةٍ، ذِكْرَى “يَوْمِ الْفُرْقَانِ”، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَتَبَيَّنَ لِلْبَشَرِيَّةِ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، بَلْ بِمَدَدِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ (عَزَّ وَجَلَّ).

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: بَدْرٌ.. مَنَاطُ التَّغْيِيرِ وَاسْتِشَارَةُ الْقَائِدِ لِجُنُودِهِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ : إِنَّ آيَاتِ اللَّهِ فِي بَدْرٍ بَدَأتْ قَبْلَ الِالْتِحَامِ بِلَحَظَاتٍ، حِينَمَا عَلَّمَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الشُّورَى هِيَ أَسَاسُ النَّجَاحِ. لَقَدْ وَقَفَ ﷺ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ، وَهُوَ الْمُؤَيَّدُ بِالْوَحْيِ، لِيُرَسِّخَ مَبْدَأَ الْمُشَارَكَةِ. فَقَامَ سَيِّدُنَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) لِيُسَطِّرَ بِكَلِمَاتِهِ بَلَاغَةَ الْفِدَاءِ، ثُمَّ قَامَ سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) مُتَحَدِّثًا عَنِ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَعَلَّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى حَقًّا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْصُرَكَ إِلَّا فِي دِيَارِهِمْ، وَإِنِّي أَقُولُ عَنِ الْأَنْصَارِ وَأُجِيبُ عَنْهُمْ: فَامضْ حَيْثُ شِئْتَ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، فَمَا أَخَذْتَ مِنْهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ”.

تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ يَا سَادَةُ: حِينَمَا نَزَلَ ﷺ عِنْدَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَدْرٍ، قَامَ سَيِّدُنَا الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بِأَدَبٍ جَمٍّ وَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟” فَقَالَ ﷺ: “بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ”. فَقَالَ الْحُبَابُ: “فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ”. وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَغْيِيرِ الْمَكَانِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَوْرًا وَنَفَّذَ رَأْيَهُ.

الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، عَلَيْنَا فِي حَيَاتِنَا، فِي بُيُوتِنَا، فِي أَعْمَالِنَا، أَنْ نَحْتَرِمَ التَّخَصُّصَ، وَأَنْ نَسْتَشِيرَ أَهْلَ الْخِبْرَةِ، فَالرَّأْيُ السَّدِيدُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ التَّوْفِيقِ الْإِلَهِيِّ.

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: سِرُّ الِافْتِقَارِ.. مَشْهَدُ الضَّرَاعَةِ النَّبَوِيَّةِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ:  إِنَّ أَعْظَمَ سِلَاحٍ ظَهَرَ فِي بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ سَيْفًا مَصْقُولًا، بَلْ كَانَ دَمْعًا مَسْكُوبًا فِي مِحْرَابِ الْعُبُودِيَّةِ. لَقَدْ دَخَلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ “الْعَرِيشَ” وَظَلَّ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ الشَّرِيفُ، فَأَخَذَهُ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَقَالَ: “حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ”.

وَهُنَا نَذْكُرُ قِصَّةً عَظِيمَةً: أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: “لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا”. لَقَدْ جَمَعَ ﷺ بَيْنَ غَايَةِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، وَغَايَةِ الشَّجَاعَةِ فِي الْمَيْدَانِ.

يَقُولُ الصَّفِيُّ الْحِلِّيُّ فِي مَدْحِ الْمُصْطَفَى ﷺ:

لَهُ مَحَلٌّ بِأَعْلَى الْقُدْسِ مَنْزِلُهُ ** وَرُتْبَةٌ عَنْ مَنَالِ الْخَلْقِ تَعْتَلِي

فِي بَدْرٍ أَظْهَرَ لِلْأَعْدَاءِ سَطْوَتَهُ ** وَاللَّهُ يَنْصُرُ عَبْدًا غَيْرَ مُنْخَذِلِ

الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ : إِذَا ضَاقَتْ بِكُمُ الدُّنْيَا، فَالْزَمُوا بَابَ الِافْتِقَارِ. لَا تَقُولُوا “لِي أَمْوَالٌ وَعَلَاقَاتٌ”، بَلْ قُولُوا “لِي رَبٌّ كَرِيمٌ”. اجْعَلُوا الدُّعَاءَ هُوَ خَطَّ الدِّفَاعِ الْأَوَّلِ فِي أَزَمَاتِكُمْ.

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْمَدَدُ الْعَلَوِيُّ.. الْمَلَائِكَةُ فِي بَدْرٍ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: حِينَمَا نَظَرَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَى صِدْقِ تِلْكَ الْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ، فَتَحَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: ١٢]. لَمْ تَكُنِ الْمَلَائِكَةُ لِلْمَنْظَرِ، بَلْ قَاتَلَتْ حَقِيقَةً.

وَمِنْ عَجِيبِ الْقَصَصِ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُطَارِدُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامِي، إِذْ سَمِعْتُ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَسَمِعْتُ صَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: “أَقْدِمْ حَيْزُومُ” (وَهُوَ اسْمُ فَرَسِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمُشْرِكِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَّ صَرِيعًا وَشُقَّ أَنْفُهُ وَجُرِحَ وَجْهُهُ بِمِثْلِ ضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: “صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ”.

الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: مَنْ كَانَ مَعَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ. حِينَمَا نُخْلِصُ فِي أَعْمَالِنَا، يُسَخِّرُ اللَّهُ لَنَا مَنْ لَا نَحْتَسِبُ لِيُعِينَنَا. فَقَطْ أَدِّ مَا عَلَيْكَ، وَاتْرُكِ الْبَاقِيَ عَلَى مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ.

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: ثَبَاتُ الْأَقْدَامِ بِالْآيَاتِ (النُّعَاسُ وَالْمَطَرُ)

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَام: مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ “النُّعَاسَ” فِي وَقْتِ الْحَرْبِ! وَالْإِنْسَانُ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ إِذَا خَافَ طَارَ عَنْهُ النَّوْمُ، لَكِنَّ نُعَاسَ بَدْرٍ كَانَ “أَمَنَةً” وَسَكِينَةً. قَالَ تَعَالَى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: ١١].

وَمِنْ قَصَصِ السَّلَفِ الصَّالِحِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ): أَنَّ سَيِّدَنَا أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: “كُنْتُ مِمَّنْ غَشِيَهُ النُّعَاسُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي فَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ”. أَيُّ سَكِينَةٍ هَذِهِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ وَالسُّيُوفُ تَلْمَعُ؟! وَأَنْزَلَ اللَّهُ مَطَرًا فَصَارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رَحْمَةً لِيُثَبِّتَ بِهِ الْأَرْضَ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَكَانَ عَلَى الْكُفَّارِ بَلَاءً وَوَحَلًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْحَرَكَةِ.

الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: السَّكِينَةُ جُنْدِيٌّ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ. حِينَمَا يَرْضَى اللَّهُ عَنْ عَبْدٍ، يَمْلَأُ قَلْبَهُ طُمَأْنِينَةً وَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ الْعَوَاصِفِ. لَا تَبْحَثُوا عَنِ الرَّاحَةِ فِي الْمَادَّةِ، بَلِ ابْحَثُوا عَنْهَا فِي رِضَا اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ).

الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: بَثُّ رُوحِ الْيَقِينِ فِي مَوَاجَهَةِ الْأَزَمَاتِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: بَدْرٌ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْأَزَمَاتِ مَهْمَا بَلَغَتْ، فَإِنَّ مِفْتَاحَهَا بِيَدِ اللَّهِ. نَحْنُ الْيَوْمَ نُوَاجِهُ تَحَدِّيَاتٍ جِسَامًا، وَرُبَّمَا يَشْعُرُ بَعْضُنَا بِالْيَأْسِ لِضِيقِ رِزْقٍ أَوْ بَلَاءِ مَرَضٍ.

قِصَّةٌ مِنَ الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ: رَجُلٌ ضَاقَ بِهِ الْحَالُ جِدًّا حَتَّى كَادَ يَقْنَطُ، فَتَذَكَّرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَيْفَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِلَا سِلَاحٍ يُذْكَرُ أَمَامَ جَيْشٍ مُدَجَّجٍ، فَأَحْيَا لَيْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ بِيَقِينٍ تَامٍّ، وَفِي الصَّبَاحِ جَاءَهُ اتِّصَالٌ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ، يَفْتَحُ لَهُ بَابًا لِلْعَمَلِ كَانَ قَدْ أُغْلِقَ فِي وَجْهِهِ سَنَوَاتٍ. إِنَّهُ الْيَقِينُ يَا سَادَةُ!

الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لَا تَهْزِمَنَّكُمُ الظُّرُوفُ. ازْرَعُوا فِي قُلُوبِ أَوْلَادِكُمْ أَنَّ لَنَا رَبًّا يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ، وَيَرْزُقُ الْمَحْرُومَ، وَيُعِزُّ مَنْ لَجَأَ إِلَى حِمَاهُ. كُونُوا “بَدْرِيِّي” الْيَقِينِ فِي زَمَنِ الشَّكِّ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: (صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ) – التَّحْذِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَاتِ بِشَكْلٍ غَيْرِ لَائِقٍ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ : نَحْنُ فِي شَهْرِ الْجُودِ، وَمِنْ آيَاتِ بَدْرٍ أَنَّهَا غَيَّرَتْ مَفْهُومَ الْعَطَاءِ. وَلَكِنْ، ظَهَرَتْ فِي مُجْتَمَعِنَا سُلُوكِيَّاتٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ. بَعْضُ النَّاسِ حِينَمَا يُعْطِي صَدَقَةً أَوْ “شَنْطَةَ رَمَضَانَ”، يَجْعَلُ الْمُحْتَاجَ يَقِفُ فِي طَوَابِيرَ طَوِيلَةٍ تَحْتَ الشَّمْسِ، أَوْ يَقُومُ بِتَصْوِيرِهِ لِيَنْشُرَهَا عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: هَذَا لَيْسَ مِنْ أَدَبِ الْإِسْلَامِ! سَيِّدُنَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) كَانَ يُعِيلُ مِائَةَ أُسْرَةٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا تَعْرِفُ أُسْرَةٌ مِنْهُمْ مَنْ يُعْطِيهَا! وَكَانَ يَذْهَبُ فِي الظَّلَامِ وَيَضَعُ الطَّعَامَ عِنْدَ أَبْوَابِهِمْ وَيَنْصَرِفُ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ. فَلَمَّا مَاتَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَغَسَّلُوهُ، وَجَدُوا عَلَى ظَهْرِهِ سَوَادًا، فَسَأَلُوا: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا مِنْ حَمْلِ جِرَابِ الدَّقِيقِ لِلْفُقَرَاءِ بِاللَّيْلِ.

تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ يَا سَادَةُ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى أَحَدِ الصَّالِحِينَ، فَقَامَ الصَّالِحُ وَأَعْطَاهُ لُفَافَةً فِيهَا مَالٌ وَتَغَافَلَ عَنْهُ كَيْ لَا يَرَى ذُلَّ السُّؤَالِ فِي عَيْنَيْهِ. لَقَدْ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى كَرَامَةِ الْفَقِيرِ أَكْثَرَ مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى نَفْسِ الصَّدَقَةِ.

الرِّسَالَةُ الْعَمَلِيَّةُ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ فَلْيُعْطِ بِعِزَّةٍ. لَا تَكْسِرُوا خَاطِرَ مِسْكِينٍ بِصُورَةٍ، وَلَا تُهِينُوا عَجُوزًا بِمِنَّةٍ. اجْعَلُوا صَدَقَتَكُمْ مَسْتُورَةً لِيَسْتُرَكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْهِ. أَعْطُوا مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ مِنَ الرِّيَاءِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) أَمَرَنَا بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ بِجَاهِ أَهْلِ بَدْرٍ عِنْدَكَ، اجْعَلْ لِأُمَّتِنَا مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ، وَوَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَلَا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا.

عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.