من فوائد لقاء النبي محمد وموسى –عليهما الصلاة والسلام: اجتماع العلماء والدعاة للتيسير على الناس.


بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري

دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف

إن موسى –عليه السلام- ضرب المثل الأعلى للتيسير على الناس في أحكام الدين، وكذلك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ضرب المثل الأعلى في الاستجابة لدعوات التيسير والتخفيف على الناس.
فموسى -عليه السلام- يسأل حبيبنا –صلى الله عليه وسلم- عن الفريضة التي فرضها الله عليه.
يرد حبيبنا –صلى الله عليه وسلم- بأن الله فرض خمسين صلاة في اليوم والليلة.

يشفق موسى –عليه السلام- على الأمة المحمدية ويطلب من النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يسأل ربه التخفيف -وقد دفعه على ذلك أيضا حرصه على إنجاح النبي في دعوته -.

يرجع النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى ربه ويسأله التخفيف، ويضع الله خمس صلوات لتصبح الصلوات المفروضة خمسا وأربعين صلاة في اليوم والليلة.
يرجع النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- إلى موسى، ويسأل موسى –عليه السلام- عن نتيجة الطلب.

يخبره –صلى الله عليه وسلم- بما حدث.
يطلب موسى من نبينا أن يرجع إلى ربه ثانية ويسأله التخفيف والتيسير على الأمة.
وهكذا ظل نبينا –صلى الله عليه وسلم- بين موسى وربه، وفي كل مرة يحطّ الله خمسا حتى وصلت خمس صلوات في اليوم والليلة وبأجر الخمسين.
ويظل نبي الله موسى –عليه السلام- حريصا على التخفيف والتيسير حتى تنجح دعوة نبي آخر الزمان ، ولكن نبينا –صلى الله عليه وسلم- قد استحيا من ربه من كثرة السؤال.

إن التيسير على الناس هو المنهج الذى وضعه الله لنا، أما قرأت ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ سورة النساء (28).

و ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ سورة البقرة (185).
وهو نفس المنهج الذى التزمه الرسل في دعوتهم، حتى أن حبيبنا –صلى الله عليه وسلم- يأمر دعاته بأن يبشروا ولا ينفروا، وييسروا ولا يعسروا، ويتطاوعوا ولا يختلفوا.

الآن نرى اتجاهات كثيرة للدعاة، نرى من يلتزم التشديد في كل شيء وأكثر الكلمات التي ترد على ألسنتهم بدعة، حرام، لا يجوز…
وهناك مَن يتسيب ويلتزم بمنهج افعل ولا حرج في كل شيء.
وهناك أهل الوسطية والاعتدال –الملتزمون بمنهج نبيهم وكتابهم-.
كذلك نرى من الناس الآن من يتهمون الشيوخ والدعاة الذين ييسرون للناس دينهم ويظهرون دينهم على أنه دين كل بشر وعصر ومصر!

إننا نرى بعضا من الشباب أو الشيوخ ينتسبون للدعوة وحتى أمور العقيدة يصعّبونها على الناس!

إن أهم ما يميز الإسلام عن غيره بساطته ويسره وسماحته، فلا توجد به عقد في تشريعاته ولا عقيدته، وإذا بحثت في كل العقائد الموجودة على الساحة الآن –سواء كانت أصلها سماوية أو وضعية- لن تجد عقيدة أسهل ولا أيسر ولا أوضح ولا أعقل من العقيدة الإسلامية، ومع ذلك يصر البعض على إظهار العقيدة على أنها مجموعة معقدة لا يمكن الوصول إليها بسهولة، حتى التوحيد أجمل ما في الدين إذا بالبعض يريد أن يقسمه إلى أقسام، وكلما فعل الإنسان فعلا قيل له: هذا مخالف للعقيدة، أنت مزعزع العقيدة، هذا الأمر خطر على العقيدة …..

وقد تكون المسألة خلافية، وقد تكون فرعية، وقد تكون متعلقة بالشريعة والأحكام الفقهية وليست بالعقيدة، ولا أدري لماذا هذا الإصرار على تصعيب الأمور والتشديد على الناس؟

قد يفهم البعض كلامي هذا على غير مراده ويدّعي زورا وبهتانا أنني أدعو إلى تمييع الدين والانسلاخ منه، لأن هناك من يقدم سوء الظن على حسنه والشر على الخير، ولكنني لم أقصد ذلك أبدا وإنما أردت أن نقتدى بقادة الدعوة في التيسير على الناس والتخفيف عنهم، قد تكون أنت تتلذذ بالعبادة حين تأخذ بالأحوط أو بالرأي الأشد والأشق على النفس، لكن لك أن تفعل ذلك لنفسك لا أن تفرضه على الناس وتجعله دينا، أما سمعت حبيبك –صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بكذا وكذا، هو يلتزم بذلك لنفسه لكن لا يفرضه على الناس.

أمّا بالنسبة للدعاة فيجب عليهم أن يختاروا الأيسر للناس –مادام أنه ليس شاذا ولا يخالف نصا أو إجماعا- وإن كان بعض الدعاة لا يحلو لهم أن يختاروا الأيسر فليعرضوا كل الآراء الصحيحة في المسألة وليختر السائل ما يناسبه.

نريد أن نحبب الناس في الدين دون أن نمس ثوابته أو أن نخالف القواعد العلمية والمنهج النبوي، ولا نريد أن ننفر الناس ونصدهم عن الدين بإلزامهم فكرنا واجتهادنا ما دامت هناك اجتهادات أخرى تناسبهم.

لا بد أن يجتمع الدعاة للتيسير على الناس وعرض الدين في ثوب اليسر والسماحة كما فعل قادة الدعوة وقدوة الدعاة في رحلة المعراج.

إخواني الدعاة: اعملوا على إلزام الناس بمنهج الإسلام وليس بآرائكم وأفكاركم واجتهاداتكم الشخصية