أسس الأخلاق في الإسلام
31 ديسمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم : أ.د / مزاحم طارق المصطفى
أستاذ الفقه وأصوله وعميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بمنيسوتا المركز الرئيسي
الأخلاق في اللغة: مشتقة من الخلقة: الفطرة، وصار خليقاً: أي جديراً. وخالقهم: أي عاشرهم بخلق حسن.
أمّا الأخلاق من منظور الإسلام فهي: أعمال وقيم وأهداف مسبوقة بإرادة ومصحوبة بنوايا، تحسب للمرء أو عليه في وعد أو وعيد، وتتم هذه الأعمال في إطار معرفة الله ومحبته وخشيته.
فعلم الأخلاق يبحث في معنى الخير والشر، ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم مع بعض، فلذلك توجه الإسلام إلى العناية الكبيرة بهذا الجانب فدعا النفس إلى التزكية والتطهر من نزعات الشر، ووضع الأسس التي تقوم عليها الأخلاق، ومن أهم هذه الأسس:
أولاً: الأساس الاعتقادي: وهذا يقوم على ثلاثة أركان:
الركن الأول: الاعتقاد بوجود الله تعالى وأنه خلق الكون وما فيه والموت والحياة وأنه يعلم بكل ما هو موجود.
الركن الثاني: معرفة طريق الخير وطريق الشر، وقد عرفها لنا سبحانه وتعالى عن طريق الرسالات التي جاء بها الأنبياء والرسل.
الركن الثالث: وهو اعتقاد الحياة بعد الموت، وأن هذه الحياة إمّا نعيم أبدي للذي يتبع الحق ويفعل الخير ويتجنب الباطل ويكف عن الشر، وإمّا أن تكون الحياة بعد الموت جحيماً لمن اتبع الباطل وترك الحق.
فالعقيدة من أهم الأسس لتطبيق الأخلاق، وتعدُّ الرادع الأكبر للكف عن اتباع الشهوات والباطل.
ثانياً: الأساس الواقعي:
لم تكن دعوة الإسلام روحية فقط، ولم تكن مادية؛ بل دعوته إلى إقامة نظام أخلاقي معتدل يقوم على الروح والمادة بشكل متوازن، فقد دعا إلى الاستعلاء على الطبيعة وعدم الاستسلام لها، ولا يستطيع فعل ذلك إلا بضبط ميوله ورغباته وتوجيهها وفق المثل العليا. وفي الوقت ذاته دعا الإسلام إلى عدم التصادم مع الطبيعة الإنسانية أو مخالفتها؛ بل يراعيها عن طريق اتخاذ قواعد للسلوك وفقاً للقوانين الأساسية للحياة البشرية وهي قانون المحافظة على الحياة وقانون تكاثر النوع والارتقاء الروحي والعقلي.
ففي قانون المحافظة على الحياة حرم الإسلام القتل واستغلال مصالح الناس وأوجب احترام حقوق الناس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وحث على الأعمال التي تنشط الحياة وتنميها.
وفي قانون المحافظة على النوع، فقد نهى عن التبتل والرهبنة وشرع الزواج، ودعا إلى اختيار الزوج الصالح أو الزوجة الصالحة كي لا يؤدي ذلك إلى فساد كبير. وفي قانون الارتقاء الروحي والعقلي شرعت العبادات والأذكار والتفكر والتأمل في مخلوقات الله تعالى، وغيرها مما يزيد الصلة بالله تعالى.
ثالثاً: مراعاة الطبيعة الإنسانية:
إن الإسلام يوازن بين الجسد والروح والنفس والعقل، فلم يتعامل مع الإنسان على أنه حيوان يأكل ويشرب وينام فقط، ولم يتعامل معه على أنه من الملائكة؛ بل الإنسان يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، وأن له غرائز وشهوات وله حاجاته وضرورياته، فالإنسان يضل ويهتدي وينحرف ويتوب، فقد راعى الإسلام هذه الطبيعة الإنسانية وحثه على السمو الروحي عن طريق الأخلاق، ووضع المنهج الأخلاقي المناسب لطبيعة الخَلق الجسدي والمناسب للروح والعقل والنفس الإنسانية، وراعى واقع الضعف عند الإنسان فإذا وقع في معصية فلا يغلق في وجهه باب التوبة، ولا يعامل الإنسان في حالة الضرورة معاملته في حالة السعة والاختيار، ولا يعامل الشيخ المسن معاملة الشاب، ولا يعامل المريض كالصحيح.