وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ
28 ديسمبر، 2025
القرآن حياة

أ . د / عبدالغنى الغريب
أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) البلد:١٢
يسألك الله سؤالا لا ينتظر جوابًا ” وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ” كأنه يقول لك: أنت تظنها صعبة؟ هي أصعب مما تتخيل وأسهل مما تتوهم.
“فك رقبة” ليست مسألة تاريخية انتهت بانتهاء أسواق العبيد،
العبودية لم تختفِ، هي فقط غيّرت ملابسها، هناك من هو عبد للفقر، وعبد للديون، وعبد للخوف، وعبد للذل الاجتماعي، وعبد لنظرة الناس.
وفك الرقبة ليس دائمًا بمال، أحيانًا بكلمة، وأحيانًا بموقف، وأحيانًا بأن تمنح إنسانًا شعورًا بأنه إنسان.
ثم ينتقل بك القرآن إلى مشهد آخر: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾[ البلد: ١٤]
ليس يوم رخاء، بل يوم شدة، يوم يكون الجوع فيه سيد الموقف.
والعجيب أن القرآن لا يمجّد العطاء في الفائض، بل في وقت الحاجة حين تكون أنت محتاجًا، ثم تعطي، هنا يبدأ الامتحان الحقيقي، يتيما، مسكيناً،نماذج للهشاشة البشرية، أناس بلا سند، بلا صوت، بلا ضجيج إعلامي.
#القرآن لا يذكر أسماءهم، لأن الألم لا يحتاج بطاقة تعريف، الوجع واحد، فالجوع لا يسأل عن الهوية.
ثم تأتي القفزة الأخيرة، القفزة التي تُسقط الأقنعة: الصبر والمرحمة.
الصبر ليس صمت الضعيف، بل ثبات القوي، والرحمة ليست عاطفة عابرة، بل نظام أخلاقي كامل.
الرحمة تمنعك أن تظلم وأنت قادر، أن تقسو وأنت منتصر، أن تنتقم وأنت قادر على العفو.
وفي النهاية
تكتشف أن العقبة لم تكن في المال، ولا في الطعام، ولا في الجهد، العقبة كانت هنا في القلب، فهل يستطيع الإنسان أن يخرج من مركزه، أن يرى الآخر،أن يشعر به، أن يتحمل أذاه، أن يعطيه دون أن يشعر بالفضل؟ هذه هي العقبة ،ومن اقتحمها لم يصل إلى الجنة فقط، بل تحرر وهو ما زال على الأرض.. وهنا فقط هنا، يبدأ الإنسان.
د مصطفى محمود.
#اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يارب العالمين.
#اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا