بلاغةُ النَّهيِ القُرآنيِّ
18 مايو، 2026
القرآن حياة

بقلم/ د. إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية
إن المتأمل في الأسلوب القرآني والتشريع الإلهي يلحظ دقة بالغة في اختيار الألفاظ وصياغة الأحكام، حيث تتجلى حكمة الخالق سبحانه وتعالى في تمايز صيغ التحريم والنهي تبعًا لطبيعة النفس البشرية، ومدى جاذبية الذنب لها، وخطورة الآثار المترتبة عليه.
ومن أبرز مظاهر هذا الإعجاز التشريعي والبلاغي ذلك التفريق الدقيق بين مواضع جاء فيها النهي عن “القرب” من الذنب، ومواضع أخرى جاء فيها النهي صريحًا ومباشرًا عن “الذنب” نفسه؛ وهو ما يفتح بابًا واسعًا لتدبر فقه الوقاية وحماية الفرد والمجتمع من الانزلاق في مواطن الهلاك.
ففي مواضع عدة من كتاب الله عز وجل، نجد التعبير الإلهي يتجاوز حظر الفعل ليتوجه بالنهي إلى كل ما يؤدي إليه، وذلك حين يقول سبحانه وتعالى “ولا تقربوا”، وهو أسلوب حكيم يقوم على قاعدة سد الذرائع وبناء السياج الآمن بعيدًا عن مناطق الخطر.
ويتجلى هذا الأسلوب التشريعي الوقائي في الذنوب التي تملك شهوة عارمة وجاذبية شديدة تضعف أمامها الإرادة الإنسانية إذا ما اقترب المرء من محيطها؛ إذ إن مجرد الدخول في مقدماتها يصبح التراجع عن الذنوب أمرًا عسيرًا.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك تحريم الزنا في قوله تعالى “ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا”، حيث لم يقتصر النهي على الفاحشة ذاتها فحسب، بل امتد النهي ليحرم كل خطوة تؤدي إليه من خلوة، ونظر محرم، وتبرج، والتلفظ بالقول الفاحش؛ لأنه من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
وبذات الحكمة نجد النهي عن القرب من مال اليتيم في قوله سبحانه وتعالى: “ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن”، نظرًا لكون المال فتنة تثير الطمع وتستدعي الحذر التام في مخالطته، وتلتقي هذه المواضع كلها عند القاعدة العامة في التعامل مع التكاليف كما في قوله تعالى “تلك حدود الله فلا تقربوها”.
وعلى النقيض من ذلك، يسلك اللفظ القرآني مسارًا آخر عندما يتعلق الأمر بذنوب وجرائم ذات طبيعة مختلفة، فيأتي النهي مباشرًا وصارمًا عن الفعل ذاته باستخدام صيغ مثل “لا تقتلوا”، “لا تأكلوا”، أو “ذروا”، أو “حرمت عليكم”، ويأتي هذا الحظر القطعي المباشر في الأفعال التي يستبشعها الطبع السليم وتعد جرائم اجتماعية، أو اقتصادية، أو اعتداءات صريحة يقدم عليها المرء بقرار واعٍ وقصد مباشر، دون أن تجره إليها، أو تجذبه شهوة غريزية مفاجئة أو تدرج في الخديعة. ومن ذلك النهي الصريح عن القتل والسرقة في قوله تعالى “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق”، وكذلك النهي عن أكل أموال الناس بالباطل والربا في قوله سبحانه “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة” وقوله “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”. فالوقوع في مثل هذه الموبقات يمثل تعديًا صريحًا وجرأة على حدود الله لا عذر لصاحبها بضعف غريزي، بل هو قبح ظاهر يستوجب المنع المباشر دون الحاجة لتفصيل مقدماته.
إن هذا التباين اللطيف في صياغة النهي القرآني يلخص فلسفة تشريعية بالغة العظمة؛ فالنهي عن القرب هو وقاية وتحذير من الوقوع أو الدخول في مجال مغناطيس المعصية، ووقاية للنفس من الانجذاب نحو وهج الشهوات الجارفة، بينما النهي المباشر هو تحريم صارم للجريمة ذاتها لبيان شناعتها وقطع دابر التجرؤ عليها.
وهكذا يظل البيان القرآني يعلم البشرية أن العبادة الحقة لا تتحقق بترك الذنوب فحسب، بل بفهم طبيعة النفس البشرية والوقوف عند حدود الله بحذر وبصيرة، حمايةً للدين، وصيانةً للأعراض، وحفظًا للمجتمعات من غوائل الانحراف.