فالعلماء العقلاء الأفاضل من سلف الصالح رحمة الله عليهم يلتفتون إلى الآيات والأحاديث حين القراءة بالتدبر والتأمل بدرجة عالية ودقة سامية، ناسين المشاغل التي يؤثر عليهم سلبا ، وقفوا على كل الآية والأحاديث النبوية حين الدراسة ولم يمروا عليها ببساطة وسذاجة وقوف الزارع على بقعته وقت الحرث ، وهذا اوصلهم إلى اليقين والمراتب العالية المشكورة:
وبديهي من قرأ النصوص بعين الرأس وحده وغافلا عن الحقائق التي فيها لا يعتبر أنه قرأها ودرسها، لأن النصوص وردت إلينا من ينابيع الرحمة الإلهية منهج صحيح وقيم لتحسين الأخلاق والسير، وتصحيح الأخطاء التي شوهتنا، وابعدتنا عن الصراط المستقيم ، وليست للقراءة وصرف الأبصار فيها فقط ، بل لتحقيق الجمال المادي والمعنوي وتزيين الحياة العاجل والآجل بصورة رائعة، كل من رآه من غيرنا لتمناه.
وفي هذا الوقت نشير إلى مقولة شيخ المشائخ حسن البصري رحمة الله عليه: (( الحسن البصري : والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده ، حتى إن أحدهم ليقول : قرأت القرآن [ كله ] ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل)) أشار ابن الكثير إليه في الآية السابقة.
أخلاق القرآن الكريم وعلميته وحكمته منطبع في قلب حضرة صاحب الرسالة – صلى الله عليه وآله وسلم – وفي أعضاءه المباركة، يتكلم ويبصر ويصبر ويسمع بالقران العظيم ، كما وصفته أم المؤمنين( عائشة) رضي الله عنها بهذا الوصف العظيم:
ينبغي على كل تالي النصوص القرآنية وكذلك الأحاديث أن يحاول نسخ حقائق التي تلاها ويحققها على جوارحه، يمسك عينه عن النظر، وفرجه عن الزنا من خلال آية: ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور.
ويمسك لسانه عن التجسس والغيبة من خلال آية: ﴿ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾(١٢ ) الحجرات.
إلى غير ذلك من سائر الأعضاء الفعالة.
ومن هنا أشير إلى الاجتهاد الثمين المستنبط من قبل الإمامين العظيمين الشهيرين : المالك والشافعي رحمة الله عليهما من خلال حديث : (( لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً))
فالإمام مالك – رحمة الله عليه – يذهب إلى أن الرزق يأتي إلى الإنسان بلا سبب مباشر ولا يحتاج إلى فعل فاعل ، بل بمجرد التوكل الحقيقي على الله تعالى.
فالإمام يرى ذلك من ظاهر الحديث المشار إليه، وكذلك تمسك بمضمون حديث: (( وسلم أنه قال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته))
فالإمام الشافعي رحمة الله عليه – يخالف الإمام مالك في ذلك وشرط السبب العبارة عن السعي مع التوكل ولذا نقول: يثني الإمام ذلك (التوكل) مع (السعي) وليس التوكل بوحده، وهذا الخلاف حدث حينما كان الإمام تلميذا للمالك- رحمة الله عليهما- وقال: لولا الرواح في الغدو لما حصل الارزاق
فالإمام الشافعي رحمه الله مثل(١) قصة لاستاذه التي كان له دور في إحداثها وصنعها : (( وجد عجوزاً يحمل تمراً ثقيلاً، فحمل عن الرجل تمرَه، ووصل به إلى بيته.أعطاه الرجل بضع تمرات إكراماً له، فأخذها الشافعي وعاد إلى مالك.وضع الشافعي التمرات بين يدي مالك قائلاً: “لولا غُدُوّي ورواحي لما رزقت”.تبسّم الإمام مالك وقال: “وأنت سُقت إليّ تمرة أخرى”، مُقراً بذكاء تلميذه مع بقائه على رأسه بأن الرزق في النهاية من الله))
خلاصة الموضوع:
١- اجتهاد الإمام مالك يميل إلى مقام التوكل القلبي المطلق. توكل يرى صاحبه كل الأشياء من حول الله تعالى وقوته.
٢- اجتهاد الشافعي يميل إلى “الأخذ بالأسباب.
اجل رأي ثاني إمام في الأمة المحمدية نبع في ظاهر النصوص الكثيرة، يتفرع من الإيمان الكامل والثقة التامة بالرزاق الواحد الأحد ولكن رأي الإمام الشافعي نبع من عمق الصفحة للحديث المخفية عن معظم من الناس، لا يليق بالإنسان نسيان الأسباب البتة..
ومن جانب آخر: فالإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه أصدر حكمه اعتماداً على صدر الحديث ولم يعتبر بمتعلقاته وبخلاف ذلك فالإمام الشافعي رحمة الله عليه أصدر حكمه إعتبارا بمتعلقاته من الروحة والعودة.
(( عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يترك ناقته، وقال: أأعْقِلها وأتوكل؟ أو أُطْلِقها وأتوكل؟! فقال صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل)
فالإمام الصنعاني رحمة الله عليه يقول: كلمة طريفة ورائعة آنذاك : (( فهذه الكلمة الشريفة مرشدة إلى أن التوكل لا يتم إلا باتخاذ الأسباب التي جعلها الله وصلة إلى مسبباتها، لأن ترك السبب ليس من شأن المتوكلين، بل المتوكل من اتخذ السبب.
معظم الناس بحاجة إلى أخذ الأسباب واتعاب النفس وصرف الجهد.
ولكن يوجد عباد لا يكسر الله قلوبهم يعطيهم ما يطلبون ويريدون بل هم خير وبركة وهمة لغيرهم، رزقهم يأتيهم بواسطة هؤلاء العباد الصالحين كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(( أن أخوَينِ على عهدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يحترفُ أحدُهما والآخرُ يلزمُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فشكا المحترفُ أخاهُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال النبيُّ : لعلك تُرزقُ بهِ))
ولسنا من أهل الترجيح وقبول رأي ورد الآخر بل هما مهمان إلى درجة قوية وعظيمة، كل يحمل على محمل خاص به.