جَبْرُ الخَوَاطِرِ: عِبَادَةٌ يَغْفُلُ عَنْهَا الكَثِيرُونَ


بقلم الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

من علماء الأزهر الشريف

الحَمْدُ للهِ (الجَبَّارِ) الَّذِي يَجْبُرُ الكَسِيرَ، وَيُغْنِي الفَقِيرَ، وَيُيَسِّرُ العَسِيرَ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي مَا كَسَرَ خَاطِرًا قَطُّ، وَمَا رَدَّ سَائِلًا، وَمَا خَيَّبَ آمِلًا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، لَوْ بَحَثْنَا فِي أَبْوَابِ الخَيْرِ كُلِّهَا، لَمَا وَجَدْنَا بَابًا أَرْقَى وَلَا أَعْذَبَ مِنْ بَابِ “جَبْرِ الخَوَاطِرِ”. إِنَّهَا عِبَادَةٌ خَفِيَّةٌ، لَا يَفْعَلُهَا إِلَّا أَصْحَابُ النُّفُوسِ النَّبِيلَةِ، وَلَكِنَّ وَزْنَهَا عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ.

مَعْنَى اسْمِ اللهِ (الجَبَّارِ):

هَلْ تَأَمَّلْنَا يَوْمًا اسْمَ اللهِ “الجَبَّار”؟ يَعْتَقِدُ البَعْضُ أَنَّهُ يَعْنِي فَقَطْ القُوَّةَ وَالقَهْرَ، وَلَكِنَّ لَهُ مَعْنًى آخَرَ فِي غَايَةِ الجَمَالِ؛ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ “الجَبِيرَةِ” الَّتِي تُوضَعُ عَلَى العَظْمِ المَكْسُورِ لِتُصْلِحَهُ.

فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَجْبُرُ القُلُوبَ المُنْكَسِرَةَ، وَيَجْبُرُ النُّفُوسَ المَجْرُوحَةَ، وَيَجْبُرُ الفَقِيرَ بِالغِنَى، وَالمَرِيضَ بِالشِّفَاءِ.

وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي».

فَإِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الجَبَّارَ، فَمَنْ نَحْنُ حَتَّى نَكْسِرَ خَوَاطِرَ عِبَادِهِ؟

سَيِّدُ الجَابِرِينَ ﷺ:

لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَبَّدُ للهِ بِجَبْرِ خَوَاطِرِ النَّاسِ، مَهْمَا كَانُوا بُسَطَاءَ.

 * مَعَ الأَطْفَالِ: يَرَى طِفْلًا صَغِيرًا (أَبَا عُمَيْرٍ) حَزِينًا لِمَوْتِ عُصْفُورِهِ، فَلَا يَمُرُّ عَلَيْهِ مُرُورَ الكِرَامِ، بَلْ يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيُلَاطِفُهُ وَيَقُولُ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، مُوَاسِيًا لِقَلْبِهِ الصَّغِيرِ.

 * مَعَ الضُّعَفَاءِ: كَانَتِ الأَمَةُ (الجَارِيَةُ) تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا، فَلَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا.

 * مَعَ مَنْ كُسِرَتْ قُلُوبُهُمْ: حِينَ دَخَلَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ مُنْكَسِرِينَ لِأَنَّ الأَغْنِيَاءَ يَسْبِقُونَهُمْ بِالصَّدَقَاتِ، لَمْ يَقُلْ لَهُمْ “هَذِهِ أَرْزَاقٌ”، بَلْ جَبَرَ خَاطِرَهُمْ وَعَلَّمَهُمْ ذِكْرًا يُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَهُمْ.

كَلِمَةٌ تُحْيِي.. وَكَلِمَةٌ تَقْتُلُ:

أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّ كَسْرَ الخَاطِرِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَصًا، بَلْ يَكْفِي فِيهِ كَلِمَةٌ قَاسِيَةٌ، أَوْ نَظْرَةُ احْتِقَارٍ، أَوْ تَجَاهُلٌ مُتَعَمَّدٌ.

كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ هَدَمَتْ بَيْتًا! وَكَمْ مِنْ نَقْدٍ لَاذِعٍ حَطَّمَ طُمُوحَ شَابٍّ! وَكَمْ مِنْ عَبُوسٍ فِي وَجْهِ يَتِيمٍ جَرَحَ قَلْبَهُ!

فِي المُقَابِلِ، الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَالاِبْتِسَامَةُ جَبْرٌ، وَالسُّؤَالُ عَنِ الغَائِبِ جَبْرٌ، وَشُكْرُ الزَّوْجَةِ عَلَى طَعَامِهَا جَبْرٌ، وَالثَّنَاءُ عَلَى المُجْتَهِدِ جَبْرٌ.

الجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ:

خُذُوهَا قَاعِدَةً فِي حَيَاتِكُمْ:

«مَنْ سَارَ بَيْنَ النَّاسِ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ، أَدْرَكَهُ اللهُ فِي جَوْفِ المَخَاطِرِ».

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَجْبُرَ اللهُ قَلْبَكَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، فَاجْبُرْ قُلُوبَ النَّاسِ فِي الرَّخَاءِ. لَا تَرُدَّ سَائِلًا، وَلَا تَكْسِرْ مُحْتَاجًا، وَلَا تَفْضَحْ مُسْتُورًا.

خِتَامًا:

تَلَمَّسُوا أَوْجَاعَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَرُبَّمَا هُنَاكَ قَلْبٌ يَنْتَظِرُ مِنْكُمْ كَلِمَةً لِيَحْيَا مِنْ جَدِيدٍ.

فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَاجْبُرْ بِخَاطِرِنَا وَخَاطِرِ كُلِّ مَنْ نُحِبُّ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

.