من تعظيم الشعائر… حكاية حاج ماليزي أبكت القلوب

 

بقلم : د/ مدحت عــلي احمد وِربي

قصة عجيبة في تعظيم الشعائر
الحمد لله الذي أمرنا بطاعته، ونهانا عن معصيته، ودلَّنا على تعظيم شعائره بفضله ومنته، الحمد لله كثيرًا والله أكبر كبيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، والصلاة والسلام علي الحبيب وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

هذه قصة عجيبة في تعظيم الشعائر ؛ إنها لحاج ماليزي حيث أنه قد علق حجرا من الحصى التي رمى بها الجمرات أثناء وجوده لأداء الفريضة، ولم يكتشف ذلك إلا بعد وصوله لوطنه عند فتح شنطه وأغراضه وجد هذا الحجر في حقيبته فأصرَّ على إعادته مرة أخرى إلى مزدلفة، فقام بجلب علبة زجاج صغيرة ذات قيمة ونظَّف الحجر وعطَّره ووضعه داخل العلبة ثم كتب رسالة إلى مدير بريد العاصمة المقدسة-مكة المكرمة- وأرفقها بمبلغ 10 ريالات سعودي ، ويطلب من مدير البريد أن يدفعها لسائق السيارة الأجرة لإعادة الحجر إلى مكانه في مزدلفة .

وقام مدير بريد العاصمة المقدسة -عبدالمحسن بن سلمي الردادي- شخصيا بإيصال الأمانة «الحجر» إلى مزدلفة وكتب رسالة لذلك للحاج وأعاد إليه الريالات العشرة ومعها مصحف ومسبحة…

أرأيتم كيف كان الحاج مهتما بالحجر لهذه الدرجة ؛ حيث أنه وضعه داخل زجاج ثمين بعد أن قام بتنظيفه من الأتربة ومسحه بعطر ذي رائحة زكية.

إنه تعظيم شعائر الله كما قال تبارك وتعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وتعظيمها: إجلالها، وتوقيرها، والقصد إليها، وقيل: الشعائر أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها، وإجلالها[السعدي ص ٦٢٧.].

وقال ابن تيمية: ” فالمقصود تقوى القلوب لله هو عبادتها له وحده دون من سواه بغاية العبودية له، والعبودية فيها غاية المحبة وغاية الذل والإخلاص، وهذه ملة إبراهيم الخليل، وهذا كله ممّا يبين أنَّ عبادة القلوب هي الأصل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” «‌أَلَا ‌إِنَّ ‌فِي ‌الْجَسَدِ ‌مُضْغَةٌ ‌إِذَا ‌صَلُحَتْ ‌صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلَّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ، فَمَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ فَدَعْهُ» “[ مجموع الفتاوي (١٧ /٤٨٠)].

و هكذا حجّ عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه حتى وقف بعرفات فأعتق ثلاثين مملوكاً وحملهم على ثلاثين راحلة وأمر لهم بثلاثين ألفاً، وقال: اعتقهم لله تعالى، لعله سبحانه يعتقني من النار.

حُكي عن معروف القاضي : أن الحجيج كانوا يجتهدون في الدعاء وفيهم رجل من التركمان ساكت لا يحسن أن يدعو، فخشع قلبه وبكى فقال بلغته: اللهم إنك تعلم أني لا أحسن شيئاً من الدعاء، فأسألك ما يطلبون منك بما دعوا، فرأى بعض الصالحين في منامه أن الله قبل حجّ الناس بدعوة ذلك التركماني لما نظر إلى نفسه بالفقر والفاقة والعجز.

قال الإمام الشافعي رحمه الله :” لا خيرَ في أن يُخرج من حجارة الحرم ، ولا ترابه شيء إلى الحل ؛ لأنَّ له حرمة ثبتت …

وقال غير واحد من أهل العلم: لا ينبغي أن يخرج من الحرم شيء إلى غيره.
عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال: قدمت مع أمي أو قال جدتي مكة فأتتها صفية بنت شيبة فأكرمتها وفعلت بها فقالت صفية: ما أدرى ما أكافئها به ، فأرسلت إليها بقطعة من الركن فخرجت بها ، فنزلنا أول منزل فذكر من مرضهم وعلتهم جميعا قال: فقالت أمي أو جدتي ما أرانا أتينا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم ، فقالت لي: وكنت أمثلهم انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها وقل لها إن الله جل وعلا وضع في حرمه شيئا فلا ينبغي أن يخرج منه قال عبد الأعلى فقالوا لي: فما هو إلا أن تجينا دخولك الحرم فكأنما أنشطنا من عقل “(الأم 7/ 155) .

وقال ابن حزم رحمه الله : [مَسْأَلَةٌ لَا يُخْرَجُ شَيْءٌ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ] .(المحلى بالآثار5/ 301).

‌‌وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ مَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ إنَّمَا هِيَ لِلْأَرْضِ وَتُرَابِهَا وَحِجَارَتِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إزَالَةُ حُرْمَتِهَا وَلَمْ يَأْتِ فِي الْمَاءِ تَحْرِيمٌ.

وصرح الشافعية : بحرمة نقل تراب الحرم ، وأحجاره ، وما عمل من طينه – كالأباريق وغيرها – إلى الحل ، فيجب رده إلى الحرم . بل قالوا : من ‌أخذ ‌شيئا ‌من ‌تراب ‌الحرم ‌إلى ‌خارجه ‌فعليه ‌أن ‌يستغفر الله تعالى من فعله أولاً، ثم عليه أن يرجعه إلى أي بقعة في الحرم إن استطاع، ولا يجب أن يردَّه بنفسه، بل لو أعطاه لمن يوثق به ليرده: جاز له ذلك، فإن لم يستطع هذا ولا ذاك: فيضعها في أي مكان طاهر، وقد قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)( البقرة/ 286 )

وقال الماوردي رحمه الله : فإن أخرج من حجارة الحرم ، أو من ترابه شيئاً : فعليه ردُّه إلى موضعه ، وإعادته إلى الحرم ” (الحاوي 4 / 314)

يعني الحاج الماليزي كان فقهيا رقيقا معظما لشعائر الله تعالي لذا كان حريصا كل الحريض علي إرجاع الحجر بهذه الصورة .

والعبرة من القصة : أنه هكذا يجب علينا أن نكون جميعا مع جميع حرمات الله تعالي ،و بهذه الروح يكون أثر الحج والصلاة وسائر العبادات على نفوسنا …. اللهم وحِّد جمعنا على طاعتك، ووفق أمتنا إلى حسن عبادتك، اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا من عبادك الصالحين.