حين يُحاصَر الإنسان… من شعب أبي طالب إلى جراح العراق وصمود غزة
18 أبريل، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشخ : حسين السمنودى
لم يكن الحصار يومًا مجرد أداة ضغط عابرة، بل كان – وسيظل – أحد أقسى أساليب كسر الإرادة الإنسانية، حين يُستهدف الإنسان في طعامه ودوائه وحياته اليومية. ومنذ اللحظة الأولى في تاريخ الإسلام، ظهرت هذه الأداة بوضوح في مشهد خالد، هو حصار شعب أبي طالب، حين اجتمعت قريش على تجويع المسلمين وعزلهم، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله.
هناك، في شعب أبي طالب، لم يكن الحصار مجرد قرار اقتصادي، بل كان امتحانًا قاسيًا للإنسان في إنسانيته، حيث أُغلقت الأسواق، وانقطعت السبل، واشتد الجوع حتى أكل الناس أوراق الشجر، وسمعت مكة بكاء الأطفال في ظلام الليل. ومع ذلك، لم ينكسر الإيمان، ولم تُبع العقيدة بلقمة عيش.
هذه الصورة الأولى للحصار لم تكن نهاية القصة، بل كانت بداية نمطٍ يتكرر، يتغير فيه الشكل، لكن يثبت فيه الجوهر: إخضاع الإنسان عبر حاجته.
وعندما نقف أمام تجربة العراق في تسعينيات القرن الماضي، فإننا لا نرى مجرد عقوبات سياسية، بل نقرأ واحدة من أكبر المآسي الإنسانية الحديثة تحت عنوان العقوبات على العراق في التسعينيات.
لقد فُرض على العراق حصار شامل بعد حرب الخليج، لم يترك بابًا من أبواب الحياة إلا وأغلقه أو ضيّق عليه. لم تعد المشكلة في تراجع الاقتصاد فقط، بل في انهيار مقومات الحياة ذاتها. المستشفيات التي كانت تضج بالحياة، أصبحت عاجزة عن استقبال المرضى لغياب الأدوية، والأجهزة الطبية تعطلت لأن قطع الغيار مُنعت، والأطباء وقفوا عاجزين أمام أمراض يمكن علاجها بسهولة في أي مكان آخر.
لم يكن الجوع في العراق حالة فردية، بل ظاهرة عامة. أُنهكت الأسر، وتفككت الطبقة الوسطى، وانتشرت أمراض سوء التغذية، خاصة بين الأطفال. وظهرت صور لم يكن يتخيلها أحد لبلد يملك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم: شعب غني بثرواته، فقير في قوته اليومي.
ثم جاء ما سُمّي بـ برنامج النفط مقابل الغذاء، والذي بدا في ظاهره إنسانيًا، لكنه في حقيقته كان تكريسًا لفكرة أن الشعب يُدار تحت الحصار لا يُنقذ منه. أصبح الغذاء يُوزع وفق حسابات دولية، والدواء مرهونًا بإجراءات معقدة، وكأن حياة الناس تُدار من خلف المكاتب، لا من واقع معاناتهم.
لقد دفع العراق ثمنًا إنسانيًا هائلًا، ليس فقط في عدد الضحايا، بل في انهيار منظومة كاملة من التعليم والصحة والاقتصاد. جيل كامل نشأ في ظل الحصار، يحمل آثاره النفسية والاجتماعية حتى اليوم.
وإذا انتقلنا إلى قطاع غزة، فإننا أمام مأساة لا تقل قسوة، بل ربما تفوقها من حيث الاستمرار والاختناق. فغزة ليست مجرد منطقة محاصرة، بل نموذج لحصار طويل الأمد، يتداخل فيه الاقتصاد بالسياسة بالأمن، ليصنع واقعًا يوميًا من المعاناة.
في غزة، لا يُقاس الحصار بالأرقام فقط، بل بالتفاصيل الصغيرة: أم تبحث عن دواء لطفلها فلا تجده، شاب يحمل شهادة علمية ولا يجد عملًا، بيت يُهدم ولا يُسمح بإعادة بنائه، ساعات طويلة من الظلام بسبب انقطاع الكهرباء، ومياه لا تصلح للشرب.
الحصار في غزة ليس فقط منعًا للغذاء أو الدواء، بل هو حصار للحياة نفسها. يُقيَّد دخول المواد الأساسية، وتُمنع الكثير من مستلزمات البناء، فتتراكم آثار الحروب دون إعادة إعمار حقيقية. ومع كل جولة تصعيد، تتفاقم الأزمة، ثم يعود الحصار ليغلق أبواب التعافي.
الأصعب من ذلك هو الحصار النفسي، حيث يعيش الإنسان في دائرة مغلقة، يرى العالم من حوله ولا يستطيع الوصول إليه. الحدود مغلقة، والبحر مراقب، والسماء محظورة، وكأن غزة تحولت إلى سجن كبير، لا يُعاقب فيه فرد، بل شعب كامل.
وإذا تأملنا المشهدين – العراق وغزة – نجد أن الحصار لم يعد مجرد وسيلة ضغط، بل أصبح نظامًا متكاملًا لإدارة الصراعات، تُستخدم فيه أدوات الاقتصاد بدل السلاح، لكنه لا يقل فتكًا عنه.
الإسلام، منذ أول تجربة في شعب أبي طالب، قدّم موقفًا أخلاقيًا واضحًا من هذا النوع من الظلم. لم يجز تجويع الأبرياء، ولم يسمح بحرمان الإنسان من دوائه، بل جعل حفظ النفس من أعظم المقاصد، ودعا إلى إطعام الجائع وإغاثة الملهوف، حتى في أوقات النزاع.
إن الحصار، في ميزان الإسلام، جريمة أخلاقية قبل أن يكون أداة سياسية، لأنه يستهدف الأضعف: الطفل، والمريض، والفقير.
لكن، ورغم كل هذا الألم، يبقى هناك درس لا يمكن تجاهله: أن الشعوب قد تُرهق، لكنها لا تُهزم إذا تمسكت بإرادتها. فقد خرج المسلمون من شعب أبي طالب أكثر قوة، وصمد العراق رغم الجراح، ولا تزال غزة، رغم كل شيء، تنبض بالحياة.
إن التاريخ لا يعيد نفسه عبثًا، بل ليذكرنا بأن الظلم، مهما طال، له نهاية، وأن الإنسان، حين يتمسك بكرامته، يصبح أقوى من الحصار، وأبقى من كل أدوات القهر.
من شعب أبي طالب إلى العراق، ومن العراق إلى غزة، تتغير الأزمنة وتتبدل الوجوه، لكن القسوة واحدة، والنهج واحد، والعقلية التي تتفنن في إيذاء الإنسان لا تزال كما هي، لا ترى في الشعوب إلا أرقامًا، ولا في الأطفال إلا ضحايا يمكن تجاهل صرخاتهم.
إن عدو العرب والمسلمين، قديمًا وحديثًا، لم يكتفِ بالمواجهة المباشرة، بل لجأ إلى أساليب أشد قسوة وخبثًا، فجعل من الجوع سلاحًا، ومن الدواء ورقة ضغط، ومن الحصار وسيلة لإخضاع أمة كاملة. لم تكن المعركة يومًا فقط في ميادين القتال، بل في المستشفيات التي تُحرم من الأجهزة، وفي البيوت التي يُطفأ نورها، وفي موائد تُرفع بلا طعام.
لقد رأينا كيف يُترك الطفل ليمرض لأنه وُلد في أرض محاصرة، وكيف تُجبر أم على اختيار من تُنقذ من أبنائها إذا قلّ الدواء، وكيف يتحول الإنسان إلى رهينة لقرارات تُتخذ بعيدًا عن معاناته. هذا ليس صراعًا عاديًا، بل هو مستوى من القسوة يتجاوز كل حدود الإنسانية، حيث يُعاقَب شعب كامل بذنب لم يرتكبه.
ورغم كل هذا، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: أي قوة هذه التي تخاف من رغيف خبز يصل إلى جائع؟ وأي انتصار هذا الذي يُبنى على أنين المرضى ودموع الأطفال؟
إن التاريخ سيظل شاهدًا أن من تفنن في إيذاء الشعوب، قد يملك القوة زمنًا، لكنه لا يملك الحق أبدًا، وأن الظلم، مهما طال، لا يتحول إلى عدل، ولا يصبح قدرًا محتومًا. ستبقى هذه الجرائم وصمة لا تُمحى، تلاحق أصحابها في ذاكرة الإنسانية، وتُذكّر العالم أن القهر لا يصنع سلامًا، وأن الحصار لا يقتل الشعوب بقدر ما يفضح وحشية من يفرضه.
وفي المقابل، ستظل إرادة الشعوب الحية هي الجواب الأقوى، تثبت أن الإنسان قد يُحاصر في أرضه، لكنه لا يُحاصر في كرامته، وأن الألم، مهما اشتد، لا يُسقط أمة تعرف طريقها، وتؤمن أن فجر العدالة آتٍ لا محالة.