خطبة بعنوان ( اسم الله الرحيم…دعوة للتراحم ) للدكتور مسعد الشايب
14 أبريل، 2026
خطب منبرية

خطبة بعنوان ( اسم الله الرحيم…دعوة للتراحم )
للدكتور مسعد الشايب
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
الجمعة 29من شوال 1447هـ الموافق 16 من إبريل 2026م
أولا: العناصر:
-
اسم الله الرحيم، والفرق بينه وبين اسم الله (الرحمن).
-
خمسةٌ من مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده.
-
الخطبة الثانية: (الانتحار وأهم أحكامه الفقهية).
ثانيا: الموضوع:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، وقائد الغرّ المحجّلين، صلاة وسلاما عليك يا سيدى يا رسول الله، وعلى آلك، وأصحابك، وأتباعك، وأحبابك، إلى يوم الدين، وبعد:
-
((اسم الله الرحيم، والفرق بينه وبين اسم الله الرحمن)):
أيها الأحبة الكرام: ما زال الحديث بنا موصولا مع أسماء الله الحسنى، وصفاتِه العليا، وفي لقاء الجمعة السابق عشنا مع اسم الله (الولي)، وبينت معانيه ودلالته، وتحدثت كيف نحقق الولاية لله (عزّ وجلّ)، ومن الأسماء الحسنى التي يجب علينا الإيمان بها، اسم الله (الرحيم)، وهذا الاسم ثابت بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وإجماع العلماء، فلم يخالف في ثبوته لله أحدٌ.
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم، معرفًا وغير معرف، ومضافًا لأسماء أخرى (128) ثمانية، وعشرين ومائة مرة، بالإضافة إلى تكراره في البسملة التي تفتح بها السور القرآنية ما عدا سورة الفاتحة، فالجمهور على أن بسملتها آية منها، وهذا إن دلّ فإنما يدل على عظمته، وأهميته، ومكانته، فكثرة الذكر للشيء تدل على أنه ذو مكانة، وذو أهمية عظمى.
واسم الله (الرحيم) مشتقٌ مما اشتق منه اسم (الرحمن)، فكلاهما مشتقٌ من الرحمة، التي تعني: الرقةَ، والعطفَ، والرأفةَ، وإيصالَ الخير للغير، والتفضلَ عليه، والإحسانَ إليه، مثل: ندمان ونديم.
وكلاهما أيضًا (الرحمن والرحيم) من صيغ المبالغة عند البعض، ولكن (الرحمن) أبلغ من (الرحيم)، فزيادة المبنى (الحروف) تدل على زيادة المعنى؛ لذا قال العلماء:
و(الرحمن): هو الذي وسعت رحمته كل شيء، وسعت جميع المخلوقات في الدنيا، فتعمّ المؤمن والكافر، الصالح والطالح، بإيصال الرزق، والهداية إلى ما خلق وقدر…وهكذا. أما (الرحيم): فهي رحمة خاصة بالمؤمنين فقط في الأخرة، ولذا كان التعبير في القرآن الكريم: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}[الأحزاب:43]، وكان من دعاء الصالحين: (يا رحمن الدنيا، ورحيم الأخرة).
و(الرحمن): هو المتفضل على خلقه بجلائل النعم وعظائمها، كإنعامه على العباد، بالإيجاد أولا، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا، وبالإسعاد في الآخرة ثالثا، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا. أما (الرحيم): فهو المنعم بدقائقها، ولطائفها، كتفاصيل الخلق، والإيجاد، وتفاصيل الرزق.
و(الرحمن): هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من العباد، كالخلق والإيجاد، والهداية، والرزق…الخ. أما (الرحيم): فهو المنعم بما يتصور صدور جنسه من العباد (مع الفرق الشاسع) كالإعانة، والإغاثة…الخ، فعون العبد وإغاثته ليسا كعون الله (عزّ وجلّ)، وغوثه.
و(الرحمن) لا يسمى، ولا يوصف به إلا الحق تبارك وتعالى، فتقول: رجل رحيم، ولا تقول: رجل رحمن، ولذا كان الممكن أن يحل لفظ (الرحمن) محل لفظ الجلالة (الله) كما في القرآن الكريم؛ فقد جمع الحق تبارك وتعالى بينهما في آية واحدة، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}[الإسراء:110]، ولذا قال بعض العلماء: إن (الرحمن) علمٌ على الذات الإلهية، أو قريب من اسم العلم. أما (الرحيم) فيسمى، ويوصف به الحق تبارك وتعالى وغيره، ولذا كان من وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) كما في سورة التوبة: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة:128].
و(الرحمن) لم يٌصحب، ولم يرتبط في القرآن الكريم إلا باسم (الرحيم)، فقد تصاحب الاسمان في القرآن الكريم ست مرات. أما (الرحيم) فيرتبط، ويتصاحب في القرآن الكريم بالعديد من الأسماء الحسنى والصفات العليا للحق تبارك وتعالى، فقد ورد (الغفور الرحيم) بالتعريف، والتنكير أيضًا، وورد (التواب الرحيم) بالتعريف والتنكير أيضًا، وورد (رحيم ودود) بالتنكير فقط، وغيرهم من الصيغ لمن تتبع ورود اسم (الرحيم) في القرآن الكريم.
وقيل: (الرحمن): هو المزيح للعلل والمزيل للكروب. أما (الرحيم): فهو المثيب على العمل، فلا يضيع لعامل عملا، ولا يهدر لساع سعيًا.
((خمسةٌ من مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده)):
أيها الأخوة الأحباب: مما يدل على اشتقاق (الرحمن الرحيم) من الرحمة، تعدد مظاهرها، فمن اللائق بنا ونحن نتحدث عن اسم الله (الرحيم)؛ أنت نذكر بعض مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده المؤمنين، وغير المؤمنين.
1ـ إرسال الرسل، وبيان الشرائع، والتحذير من النار وعذابها، فلولا الرسل واتباعهم؛ ما علمنا ربنا، ولا اهتدينا إلى توحيده، وتمجيده، والإيمان به، فلأجل مخالفة الأنبياء والمرسلين؛ ضل كثير من البشر فعبدوا الأصنام والحجر، وعبدوا الأوثان والشجر، بل وعبدوا البقر.
كما أن الكتب السماوية والشرائع الربانية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، أراحت العقول البشرية ورحمتها، حينما أجابت لها عن الأسئلة التي تتعلق بالإله، ووجوده، وصفاته، وقدرته المطلقة التي لا حد لها…الخ.
كما أن تلك الكتب السماوية، والشرائع الربانية بيّنا لنا كيف نشأ هذا الكون، وكيف أوجده الخالق سبحانه وتعالى، وفسرا لنا غوامضه، ومكنوناته، وامتداده، وفضائه الفسيح.
كما أن تلك الكتب السماوية، والشرائع الربانية نظما لنا حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية…الخ، ونظما لنا علاقتنا بالله، وعلاقتنا بالبشر والمجتمع بل والبلدان من حولنا.
كما أن تلك الكتب السماوية، والشرائع الربانية بينا لنا حقيقة الحياة الدنيا وفنائها، ومآلنا وعاقبتنا وحياتنا الأخروية بعدها، وأننا غير مخلدين فيها، وستفنى أعمارنا فيها بالموت، ثم نبعث من قبورنا ونحشر إلى أرض الحساب، ثم المآل إلى إما إلى جنة أو إلى نار.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}[النحل:36]، وقال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[الأنعام:48]، وقال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}[الإسراء:15].
وقال (صلى الله عليه وسلم): (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي)(اللفظ لمسلم)، النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث يشبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه وكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك لجهله.
2ـ أيضًا من مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده؛ تسخير الكون لنا بما فيه من عوالم سماوية، وأرضية، استمعوا إلى قول الحق تبارك وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ*وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[إبراهيم:32ـ34]، وقال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ*وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ*لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ*سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ*وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ*وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ*لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}[يس:33ـ40].
3ـ أيضًا من مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده المؤمنين؛ التجاوز للأمة عن حديث النفس، والخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، فعن ابن عباس (رضي الله عنهما)، أنه لما نزل قول الحق تبارك وتعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:284]، اغتم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غمًا شديدًا، وغاظتهم تلك الآية غيظًا شديدًا، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلَّمنا، وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قولوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال (ابن عباس): فنسختها هذه الآية: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[البقرة:286،285]، فَتُجُوِّزَ لَهُمْ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَأُخِذُوا بِالْأَعْمَالِ. (مسند أحمد)، ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ، أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ)(اللفظ للبخاري).
ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الأحزاب:5]، ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)(اللفظ لابن ماجه).
4ـ أيضًا من مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده المؤمنين؛ إمهالهم بعد ارتكابهم للذنوب والمعاصي، وفتح باب التوبة على مصراعيه، ليلا ونهارًا، إلى غرغرة العبد (خروج روحه)، أو إلى قيام الساعة، فمن المعلوم شرعًا أن كل بني آدم خطاء، فنفوسهم أمارة بالسوء، والهوي يغلبهم، فالخطأ والذنب، والمعصية من طبيعتهم، ومعلومٌ أن إبليس (عليه اللعنة) توعد المؤمنين الصالحين من أبناء آدم (عليه السلام)، ناهيك عن شياطين الإنس اللذين صاروا أكثر فجرًا وفسقًا من شياطين الجنّ، فكان فتح باب التوبة على مصراعيه؛ من أعظم مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده المؤمنين.
قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}[النحل:61]، وقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}[الزمر:54،53]، عن ابن عباس (رضي الله عنهما): (أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا. فَأَتَوْا مُحَمَّدًا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ). فنزلت تلك الآية. (متفق عليه).
وقال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا*وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}[النساء:18،17].
وقال (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)(رواه مسلم)، وقال أيضًا: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)(رواه الترمذي)ـ ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)(رواه الترمذي).
5ـ أيضًا من مظاهر رحمة الله (عزّ وجلّ) بعباده المؤمنين؛ مضاعفة الأجر والثواب على الطاعات والعبادات إلى سبعمائة ضعف، والمعاملة بالمثل في السيئات، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام:160]، وقال (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)(اللفظ لمسلم).
عبا دالله أقول قولي هذا، وأستغفر الله العليّ العظيم لي ولكم، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب………..
(الخطبة الثانية)
((الانتحار وأهم أحكامه الفقهية))
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلّ عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها أخوة الأحباب: ما زال الحديث بنا موصولا مع رحمة الله (عز وجل)، ومما ينافي تلك الرحمة، وينافي الإيمان واليقين بها إنهاء الحياة، وإزهاق الروح عمدًا أو ما يعرف ويسمى بالانتحار.
فالله (عزّ وجل) هو واهب الحياة وخالقها، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}[لملك:2،1]. ولا يحل لأحد أن يعتدى على حياة أحدٍ أو حتى على حياة نفسه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ)(رواه ابن ماجه)
وقد حذرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) من قتل أنفسنا (الانتحار)، وبيّن أن من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) (رواه البخاري من حديث أبي هريرة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (…وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ…)(رواه مسلم من حديث ثابت بن الضحاك).
ومبالغة في التحذير من قتل أنفسنا (الانتحار) ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على مَنْ قتل نفسه (المنتحر)، فعن جابر بن سمرة (رضي الله عنه) قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (سهام عريضة)، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ)(رواه مسلم).
وقد توعد الحق تبارك وتعالى على قتل الأنفس بكافة أنواع العقاب في الدنيا والأخرة، فقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا*وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}[النساء:30،29]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93]، فإذا كان هذا في مَنْ يقتل غيره فما بالنا في مَنْ يعتدي على بنيان نفسه ويهدم صنعة الله (عزّ وجلّ).
ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم سفك الدماء (دمائنا أم دماء غيرنا) بغير وجه حق من ورطات الأمور التي قلما ينجو منها المرء، أو هي الهلاك نفسه، فعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: (إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ)(رواه البخاري)، وعن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يَزَالَ (لَا يَزَالُ) الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)(رواه البخاري)، أي: لا تزال أعماله الصالحة كافية لتكفير ذنوبه وستر عيوبه، حتى إذا جاء القتل وإزهاق النفس ضاقت لأنها لا تفي بوزره، فقاتل نفسه من الأصناف التي تسعر بها نار جهنم يوم القيامة كما سجل القرآن الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وكان سلفنا الصالح (رضوان الله عليهم) كانوا حريصين على تلك الحياة التي وهبهم الحق تبارك وتعالى إياها ـ فجنبوها موارد الهلكة ـ امتثالًا لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة}[البقرة:195]، فهذا سيدنا عمرو بن العاص (رضي الله عنه) احتلم في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفق على نفسه إن اغتسل أن يهلك فتيمم، ثم صلى بأصحابه الصبح فذكروا ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: (يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟). فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي منعه من الاغتسال وقال إني سمعت الله يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}[النساء:29]، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا. (رواه أبو داود)
ومن هنا أقول: إن إزهاق الإنسان لنفسه (الانتحار) كبيرة من الكبائر، وقد نصّ العلماء والفقهاء على ذلك؛ لتوعد الحق تبارك وتعالى عليه بالعذاب الشديد كما رأينا، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟. قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ)(متفق عليه من حديث أبي هريرة)، فالنبي صلى الله عليه وسلم عدّ من المهلكات (قتل النفس) على وجه العموم سواء أكانت لنا أم لغيرنا ولم يحدد أو يخصص.
فقاتل نفسه (المنتحر) مسلمٌ عاص مرتكبٌ لكبيرة من الكبائر ـ أمره إلى الله (عزّ وجلّ)، وليس بكافر؛ لقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48 ـ 116].
وقاتل نفسه (المنتحر) تجري عليه في الدنيا جميع أحكام المسلمين من غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، والدعاء له، والترحم عليه.
عباد الله وأحباب رسوله الكريم: إن الله (عزّ وجلّ) رحيم بتلك الأمة ومن رحمته بها أنه رفع عنها الآصار والأغلال، وكل ما يلحق بهم مشقة أو محنة أو يؤدي إلى الهلكة حتى لا يقوموا بقتل أنفسهم، أَسأل الله (عزّ وجلّ) أَن يلهمنا رشدنا وَأَن يعيذنا من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا إِنَّه جواد كريم غَفُور رَحِيم.
فاللهمّ إنّا نسألك أن تختم لنا بخاتمة السعادة، اللهم نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.
كتبها الشيخ الدكتور/ مسعد أحمد سعد الشايب